تشهد الساحة الدبلوماسية حملة منسقة بإحكام، تُمارَس عبر العلاقات العامة، تدفع بقوة نحو رفع الحكومة السورية الانتقالية من قائمة الدول الراعية للإرهاب الصادرة عن الولايات المتحدة. ويُقدّم مناصرو هذا الرفع التصنيف بصفته أحفورة بيروقراطية تُعطّل التعافي الاقتصادي الكلي وتُسلّم البنية الرقمية السورية لقمة احتكار صيني. لكن السجل التجريبي يُكذّب هذا الطرح. فرفع التصنيف في ظل الظروف الراهنة لن يُعيد بناء الدولة السورية ولن يُنقذ سكانها المدنيين. بل سيمنح شرعية لسلطة جهادية أُعيد تغليفها، ويُموّل كليبتوقراطية ناشئة صُمّمت عبر تشريعات استثمارية نهّابة، ويُجازي حكومة تنخرط فعلياً في انتهاكات منهجية قائمة على الهوية. والأهم من ذلك، أن غياب تعريف قانوني متفق عليه عالمياً للإرهاب في القانون الدولي لا يجعل طبيعة هذا الكيان الحاكم غامضة؛ فنمط السلوك المُوثّق يتحدث بوضوح لا لبس فيه.
1. النموذج ما بعد الأسد وبنية إعادة التأهيل الدبلوماسي
أدى الانهيار المفاجئ لنظام بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024 إلى إعادة ترتيب عميقة في البنية الجيوسياسية والأمنية للشرق الأوسط. وفي أعقاب هجوم عسكري كبير قادته هيئة تحرير الشام (HTS) وفصائل متحالفة معها، تأسست في دمشق حكومة انتقالية جديدة برئاسة أحمد الشرع، الذي عيّن نفسه فعلياً على رأس السلطة. وأطلق هذا التحول حملة دولية غير مسبوقة ومنسقة بدقة لإعادة تلميع الصورة وإعادة التأهيل، تهدف إلى دمج سريع للدولة السورية في النظام الدبلوماسي والاقتصادي العالمي.
وتمثلت إحدى الدعائم الأساسية لحملة التطبيع هذه في التفكيك المنهجي لمنظومة العقوبات الشاملة التي عزلت الدولة السورية لما يقارب عقدين من الزمن. وبلغ هذا الزخم الدبلوماسي ذروته في أيلول/سبتمبر 2025 بحضور الشرع اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، تلتها زيارة بارزة إلى واشنطن في تشرين الثاني/نوفمبر 2025. وخلال هذه الزيارة، عقد الشرع لقاءات مباشرة مع وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو والرئيس دونالد ترامب — لقاءات دبلوماسية كانت غير قابلة للتصور قبل عام واحد فقط، عندما كان الشرع يقود تنظيماً مصنفاً إرهابياً أجنبياً.
وتمت بلورة عملية التطبيع عبر سلسلة من الإجراءات التنفيذية والتشريعية الواسعة. فقد أعلن الرئيس ترامب في أيار/مايو 2025 نيته رفع العقوبات الشاملة عن سوريا، وتحقق هذا التحول في السياسة في 30 حزيران/يونيو 2025 بصدور الأمر التنفيذي رقم 14312. وقد أنهى هذا الأمر فعلياً حالة الطوارئ القومية المعلنة بموجب الأمر التنفيذي 13338، وألغى سلسلة من الأوامر التنفيذية المرتبطة به، وأمر بإزالة أنظمة العقوبات السورية (SySR) من مدوّنة اللوائح الفدرالية. وفي المقابل، أرست الولايات المتحدة نظاماً انتقائياً قائماً على قوائم محددة عُرف بـ«عقوبات تعزيز المساءلة عن نظام الأسد واستقرار المنطقة» (PAARSS).
وفي موازاة ذلك، أصدر مكتب مراقبة الأصول الخارجية الأمريكي (أوفاك) الترخيص العام رقم 25 (G.L. 25)، الذي سمح على نطاق واسع بالتعامل مع كيانات كانت محظورة سابقاً، فاتحاً الباب لاستثمارات جديدة وتقديم خدمات وصفقات متعلقة بالنفط ذي المنشأ السوري. وبموجب هذه الآلية، أُزيل 518 شخصاً وكياناً دفعة واحدة من قائمة الأشخاص المصنفين خصيصاً (SDN)، ما أدى فعلياً إلى إلغاء حظر مؤسسات حكومية رئيسية من بينها مصرف سوريا المركزي، وسيريتل، والخطوط الجوية العربية السورية، وعدد من المديريات العسكرية والاستخباراتية. ونُفّذ إلغاء تصنيف هيئة تحرير الشام من قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية (FTO) بالتوازي مع هذا التفكيك لبنية العقوبات، الأمر الذي غيّر جذرياً خريطة الالتزام القانوني.
