يثير أي نقاش ديموغرافي في لبنان حساسية مفرطة، لا سيما عندما تتصدر المشهد عناوين قاسية تبشر بـ "طوائف على طريق الانقراض" استنادًا إلى قراءة لوائح الشطب الانتخابية بين عامي 2000 و2025. لا شك أن الأرقام الإدارية التي تظهر نموًّا بنسبة 71 % للناخبين المسلمين مقابل 14 % للناخبين المسيحيين هي أرقام رسمية، لكن تحويل هذه السجلات البيروقراطية إلى استنتاجات حول "النمو البيولوجي" أو "الشيخوخة الحتمية" يعكس خللًا منهجيًّا كبيرًا.
إن التعامل مع لوائح الشطب كأنها إحصاء سكاني شامل، يغفل ستة تحولات وعوامل سوسيولوجية، قانونية، وسياسية عميقة تعيد تفسير هذه الأرقام بعيدًا من سرديات الانقراض والتفوّق الديموغرافي:
1. تجنيس الزوجات السوريات (ما بعد 2011)
يفترض المقال المذكور أن القفزة الكبيرة في سجلات الناخبين المسلمين تعود حصرًا إلى "نمو ذاتي" وقدرة تراكمية بيولوجية متفوقة. هذا الاستنتاج يتجاهل متغيرًا ديموغرافيًا هائلًا طرأ على لبنان منذ اندلاع الأزمة السورية عام 2011.
وفقًا لتقارير وإحصاءات نشرتها مؤسسات بحثية موثوقة مثل "الدولية للمعلومات" استنادًا إلى بيانات المديرية العامة للأحوال الشخصية، سُجل ما بين 25,000 إلى 30,000 حالة زواج لرجال لبنانيين من نساء سوريات خلال السنوات الأولى للأزمة (بين عامي 2011 و 2018). وبناءً على هذا المسار الموثق، قمنا بإسقاط هذه البيانات (Projections) وتقدير الأرقام على امتداد الخمسة عشر عامًا الماضية، لتصل التقديرات الواقعية إلى ما بين 50,000 إلى 70,000 حالة زواج.
وبموجب قانون الجنسية اللبناني (القرار رقم 15 لعام 1925)، تكتسب الزوجة الأجنبية الجنسية اللبنانية وحق الاقتراع بعد عام واحد من تسجيل الزواج رسميًا. ونظرًا للتوزيع الجغرافي والاجتماعي لهذه الزيجات في مناطق الأطراف (كعكار، طرابلس، والبقاع)، تركزت الغالبية الساحقة منها (بنسبة تفوق 90 %) في البيئات ذات الأغلبية المسلمة.
وهنا تجدر الإشارة إلى أننا نتحدث فقط عن الزوجات اللواتي أصبحن ناخبات اليوم، ولا نُدرج أبناءهن في هذه الحسبة، لكون هؤلاء الأبناء (مواليد ما بعد 2011) لم يبلغوا بعد السن القانونية للاقتراع (21 عامًا). وعليه، فإن جزءًا كبيرًا ومؤثرًا من هذا "النمو" الذي بلغ 71 %، ليس سوى استيراد إداري وعملية تجنيس قانونية لعشرات الآلاف من الزوجات، ولا يعكس طفرة في الخصوبة الطبيعية للمرأة اللبنانية في تلك السجلات.
2. الاغتراب وقوانين "الجنسية الأحادية": شطب إداري وليس انقراضًا
يستخدم المقال مصطلحات مثل "سجلات خالية من الشباب" أو طوائف "آيلة للاختفاء". لكنه يتجاهل الحقيقة القانونية القائلة بأن هذا التراجع مرتبط بشكل وثيق بقوانين الهجرة في دول الاغتراب.
