الأغلبية للعرب السُّنّة والضمانات للمكونات الأخرى

سوريا: الفدراليّة من العهد الفيصلي إلى الفدراليّة التوافقيّة

9 دقائق للقراءة

صدر مؤخَّرًا عن «دار سائر المشرق»، كتاب: «سوريا: الفدراليّة من العهد الفيصلي إلى الفدرالية التوافقية»، للدكتور سليم زخّور الذي يحلّل فيه بعمق التحوّلات السياسيّة والدستورية في سوريا.

ينطلق الكاتب من فرضيّة أنّ الفدراليّة التوافقيّة هي النموذج الأكثر ملاءمة لضمان الاستقرار السياسي والعدالة، في دولة متعددة المكوّنات كـسوريا. من خلال أربعة أجزاء متكاملة، يعرض الدكتور زخور قراءة تاريخية، وتحليلًا للتجارب الفدرالية السابقة، كما يقترح تصوُّرًا عمليًّا لِبُنية دستوريّة فدراليّة جديدة.



تحتلّ مسألة توازن السلطات وتمثيل المكوّنات الإثنيّة والدينيّة في سوريا، مكانةً مهمّة في أي نقاش يهتمّ بالواقع السياسي والدستوري للبلاد. في هذا السياق، لا بدّ من إيجاد تسوية بين هذه المكوّنات على مستوى بُنية النظام السياسي والدستوري، بما يؤمّن إدارة التعدّدية السوريّة بطريقة متوازنة وعادلة إلى أبعد حد.


في هذا الإطار، وفي سبيلٍ لتحقيق الاستقرار السياسي في سوريا، يصبح من الضروري صياغة عقد اجتماعي جديد يستند إلى مبادئ المواطنة المتساوية، مع ضمان حقوق جميع المكوّنات ضمن إطار الدولة الموحّدة. يجب أن يراعي هذا العقد مصالح الأغلبية العربية السّنيّة من دون أن يؤدي ذلك إلى تهميش المكوّنات الأخرى، بل على العكس، ينبغي أن يُوفّر لها ضمانات دستورية.

إنّ بناء الفدراليّة التوافقيّة السوريّة، تُجاوب في صلب فلسفتها على هذا المبدأ، حكم الأغلبية للعرب السُّنّة والضمانات للمكوّنات الأخرى.


الأغلبية من خلال مجلس النواب

تمثّل آلية تشكيل مجلس النواب في سوريا أحد العوامل الحاسمة في تحديد التوازن السياسي داخل الدولة، حيث يعكس البرلمان إرادة الناخبين من خلال آلية انتخابية محددة. في هذا السياق، فإنّ اعتماد التمثيل العددي للسكان كمعيار وحيد لتوزيع المقاعد البرلمانية من دون أي اعتبارات للمكونات الإثنية أو الدينية، يؤدي تلقائياً إلى تمثيل الأغلبية السكانية في البلاد، أي العرب السّنّة، بشكل يعكس حجمهم الديموغرافي.


ويتمّ ذلك من خلال:

- التمثيل المباشر وفق عدد السكان: حيث تحصل كلّ منطقة على عدد من النواب يعكس حجمها الديموغرافي، ما يعزّز فرص المكوّنات الكبرى في الحصول على مقاعد أكثر.

- غياب التوزيع الطائفي أو الإثني: ممّا يمنع تخصيص حصص مسبقة للمكونات الأخرى، ويجعل التمثيل محصورًا بحجم الناخبين في كل منطقة.

- الاقتراع العام المباشر: حيث يتيح لجميع المواطنين المشاركة في اختيار ممثليهم على أساس القوائم النسبية، ما يعزّز فرص القوى السياسية التي تمثّل الأغلبية العددية.


من جهة أخرى، يؤثّر النظام الانتخابي المعتمد على كيفية بناء التوازنات السياسية، حيث يُعتبر النظام النسبي أداة فعّالة لترجمة الحجم الديموغرافي إلى قوة سياسية، فيسمح بتوزيع المقاعد البرلمانية وفق نسبة الأصوات التي يحصل عليها كلّ حزب أو قائمة في كلّ دائرة انتخابية. ومع تمركز العرب السّنّة في معظم المناطق السورية، فإنّ هذا النظام يتيح لهم الحصول على حصة كبيرة من المقاعد البرلمانية، ممّا يضمن لهم نفوذًا قويًا في التشريعات والقرارات الحكومية.


إنّ اعتماد نظام انتخابي قائم على التمثيل العددي للسكان دون أي اعتبارات مذهبية أو إثنية، يضمن تحقيق مبدأ الديمقراطية عبر تمثيل حقيقي للأغلبية. في الحالة السورية، يؤدّي هذا النظام إلى ضمان انعكاس الأغلبية العددية للعرب السّنّة في تركيبة مجلس النواب، مما يسهم في تعزيز الشرعية الشعبية لأيّ قرارات تُتخذ على المستوى الوطني، مع الحفاظ على مبدأ المساواة بين جميع المواطنين في الحقوق والواجبات، بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية أو الإثنية.