وعلى أثر القيادة الأمريكية، بل سابقةً في الواقع لآلية واشنطن الكاملة لإلغاء التصنيف، تحرّك الشركاء الدوليون بسرعة. ففي 5 كانون الأول/ديسمبر 2025، رفعت كندا رسمياً سوريا من قائمتها للدول الراعية للإرهاب الأجنبي المُنشأة بموجب قانون الحصانة من الدولة، وألغت تصنيف هيئة تحرير الشام بموجب قانونها الجنائي.
وعلى الرغم من هذه التحولات الجوهرية، تبقى عقبة وحيدة وحاسمة تحول دون إعادة التأهيل الاقتصادي والدبلوماسي الكامل لسوريا: تصنيفها من قِبل الولايات المتحدة كدولة راعية للإرهاب (SST)، وضع تحمله البلاد دون انقطاع منذ 29 كانون الأول/ديسمبر 1979. وفي حين يُصوّر المناصرون الوزير روبيو بصفته العقبة الوحيدة الفاصلة بين الخلاص الاقتصادي لسوريا وتوقيع واحد، فإن هذا التصوير مُغرٍ لكنه ناقص بشكل خطير. فنظرة متأنية إلى السجل المُوثّق للرجال الذين يحكمون سوريا الآن — أسسهم الفكرية، واستحواذهم الأوليغارشي على الدولة، وتاريخهم في ارتكاب انتهاكات منهجية — تكشف أن تصنيف الدولة الراعية للإرهاب ليس أحفورة بيروقراطية. بل هو خط دفاع حيوي للأمن الحضاري وخط مساءلة أخير.
«لا توجد عقبة أخرى. هو التوقيع الأخير.» — مسؤول كبير في الإدارة الأمريكية (المونيتور، أيار/مايو 2026)
2. المشكلة التعريفية: غياب تعريفٍ للإرهاب لا يعني غياب الضحايا
قبل الخوض في الحقائق الفكرية والتشغيلية لحكومة دمشق الحالية، تجب الإشارة إلى نقطة معرفية جوهرية: غياب تعريف متفق عليه عالمياً لمصطلح «الإرهاب» في القانون الدولي. فعلى الرغم من عقود من المفاوضات داخل الأمم المتحدة، لم تُفرز أي معاهدة دولية ملزمة تعريفاً توافقياً. وقد ناقشت اللجنة المخصصة للإرهاب التابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة هذه القضية لسنوات دون حسم، في ظل خلافات مستمرة حول ما إذا كان عنف الدول، وحركات التحرر، والجهات من غير الدول، ينبغي أن تخضع جميعها لإطار قانوني واحد.
ويستغل مناصرو إعادة تأهيل سوريا هذا الفراغ التعريفي بصفته درعاً خطابياً. ومنطقهم كما يلي: بما أن القانون الدولي لا يستطيع تعريف الإرهاب بشكل قاطع، فإن تصنيف سلطة حاكمة بأنها «إرهابية» هو أمر سياسي بطبيعته لا قانوني، وبالتالي فإن تصنيف الدولة الراعية للإرهاب اعتباطي ومُسيّس وجاهز للإزالة.
وهذه الحجة غير أمينة فكرياً ومتهرّبة أخلاقياً في آنٍ معاً. فغياب تعريف واحد عالمي لا يعني غياب سلوك يمكن تحديده. فقد أقرّ القانونيون والمؤرخون والمحاكم الدولية على مدى عقود بمجموعة من السلوكيات التي تشكّل إرهاباً بصرف النظر عن المسمى: الاستهداف المتعمد للمدنيين لتحقيق أهداف سياسية، استخدام العنف الجماعي لإنفاذ التماثل الفكري، الاضطهاد المنهجي للسكان على أساس الهوية الدينية أو العرقية، والتدمير المحسوب للبنية التحتية المدنية كأداة للقهر. والسلطة الحاكمة في دمشق قد انخرطت فعلاً في كل واحدة من هذه الفئات، كما وثّقته على نطاق واسع لجنة التحقيق الدولية التابعة للأمم المتحدة، ومنظمة هيومن رايتس ووتش، ومنظمة العفو الدولية.
وباختصار: غياب التعريف لا يعني غياب الوضوح. فمجموعة الأدلة المُنتجة منذ كانون الأول/ديسمبر 2024 تشكّل سجلاً جنائياً موثّقاً لحكمٍ بالترويع. وإزالة تصنيف الدولة الراعية للإرهاب على أسس تعريفية تُماثل تبرئة مُحرقٍ متعمد بحجة أن القانون الدولي لم يُصدر بعد تعريفاً عالمياً مُصادَقاً عليه للنار.
غياب تعريف متفق عليه عالمياً للإرهاب لا يجعل طبيعة سلطة حاكمة ارتكبت مجازر منهجية بحق المدنيين على أساس عرقي وطائفي أمراً غامضاً.