لقد هاجرت نسب كبيرة من العائلات المسيحية إلى دول ترفض قوانينها بصرامة "ازدواجية الجنسية" (Dual Citizenship)، مثل النمسا، هولندا، وألمانيا (قبل تعديلاتها الأخيرة)، ودول اسكندنافية أخرى. لكي يتمكن المغترب اللبناني من الاندماج وبناء مستقبله في هذه الدول، يُجبر قانونيًا على التنازل رسميًا عن جنسيته اللبنانية. وبمجرد إسقاط الجنسية اللبنانية عنه، تقوم الدولة بـ "شطبه" تلقائيًا من السجلات الانتخابية. ما تقرأه لغة الأرقام على أنه "انقراض"، هو في الحقيقة انعكاس لبيروقراطية الشطب الإداري لمغتربين أحياء ينجبون في المهجر، لكنهم سقطوا من القيود اللبنانية ورقيًا.
3. التناقض الرياضي مع معدلات الخصوبة الوطنية
الركيزة الأساسية لادعاءات الانقراض هي الإيحاء بوجود فجوة بيولوجية شاسعة تبرر النمو السريع بنسبة 71 %. هنا، يتدخل علم الديموغرافيا الرياضي ليدحض هذه الفرضية.
إذا كانت الطوائف الإسلامية تشكل الأغلبية الساحقة من الهيئة الناخبة، وتشهد وتيرة إنجاب انفجارية، فإن هذا الثقل العددي يجب أن ينعكس رياضيًا على "معدل الخصوبة الإجمالي" للبنان ككل، ليرفعه إلى معدلات المجتمعات الفتية (3 إلى 4 أطفال لكل امرأة). لكن المرجعيات الدولية تنفي ذلك؛ فبحسب بيانات البنك الدولي وصندوق الأمم المتحدة للسكان، بلغ معدل الخصوبة في لبنان لعامي 2023 و2024 حوالى 2.1 ولادة لكل امرأة، وتشير دراسات أحدث إلى انخفاضه أكثر. التمدن، وتأخر سن الزواج، والأزمات الاقتصادية الخانقة، فرضت نمطًا إنجابيًا متقاربًا جدًا بين جميع العائلات اللبنانية، ما يؤكد أن الفوارق في السجلات هي نتاج إداري (تجنيس وشطب) وليس طفرة إنجابية.
4. "العمى الإحصائي": إسقاط جيل"التعافي" ما بعد 2004
الخطيئة المنهجية الأكبر في مقاربة المقال هي قراءة حيوية الطوائف وهرمها العمري بالاستناد إلى لوائح الشطب لعام 2025 حصرًا. ينص الدستور اللبناني على أن سن الاقتراع هو 21 عامًا، مما يعني بوضوح أن الهيئة الناخبة لعام 2025 تُقصي وتُسقط قانونيًا كل مواطن وُلد بعد عام 2004.
عانى المسيحيون خلال فترة التسعينات وحتى أوائل الألفية من تهميش سياسي واقتصادي، دفع بالشباب نحو الهجرة وأدى إلى انخفاض قسري في معدلات الزواج والإنجاب. ولكن، مع التحولات السياسية وزوال الوصاية بدءًا من عام 2005، استعاد المسيحيون توازنهم وحضورهم في المعادلة الوطنية. هذا "التعافي السياسي والاقتصادي" وفر بيئة أكثر استقرارًا، مما حدّ من موجات الهجرة السياسية للشباب وشجع على الاستقرار، وبالتالي تحسين معدلات الخصوبة مقارنة بحقبة التسعينات.
هذا الجيل الشاب، الذي وُلد ونشأ في كنف الانفراج السياسي ما بعد 2004، يمثل كتلة ديموغرافية صلبة، لكنه "مخفي" تمامًا ولا يظهر في قيود 2025. هذه الكتلة ستبدأ بالتدفق الفعلي إلى اللوائح الانتخابية بحلول دورة عام 2029 (عندما يبلغ مواليد مرحلة التعافي سن الـ 21). وحينها، ستعكس السجلات تصحيحًا إيجابيًا، لتُسقط بشكل قاطع أي ادعاء بـ "انقراض" لا وجود له، إلا في قراءات تعاني من العمى تجاه جيلٍ كامل.