الأغلبية في الحكومة الاتحادية

يعد تشكيل الحكومة في النظم الديمقراطية انعكاسًا للتمثيل البرلماني، حيث تؤثّر الأغلبية البرلمانية بشكل حاسم في اختيار رئيس الوزراء، توزيع الحقائب الوزارية، وصياغة السياسات العامة. في الحالة السورية، ومع تبني نظام انتخابي يعتمد على التمثيل العددي للسكان دون أي اعتبارات إثنية أو مذهبية، فإنّ الأغلبية البرلمانية ستُترجم تلقائيًا إلى سيطرة مكوّن الأغلبية، أي العرب السّنّة، على تشكيل الحكومة الاتحادية.


وفقًا للنظام الانتخابي المقترح لمجلس النواب السوري، والذي يعتمد على التمثيل العددي لكلّ مئة ألف مواطن، فإنّ المناطق ذات الأغلبيّة السكانية العربية السّنّية ستحصل تلقائيًا على العدد الأكبر من المقاعد في مجلس النواب. هذا يؤدي إلى تمكين القوى السياسية التي تمثّل هذه الأغلبية من تشكيل الحكومة، بما في ذلك تعيين رئيس الوزراء، توزيع الوزارات السيادية، ووضع السياسات العامة.


في ظل هذا النظام، يصبح البرلمان الأداة الأساسيّة في تحديد مسار السلطة التنفيذية، حيث تضمن الأغلبية البرلمانية استمرار الحكومة دون عراقيل من المكوّنات السياسية الأخرى. كما يعزّز ذلك من الاستقرار السياسي عبر تقليل الحاجة إلى تحالفات غير متجانسة قد تعيق عمل السلطة التنفيذية.


وهذا ما يوصلنا، إلى الجزء الآخر من الفلسفة التي نطرحها للفدرالية التوافقية في سوريا، وهي الضمانات للمكوّنات. وهي ضمانات في تكوين النظام السياسي، وخاصة من خلال تحقيق الاستقلال الذاتي المناسب للمكونات، وتأمين مشاركتها في السلطات الاتحادية، من خلال صلاحيات دستورية، ووسائل تأثير فعلية في القرار، بما يضمن المشاركة الفعالة.



الاستقلال الذاتي

يتمثّل الاستقلال الذاتي في سوريا على مستويَين رئيسيَّين: الأول هو الاستقلال الذاتي الخاص بكل مكوّن، والذي يشمل الجوانب الثقافية، اللغوية، الدينية والاجتماعية. والثاني هو الاستقلال الذاتي على مستوى الوحدات الفدرالية، والذي يمنح المناطق التي تشكّل فيها المكوّنات أغلبية كبيرة سلطات تنفيذية وتشريعية وقضائية تضمن إدارتها الذاتيّة ضمن النظام الاتحادي العام.



- الاستقلال الذاتي على مستوى المكوّنات

يرتكز الاستقلال الذاتي للمكوّنات على تأمين حقوقها الثقافية والاجتماعية والدينية، مما يضمن لها بيئة مناسبة للحفاظ على هويتها وتنميتها ضمن الدولة السورية الاتحادية. وهذا الاستقلال يتجلّى في عدة جوانب رئيسية.


• الحقوق اللغوية والثقافية، حيث تُعدّ اللغة والثقافة من الركائز الأساسية للهوية الوطنية لأي مكوّن، لذلك يضمن الدستور الاتحادي الحقوق اللغوية لكلّ المكوّنات، وتشمل حقّ جميع السوريين تعليم أبنائهم بلغتهم الأم، سواء كانت الكردية، التركمانية، السريانية، الأرمنية، أو أي لغة أخرى.


• الأحوال الشخصية وحرية الاعتقاد، من خلال ضمان الحقوق الدينية والاجتماعية للمكوّنات كجزء من العقد الاجتماعي للدولة السورية الاتحادية، حيث يُقرّ الدستور الاتحادي بِحريّة اختيار نظام الأحوال الشخصية الخاص بهم، وفقًا لمعتقداتهم الدينية أو خياراتهم الشخصيّة، كما يسمح للولايات بتشريع قوانين مدنيّة خاصة بالأحوال الشخصية، بشرط عدم المساس بِحريّة المواطنين في الالتزام بقوانين دينية للأحوال الشخصية.


من جهة أخرى، تضمن السلطات الاتحاديّة وسلطات الولايات حريّة العبادة، وحماية أماكنها، كما يتمتع أتباع كل دين أو مذهب بِحريّة ممارسة الشعائر الدينية وإدارة مؤسساتهم الدينية وأوقافهم، وفقًا للقوانين المنظمة لذلك.