3. الإطار المفاهيمي للإسلام السياسي والتهديد الحضاري
لتقييم تداعيات إزالة تصنيف سوريا كدولة راعية للإرهاب بدقة، يجب التخلي عن الأطر السطحية التي يستخدمها صناع السياسة الغربيون غالباً، والنظر إلى الصراع من منظور حضاري وعقائدي. فالإرهاب في هذا السياق ليس مجرد تكتيك يستخدمه الضعفاء؛ بل هو التعبير الاستراتيجي للإسلام السياسي — نظام سياسي-ديني شامل يقوم على إطار من التشريع والسلطة والفتح.
والنزعة الدبلوماسية السائدة التي تُميّز بين عقيدة دينية خاصة وامتداد سياسي متطرف يُسمّى «الإسلاموية» هي أداة خطابية مُضلِّلة صُمّمت لحماية جوهر العقيدة من التمحيص البنيوي. فالحركة العقائدية التي تحكم دمشق لا ترى نفسها دولة-أمة تقليدية، بل مَركبة لتفوّق إسلامي. وفي جوهرها، تتعارض هذه العقيدة جوهرياً مع المفاهيم الغربية للحقوق الفردية، والمساواة، وحرية الوجدان.
1.3 مشكلة التطبيق الانتقائي
النظام الدولي نادراً ما يتعامل مع الإرهاب بصفته معياراً أخلاقياً ثابتاً، وكثيراً ما يفشل في إدراك الحوافز العقائدية الأعمق التي تقود هذه الجهات. فالجماعات ذات السلالات المتطرفة الموثقة يُعاد تسويقها بشكل متكرر كشركاء أمنيين براغماتيين متى تغيّرت الحسابات الإقليمية. وفي السياق السوري، نفّذت جماعات ذات صلات تنظيمية مباشرة بتنظيم القاعدة — وأبرزها جبهة النصرة، التي تطورت في النهاية إلى هيئة تحرير الشام — حملات إعادة تسويق متعددة السنوات ومتطورة. وهذا ليس تحولاً نحو الاعتدال، بل تكتيك متغيّر داخل إطار دائم للإسلام السياسي.
2.3 بنية التطبيع التدريجي والتبييض الأخلاقي
ويُسهّل هذا التطبيق الانتقائي ما يمكن تسميته ببنية التطبيع التدريجي. فالخطاب في عواصم السياسة الغربية يتحول تدريجياً إلى تساؤلات براغماتية: هل يمكن احتواء هذه الجهة؟ هل تستطيع تحقيق استقرار نسبي؟ ويُعاد تصنيف التطرف كبراغماتية. ويُعاد تغليف الفصائل المسلحة بشكل منهجي كسلطات محلية شرعية. وهذا يخلق سابقة جيوسياسية بالغة الخطورة: فهو يُرسل إشارة بأن أي فصيل مسلح قادر على فرض رؤيته السياسية-الدينية بالقوة، وإجراء تحوّل خطابي ذو مصداقية، سيحقق في النهاية شرعية سيادية.
4. تفكيك مرتكزات إزالة التصنيف
تستند الحملة الدبلوماسية الداعية لأن يوقّع الوزير روبيو أمر إزالة التصنيف إلى تقاطع من البراغماتية الاقتصادية الكلية، والتنافس الجيوسياسي، وإعادة تعريف مغلوطة لاستراتيجية الأمن الإقليمي. وقد عبّر الوزير روبيو صريحاً عن جسامة هذه الضغوط، حين شهد مؤخراً أمام الكونغرس بأن الحفاظ على منظومة العقوبات الحالية على سوريا يحمل خطر «انهيار محتمل» للسلطات الانتقالية في البلاد. وهذا الخوف العميق من انهيار الدولة يُستغل فعلياً من قِبل مناصري التطبيع لتجاوز الضوابط الحضارية والأمنية الضرورية.
1.4 حجة التعافي الاقتصادي الكلي وأثر التبريد على الالتزام القانوني
الحجة الأساسية التي يطرحها مناصرو إزالة تصنيف الدولة الراعية للإرهاب هي أن هذا التصنيف يشكّل حاجزاً مطلقاً أمام الاستثمار الأجنبي المباشر وإعادة البناء الاقتصادي الكلي. ويوثّق تحقيق المونيتور الصادر في أيار/مايو 2026 هذا القلق بتفصيل دقيق. فبحسب عبد القادر حصرية، الذي شغل حتى وقت قريب منصب حاكم مصرف سوريا المركزي، فإن تصنيف الدولة الراعية للإرهاب هو «أكبر عقبة متبقية أمام الاستثمار التجاري الواسع النطاق في سوريا». ويضيف حصرية أن «المصارف الكبرى المراسِلة، ووكالات ضمان الصادرات، وشركات التأمين متعددة الجنسيات، لا تزال تتعامل مع سوريا بصفتها ولاية قضائية عالية الخطورة»، وأن مستثمرين خليجيين وتركيين وأوروبيين أعربوا عن اهتمامهم بمشاريع إعادة البناء، «لكن كثيراً من الصفقات لا تزال متعثرة لأن قنوات التمويل والوصول إلى النظام المصرفي الدولي لا تزال مقيّدة».