5. الخلل التأسيسي: مرسوم تجنيس 1994 وأثره المتراكم
لا يمكن قراءة المشهد الديموغرافي اللبناني وتضخم أرقام لوائح الشطب، من دون العودة إلى الخلل التأسيسي الأكبر: مرسوم التجنيس لعام 1994. لقد منح هذا المرسوم الجنسية اللبنانية لحوالى 200 ألف شخص دفعة واحدة، الغالبية الساحقة منهم صُنفوا ضمن الطوائف الإسلامية.
إذا طبقنا نسبة النمو المذكورة في المقال نفسه (71 %) على هذه الكتلة المجنسة منذ عام 2000، سنجد أن هؤلاء الـ 200 ألف، قد تضاعفوا ليقاربوا اليوم نحو 350 ألف ناخب إضافي. بلغة الأرقام، إذا قمنا علميًّا بتحييد أثر هذا المرسوم التأسيسي فقط (بسحب 350 ألف ناخب من الكتلة الإسلامية ومن إجمالي الناخبين)، ستنخفض نسبة الناخبين المسلمين إلى 63 %، بينما سترتفع نسبة الناخبين المسيحيين لتلامس الـ37 %. هذا التعديل الحسابي يثبت أن الفجوة الحالية هي نتاج هندسة ديموغرافية سياسية بدأت بمرسوم 1994 وتستمر تداعياتها المتراكمة حتى اليوم.
6. عامل غالبًا ما يُهمَل: "الضجيج الإحصائي" وجودة السجل المدني
في لبنان، السجل المدني (الذي تُستخرج منه لوائح الشطب) ليس منظومة إلكترونية "مغلقة ومثالية" تُحدّث بياناتها لحظيًّا، بل هو نظام بيروقراطي يعاني من ثغرات بنيوية. إن تراكم الوفيات غير المُسجّلة (خصوصًا للمغتربين أو كبار السن الذين يتوفون ولا تُشطب قيودهم فورًا)، وتأخر تسجيل الولادات، وازدواجية الإجراءات الإدارية، وتأخر نقل السجلات، كلها عوامل تخلق "ضجيجًا إحصائيًا" هائلًا في اللوائح.
على سبيل المثال، ظاهرة "المقترعين الموتى" تضخم أعداد بعض السجلات بشكل وهمي وتُظهر هَرَمًا عمريًا مختلًا. وفي ظل غياب تعداد سكاني رسمي وحديث وموثوق منذ عام 1932، فإن الاعتماد الأعمى على هذه القيود الورقية غير المنقحة لبناء استنتاجات ديموغرافية، ومحاولة تحويل هذا الخلل الإداري إلى نظريات يقينية حول "تفوّق طائفي" أو "انقراض"، يُعد خطأ علميًا مضاعفًا يجافي أبسط قواعد الإحصاء الدقيق.
خلاصة
إن المجتمع اللبناني يواجه أزمة هجرة تضرب عصب شبابه من كافة الطوائف من دون استثناء. لكن محاولة اختزال هذا التحول المعقد في قراءة مسطحة لـ "لوائح الشطب"، وتجاهل أثر مرسوم التجنيس لعام 1994، والتجنيس عبر الزواج بعد 2011، وقوانين إسقاط الجنسية في الاغتراب، والعمى الإحصائي تجاه جيل ما بعد 2004، وفوضى السجلات المدنية، كلها عوامل تعتبر تجنيًا على العلم الديموغرافي. المطلوب اليوم قراءة الأرقام بعين علمية وموضوعية، بدلًا من الغرق في تحويل السجلات الإدارية إلى فزاعات طائفية تخطئ في تشخيص أصل المشكلة.