- الاستقلال الذاتي على مستوى الوحدات الفدرالية

إلى جانب الحقوق الثقافية والاجتماعية لكل مكوّن، يقرّ النظام الفدرالي في سوريا بإمكانية تشكيل وحدات فدرالية داخل الدولة، تمنح هذه الوحدات سلطات تنفيذية وتشريعية وقضائية، مما يضمن لها استقلالًا ذاتيًا ضمن الإطار الاتحادي.


ويكفل الدستور في هذا الإطار، إمكانيّة قيام وحدات فدرالية متجانسة مذهبيًا أو إثنيًا، في حال قرّر سكان مجموعة من المناطق تشكيل وحدة فدرالية، حيث يكون الخيار عائدًا للشعب أي إلى سكان المناطق من خلال الاستفتاء.


يحقّق الاستقلال الذاتي على مستوى المكوّنات والوحدات الفدراليّة، توازنًا سياسيًا يضمن استقرار سوريا الاتحادية. فمن خلال حماية حقوق المكوّنات في التعليم، اللغة، الأحوال الشخصية، والدِّين، تضمن الدولة بيئة متعددة الثقافات تحترم التنوّع الداخلي. وفي الوقت ذاته، يتيح إنشاء الولايات الفدرالية منح استقلال ذاتي للمناطق ذات الأغلبية الكبيرة، مما يعزّز قدرتها على إدارة شؤونها وفقًا لخصوصياتها الثقافية والاجتماعية.



ضمانات للمكوّنات عبر المشاركة في قرار السلطة الاتحادية

إلى جانب الاستقلال الذاتي، تمثّل المشاركة في السلطة الاتحادية إحدى الركائز الأساسية للفدرالية التوافقية في سوريا، حيث تضمن لجميع المكوّنات الإثنيّة والدينيّة القدرة الفعليّة على التأثير في صناعة القرار الوطني.


ويتيح هذا النموذج مشاركة واسعة، مع توفير آليات للتوافق أو الفيتو المتبادل في القضايا الحساسة، مما يعزّز الاستقرار السياسي ويمنع انفراد مكوّن واحد بالسلطة.



- القيادة التنفيذية الاتحادية – مجلس الرئاسة

يُعدّ مجلس الرئاسة أعلى سلطة قياديّة وتنفيذيّة في الاتحاد، ويضمّ ممثّلين عن المكوّنات الرئيسة في سوريا، وفق آلية انتخابية تضمن تمثيلًا عادلًا لكلّ مجموعة سكّانية مع الحفاظ على وحدة القرار السياسي. ويتشكّل المجلس الرئاسي من أربعة ممثلين عن العرب السُّنّة، الأكراد، العلويين، والمسيحيين.



- الغرفة التشريعية الثانية – مجلس الاتحاد

تأتي الحاجة إلى وجود غرفة تشريعية ثانية، إلى جانب مجلس النواب، لضمان تمثيل المكوّنات بشكل متوازن داخل المؤسسة التشريعية، ولضمان تحقيق الاستقرار التشريعي والسياسي. يعكس مجلس الاتحاد التنوع الجغرافي والإثني والديني لسوريا، حيث يتمتع بصلاحيات واسعة تتيح له التأثير في التشريعات، وحماية حقوق المكونات، ومنع هيمنة الأغلبية العددية على القرارات المصيرية.


يتمّ تشكيل مجلس الاتحاد وفق مبدأ التمثيل المزدوج، حيث يُمثّل أعضاؤه، المناطق الجغرافية من جهة، والمجموعات الدينية والإثنية من جهة أخرى.


يتمتع مجلس الاتحاد بصلاحيّات مهمّة تجعله مؤثِّرًا في إقرار التشريعيات والتعديلات الدستورية، موازية إلى حد كبير لصلاحيات مجلس النواب.


في الختام، يؤدي هذا النموذج إلى تحقيق توازن دقيق بين الأغلبية الديموغرافية وضمانات التعددية السياسية، مما يحمي المكوّنات الأقل حجمًا من التهميش، ويضمن استقرار الدولة عبر مشاركة الجميع في الحكم. ومن خلال آليات التصويت الخاصة، ونظام الفيتو المتبادل، والتمثيل التشريعي العادل، يصبح النظام الفدرالي السوري نموذجًا متوازنًا يمكنه استيعاب التنوع المجتمعي، وتحقيق العدالة السياسية لجميع المواطنين.


يمثّل هذا النموذج مزيجًا من الضمانات السياسية والدستورية التي تؤمّن مشاركة جميع المكوّنات في الحياة العامة، مع ضمان الاستقرار والوحدة الوطنية عبر نظام اتحادي متوازن.