ويوثّق تقرير المونيتور حالة دالة بشكل خاص: كانت دمشق في مفاوضات مع شركة مايكروسوفت لشراء 50,000 ترخيص اشتراك برمجي للموظفين الحكوميين. وانهارت الصفقة بعد أن رفضت مايكروسوفت التقدم بطلب ترخيص تصدير، مستشهدة بتكلفة أتعاب المحامين والإجراءات المعقدة للموافقة. وأفاد مسؤول سوري سابق شارك في المفاوضات بأنه على علم بأكثر من اثنتي عشرة شركة أمريكية كبرى أعربت عن تحفّظها على ممارسة الأعمال في سوريا بسبب وصمة تصنيف الدولة الراعية للإرهاب.
ويلاحظ المحلل فيتوريو ماريسكا دي سيراكابريولا من شركة «كرم شعار للاستشارات» أن أثر التبريد هذا واضح بشكل خاص بين شركات التكنولوجيا الكبرى والوسطاء الماليين، الذين تتسم ثقافتهم في الالتزام القانوني بنفور أصيل من المخاطرة. ويلاحظ أن «أنظمة الالتزام القانوني في كثير من الشركات لم تُحدَّث، ولا تزال المنصات تستثني المستخدمين السوريين بشكل افتراضي»، وهو ما يؤثر على خدمات من قبيل الاستضافة السحابية وأدوات الذكاء الاصطناعي ومتاجر التطبيقات. وعلى سبيل المثال، لا تزال شركة الدفع الإلكتروني «سترايب» تصنّف سوريا كدولة عالية الخطورة، و«بما أن سترايب تقف خلف مئات المنصات، فإن هذا يخلق قيوداً متتالية عبر الاقتصاد الرقمي بأكمله».
لكن هذه الحجة تتعامل مع تصنيف الدولة الراعية للإرهاب بصفته مشكلة تسمية سطحية لا انعكاساً لسلوك بنيوي. فهروب رؤوس الأموال وتحفّظ الاستثمار هما استجابتان عقلانيتان للبيئة الموضوعية التي تُجسّدها هذه التصنيفات. والحواجز الحقيقية هي ضعف المؤسسات، والعنف الذي تمارسه الدولة بحق الأقليات، وغياب المعايير القانونية الغربية. وإزالة تصنيف الدولة الراعية للإرهاب لا تُغيّر سحرياً هذه البيئة العدائية.
2.4 الفراغ الجيوسياسي ووهم الصين
تتمحور حجة بالغة القوة تُستخدم في واشنطن حول التنافس بين القوى الكبرى: إذا ابتعدت الشركات الأمريكية، فإن هواوي والشركات الصينية ستملأ الفراغ. ويؤكد تحقيق المونيتور هذا القلق تجريبياً. فقد روى مسؤول سوري سابق أن هواوي «كانت موجودة على الأرض في سوريا كل يوم، تتجه إلى وزارة الاتصالات، وإلى سيريتل وكبار مزودي الخدمة، بحوافز كثيرة» لممارسة الأعمال. وأكد سمير الصابوني، الشريك المؤسس لمجلس الأعمال الأمريكي-السوري، أن «الشركات تأتي كل يوم للقاء أصحاب المصلحة واستكشاف الفرص»، وأنه «حين لا تكون الشركات الأمريكية موجودة، تجد آخرين يملأون الفراغ».
ومخاوف الالتزام القانوني والمخاطر السمعية، بحسب ما نقله مسؤول سوري سابق عن المونيتور، «تترك سوريا بلا خيار سوى التوجه إلى الصين». وقدّر البنك الدولي بشكل متحفظ تكاليف إعادة بناء سوريا بـ216 مليار دولار، في حين قدّرت وزيرة الاقتصاد السورية الرقم بـ«تريليون دولار على الأقل».
ومع ذلك، يبقى منطق «إن لم نكن نحن، فستكون الصين» غير متماسك تحليلياً. فالمسألة ليست «الغرب في مواجهة الصين»، بل الغياب الكامل لمؤسسات سيادية قادرة على التفاوض بشفافية. وضخّ رأسمال غربي في دولة مفككة وغير شفافة لا يبني سيادة سورية؛ بل يُلزم المجتمع الدولي بتمويل سلطة غير خاضعة للمساءلة بشكل دائم. وعلاوة على ذلك، فإن حجة «الفراغ الصيني» تُضخّم بشدة من أهمية الغرب التي لا غنى عنها: فقد أعلنت تجمعات اتصالات شرق أوسطية استثماراً بقيمة 800 مليون دولار في البنية التحتية لشبكات سوريا في شباط/فبراير 2026، وهو ما يُثبت أن الاستثمار الإقليمي يتدفق فعلاً على الرغم من تصنيف الدولة الراعية للإرهاب.
3.4 مكافأة الانتصار على الأسد وسجل تجربة إدلب
ثمّة مرتكز ثانٍ يصوّر إزالة التصنيف بصفتها مكافأة ضرورية لإسقاط الأسد. ويُستشهد كثيراً بـ«سجل تجربة إدلب» كدليل على قدرة هيئة تحرير الشام على الحكم. وهذا يستدعي تمحيصاً أدق. فبين شباط/فبراير وأيلول/سبتمبر 2024، اندلعت احتجاجات حاشدة في إدلب تطالب بإزالة الشرع، وتندّد بالفساد والضرائب التعسفية والاعتقال السياسي. ولاحظ محللون في معهد الشرق الأوسط أن هيئة تحرير الشام وواجهتها المدنية «بقيت غير محبوبة، وواجهت معارضة شعبية كبيرة». وقُيّدت الحريات العامة بشكل منهجي، وأُخضعت السلطات القضائية لتوجيهات الشرع الشخصية، وتعرّضت منظمات الإغاثة لضغوط لتوجيه ما يصل إلى 30 في المئة من ميزانياتها لكيانات مرتبطة بهيئة تحرير الشام. وسجل تجربة إدلب هو تحذير، لا نموذج يُحتذى.
4.4 واقع ضوابط التصدير
كثيراً ما يخلط المناصرون بين تصنيف الدولة الراعية للإرهاب وكل الحواجز التجارية، متجاهلين الواقع البنيوي لقانون العقوبات الأمريكي. وتؤكد مقابلات تقرير المونيتور هذا: فقد لاحظ الصابوني من مجلس الأعمال الأمريكي-السوري أن «الخطوة العملية للتقدم بطلب ترخيص لا تزال تُنفّر كثيراً من المصدّرين المحتملين»، وأن الشركات «من المحتمل أن تراها فرصة منخفضة القيمة، إذ لا يبلغ حجم التبادل مستوى يستدعي إنفاق الوقت». وحتى بعد رفع التصنيف، ستبقى سوريا خاضعة لضوابط تصدير صارمة على الاستخدام المزدوج. وسيبقى تصدير التقنيات الحساسة يتطلب ترخيصاً صارماً بموجب وزارة التجارة الأمريكية. والتعامل مع إزالة تصنيف الدولة الراعية للإرهاب بصفته علاجاً سحرياً للتجارة الحرة يُسيء فهم الأطر التنظيمية الدائمة المصممة جوهرياً لمنع انتشار المواد الخطرة.
5. حجة الورقة الرابحة: لماذا تردّد روبيو هو الصواب
يقدّم تحقيق المونيتور رؤية حاسمة في المداولات الداخلية التي تُشكّل موقف الوزير روبيو. وقد أفاد تشارلز ليستر، الزميل البارز ومدير مبادرة سوريا في معهد الشرق الأوسط، لموقع المونيتور بأن روبيو «يدعم فكرة أن الحكومة الأمريكية تحتاج إلى شكل من النفوذ الفعلي على الحكومة في دمشق لتشجيعها على التحرك في الاتجاهات الصحيحة» بشأن قضايا تشمل الحكم الشامل والمساءلة.
وهذا الحدس صحيح. فتصنيف الدولة الراعية للإرهاب ليس مجرد أداة عقابية؛ بل هو أهم أداة نفوذ سلوكي متبقية للولايات المتحدة على دمشق. وإزالته قبل حدوث تغيّر سلوكي قابل للتحقق لا تُمثّل مكافأة على التقدم — بل تُزيل الحافز عليه. ولاحظ ليستر كذلك أن المواجهات الدامية التي وقعت بين القوات السورية وقوات سوريا الديمقراطية بقيادة كردية في كانون الثاني/يناير 2026 «أعطت تلك جماعات الضغط نوع الذخيرة التي تحتاجها لإقناع الإدارة بالتمهل». وقد أُنجزت مراجعة وزارة الخارجية المطلوبة لمدة ستة أشهر العام الماضي، مؤكدة أن القرار يقع الآن بالكامل على عاتق وزير الخارجية.
تردد روبيو ليس قصوراً بيروقراطياً. إنه الحدس الصحيح لصانع سياسة يدرك أن النفوذ، حين يُسلَّم دون شروط، لا يمكن استرجاعه.
6. الاقتصاد السياسي لإعادة البناء ما بعد الأسد وهندسة كليبتوقراطية جديدة
تشير الأدلة الناشئة إلى أن حكام سوريا الجدد لا يبنون اقتصاداً منفتحاً؛ بل يشيّدون أوليغارشية قصرية جديدة من حطام السابقة، متجاوزين الوزارات التقليدية لمصلحة سلطة مركزية.
1.6 البنية التشريعية للاستحواذ
أصدرت إدارة الرئيس الشرع سلسلة من المراسيم الرئاسية الواسعة التي تُمركز السيطرة الاقتصادية وتُكرّس شبكات محسوبية غامضة:
• المرسوم 112 (2025): أطلق صندوق التنمية السوري، متجاوزاً فعلياً الرقابة البرلمانية على الإنفاق العام.
• المرسوم 113 (2025): أنشأ صندوق السيادة السوري لتحويل أصول الدولة إلى سيولة نقدية، مزيلاً آليات التدقيق المستقل.
• المرسوم 114 (2025): عدّل قانون الاستثمار رقم 18 لمنح تخفيضات ضريبية بنسبة 80 في المئة، وإعفاءات جمركية كاملة، وإعادة تحويل أرباح غير مشروطة، مع منح الرئيس سلطة منفردة لتعيين كافة أعضاء مجلس هيئة الاستثمار السورية.
• المرسوم 115 (2025): أعاد وزير المالية ورؤساء الصناديق إلى المجلس الأعلى، مُحدثاً تناقضات تشريعية تُبرز الطابع الفوضوي للحكم.
وكشف تحقيق لرويترز أن إعادة الهيكلة الاقتصادية هذه تخضع لتأثير كبير من لجنة اقتصادية سرية يقودها شخص يُعرف بـ«أبو مريم» إبراهيم سكّرية، مواطن أسترالي-لبناني مُصنَّف لتمويله الإرهاب، يعمل جنباً إلى جنب مع حازم الشرع، الشقيق الأكبر للرئيس. وأشارت مذكرة بحثية لمكتبة مجلس العموم البريطاني في أيار/مايو 2026 إلى أن إعادة توزيع أصول الدولة تعتمد على كثير من رجال الأعمال أنفسهم الذين عملوا في ظل نظام الأسد.
2.6 شبكة الخياط واختراق تمويل الإرهاب
ويُبرز المستفيدون الفوريون من السياسات الاقتصادية الجديدة للحكومة الانتقالية الأخطار البنيوية لتطبيع هذا الاقتصاد. فقد ظهر الأخوان السوريان المليارديران معتز ورامز الخياط بسرعة بصفتهما أوليغارشيين مهيمنين، حيث حصلا على اتفاقية لتوليد الطاقة بقيمة 7 مليارات دولار وعقد لتوسعة مطار بقيمة 4 مليارات دولار.
ويُبرز الخطر البنيوي أكثر من خلال القضية المدنية البارزة المعروضة أمام المحكمة العليا في لندن (باسل هشوة وآخرون ضد بنك قطر الوطني وآخرين). ويزعم لاجئون سوريون مجهولو الهوية أن الأخوين الخياط شغّلا مخططاً متطوراً لتمويل الإرهاب، مستخدمين شبكات مصرفية دولية لغسل أموال نحو جبهة النصرة. وتطبيع اقتصاد تسيطر عليه شبكات متهمة بتمويل إرهاب ترعاه الدولة لا يحمي المستثمرين الأجانب؛ بل ينقل أصول سوريا السيادية إلى مهندسي دمارها.
7. التكامل المالي والسيادة الرقمية: تحوّل فيزا وماستركارد
إن الحجة القائلة بأن تصنيف الدولة الراعية للإرهاب يمثّل عائقاً مطلقاً يحول دون التكامل الرقمي هي حجة زائفة تجريبياً، ويؤكد تحقيق المونيتور نفسه ذلك. فقد سمح مصرف سوريا المركزي في أيار/مايو 2026 للمصارف المرخصة بالشراكة مع كبرى شركات الدفع الإلكتروني العالمية. وبالتالي، نفّذت فيزا وماستركارد أولى تجاربهما للدفع الإلكتروني داخل سوريا، وأطلقت الحكومة السورية «بايميرا»، وهي شبكة دفع إلكتروني محلية مرتبطة بنيوياً بالأنظمة العالمية. وأصبح بنك قطر الوطني (QNB Group) أول مصرف عالمي يُفعّل قبول بطاقات الدفع الدولية في البلاد.
ويُبرز هذا التحول الرقمي، المُنفَّذ في إطار استراتيجية المصرف المركزي للفترة 2026-2030، مخاطر جسيمة في مجالي مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب (AML/CFT). فدمج بوابات الدفع العالمية في بيئة تفتقر لشفافية الملكية الفعلية النهائية للشركات لا يُحرّر الاقتصاد السوري؛ بل يُرقمن الكليبتوقراطية. وفي الوقت ذاته، لا تزال شركة الدفع الإلكتروني «سترايب» تصنّف سوريا كدولة عالية الخطورة، وكما يؤكد تقرير المونيتور، تستمر القيود التنظيمية المتتالية في التأثير على الاقتصاد الرقمي السوري. ويبقى الحفاظ على تصنيف الدولة الراعية للإرهاب حيوياً للحفاظ على نفوذ يفرض الامتثال القابل للتحقق لمعايير مجموعة العمل المالي (فاتف) قبل المضي في تكامل مالي كامل.
8. وهم الاستقرار بين العنف القائم على الهوية وأسطورة الاندماج
إن الافتراض القائل بأن حكومة الشرع قد تحولت إلى سلطة سيادية مسؤولة يُفنّد تماماً بنمط موثّق من العنف المنهجي الذي ترعاه الدولة على أساس الهوية. وهذا العنف ليس مجرد نتاج عرضي للمرحلة الانتقالية؛ بل هو الإنفاذ التكتيكي لرؤية سياسية-دينية إقصائية صُممت لإخضاع الأقليات بشكل دائم.
1.8 مجازر الساحل العلوي (آذار/مارس 2025)
في آذار/مارس 2025، شنّت قوات تابعة لوزارة الدفاع الانتقالية حملات انتقامية في محافظتي اللاذقية وطرطوس. وبحسب تقرير هيومن رايتس ووتش للعام 2026، شنّت القوات الحكومية عمليات تفتيش واسعة في المناطق ذات الغالبية العلوية، أدت إلى قتل مدنيين. وحدّدت لجنة التحقيق الدولية التابعة للأمم المتحدة أن هذه الهجمات المنسقة مركزياً تركت خلفها منازل محروقة ومقابر جماعية، بما يصل إلى مستوى جرائم حرب.
2.8 التطهير العرقي في السويداء (تموز/يوليو 2025)
في تموز/يوليو 2025، استُهدفت الأقلية الدرزية في السويداء بعنف كارثي. واندلعت الأزمة أصلاً عندما كمن مسلحون من عشائر بدوية لتاجر درزي واختطفوه، مما أدى إلى عمليات اختطاف انتقامية محلية. لكن استجابة الدولة وسّعت النزاع المحلي ليتحول إلى حملة تطهير عرقي. وتكشّف العنف على ثلاث موجات متمايزة بين 14 و19 تموز/يوليو. ودخلت قوات الجيش العربي السوري وقوى الأمن الداخلي وميليشيات عشائرية متحالفة، من ضمنها عناصر من الفرقة 42، إلى المنطقة، وشرعت بهجمات مباشرة على المدنيين. ووثّقت لجنة التحقيق الدولية التابعة للأمم المتحدة وحشية بالغة، بما في ذلك الاغتصاب المنهجي والعنف الجنسي بحق نساء وفتيات درزيات. ونُهبت وأُحرقت أكثر من 35 قرية. وهذا يحمل كل خصائص الهندسة الديموغرافية.
3.8 تبييض جرائم الحرب وحصانة مؤسساتية
وبينما يطرح محللون غربيون كثيراً رواية «مكافحة المخدرات والخيانة» لتبرئة مجازر السويداء بصفتها عملية حكومية لمكافحة تهريب المخدرات، فإن هذا يجعلهم فعلياً حلفاء غير مقصودين للنظام بتبييضهم الأخلاقي لأفعاله. وقد أشرفت إدارة العمليات العسكرية التابعة للحكومة الانتقالية على عملية «تسوية» شاملة صُممت لاستيعاب أفراد النظام السابق — عملية أنتجت فضائح موثّقة من الحصانة المؤسساتية. وتُبرز حالتان هذا النمط بوضوح خاص. فقد عاد فادي صقر، القائد السابق لقوات الدفاع الوطني (NDF) في دمشق في عهد الأسد — والذي صنّفته الولايات المتحدة في آب/أغسطس 2020 والمتورط في مجزرة التضامن عام 2013 التي أسفرت عن مقتل 41 مدنياً على الأقل — للظهور مجدداً في ظل الحكومة الانتقالية، وسيطاً لتسويات ضباط النظام السابق، يعمل بحصانة فعلية تحت غطاء «العدالة الانتقالية». وعندما سُئل عما إذا كانت جرائمه الموثقة ضد الإنسانية تُسقط أهليته لهذا التسامح، تجنّب أحد أعضاء اللجنة الحكومية الإجابة، مؤكداً أن العدالة الانتقالية «تستهدف كبار المجرمين فقط». ومن الأمثلة الدالة بقدر مماثل حالة محمد حمشو، رجل الأعمال السوري المُصنَّف من قِبل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة لارتباطه بماهر الأسد ودوره في تمويل القمع العنيف للمدنيين، والذي يُعدّ بحسب التقارير عمّ معتز الخياط، الأوليغارشي المهيمن على إعادة البناء المذكور أعلاه. فبدلاً من مواجهة المحاكمة، حصل حمشو على تسوية رسمية مع الحكومة الانتقالية عبر «برنامج الإفصاح الطوعي» التابع لها، وهي آلية يصفها منتقدون بصفتها أداة تأهيل محلية تُبقي ملفه الدولي للعقوبات وشبكاته الكامنة سليمة دون تغيير. وكون عمّ أقوى فاعل اقتصادي جديد في سوريا هو في الوقت نفسه شخصية مُصنَّفة استُوعبت عبر تسوية معفية من المساءلة، يُجسّد بنية الحصانة الدائرية في جوهر هذه الحكومة. وعلاوة على ذلك، تستثني لجنة العدالة الانتقالية التي أُسست بمرسوم رئاسي صراحةً انتهاكات الفاعلين من غير عهد الأسد، ما يُخرج مجازر العلويين والدروز بالكامل من نطاق ولايتها.
وتشير تقارير الرصد الإجمالية إلى أن أكثر من 15,000 ضحية قُتلوا منذ تسلّم الحكومة الانتقالية السلطة. والمصلحة السياسية والتوافق العقائدي يطغيان على المساءلة في كل محطة.
9. العجز الأمني في زوال قوات سوريا الديمقراطية وصناعة عودة داعش
فكّكت الحكومة الانتقالية فعلياً أكثر شريك فاعل في مكافحة الإرهاب في المنطقة، مهيّئة الظروف لعودة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش).
1.9 حل الفصائل والهجوم على قوات سوريا الديمقراطية
في كانون الأول/ديسمبر 2024، طالبت إدارة العمليات العسكرية بحل جميع الفصائل العسكرية المستقلة، مُركزة السلطة تحت وزارة الدفاع. وفي أوائل 2026، شنّت هذه القوات الموحدة هجوماً واسعاً على شمال شرق سوريا يهدف إلى السيطرة على أصول استراتيجية من بينها سد الفرات وحقول العمر النفطية. ووثّق مراقبو حقوق الإنسان انتهاكات ميدانية، وقصفاً عشوائياً، ونزوحاً جماعياً خلال هذا التقدّم على قوات سوريا الديمقراطية (SDF).
2.9 استسلام مُقنّع بالاندماج
وفي مواجهة ضغط هائل، أُجبرت قوات سوريا الديمقراطية على استسلام مُقنّع باندماج سياسي، توسّط فيه بشكل كبير المبعوث الخاص الأمريكي توم باراك. وقد فرضت الاتفاقية ذات الـ14 نقطة التي وُقّعت تسليماً إدارياً وعسكرياً لدير الزور والرقة إلى دمشق. وقد دافع باراك علناً عن الاتفاقية، مدّعياً أن غرض قوات سوريا الديمقراطية في مكافحة داعش «انتهى إلى حد كبير». ويؤكد تقرير المونيتور أن هذا الموقف يعكس تفكيراً أوسع داخل الإدارة، إذ كان باراك من بين أبرز المناصرين لإزالة سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب.
3.9 التداعيات الكارثية في الشدادي
وأجبر الضغط العسكري قوات سوريا الديمقراطية على التخلي عن منشآت اعتقال حيوية، مما أدى إلى فرار جماعي ضخم من سجن منشأة الشدادة. وبإزالة قوات سوريا الديمقراطية، مكّنت الحكومة تعبئة جماعية لمقاتلي داعش. وفي أواخر شباط/فبراير 2026، أعلن تنظيم داعش رسمياً «مرحلة جديدة» من عملياته، مُطلِقاً هجمات منسقة تستهدف بشكل خاص الفرقة 42 للجيش السوري في البادية الشرقية.
10. التداعيات الجيوسياسية من الدرجة الثانية والثالثة
إن إزالة تصنيف الدولة الراعية للإرهاب في ظل الواقع الراهن تحمل مخاطر جيوسياسية وحضارية عميقة وطويلة المدى:
• تقنين الهندسة الديموغرافية: إزالة التصنيف في الأعقاب المباشرة لمجازر السويداء والساحل يُرسل إشارة واضحة بأن المجتمع الدولي يتسامح مع التطهير العرقي كأداة مشروعة لترسيخ سلطة الدولة.
• مركز سيادي رقمي لتمويل الإرهاب: دمج البوابات المالية الغربية (فيزا وماستركارد) في اقتصاد غير مُراقَب تسيطر عليه شخصيات تخوض حالياً دعاوى قضائية بشأن تمويل القاعدة، يحمل خطر تحويل سوريا إلى مركز سيادي رقمي لغسل الأموال الإقليمي.
• وهم التفوق على الصين: لن تتنافس الشركات الغربية في سوق حرة، بل ستدخل بيئة فاسدة وغير مستقرة بعمق، تفرض مسؤوليات سمعية وقانونية هائلة بينما تُقوّض القيم الغربية.
• ضمان عودة داعش: من خلال تفضيل السيطرة على الأرض على حساب مكافحة الإرهاب، وتفكيك شبكات الاستخبارات المحلية لقوات سوريا الديمقراطية، ضمنت الحكومة المركزية فعلياً عودة عمليات داعش، مُشكّلة تهديداً مباشراً للاستقرار العالمي.
• سابقة التهرّب التعريفي: قبول أن غياب تعريف عالمي للإرهاب يُحصّن السلطات الحاكمة من التصنيف يخلق مساراً دائماً للهروب لأي فصيل يرغب بأداء تحوّل مؤسساتي مع الحفاظ على أنماط العنف الكامنة.
11. المساءلة ليست عقبة أمام الاستثمار
السردية التي تُقدّم تصنيف الدولة الراعية للإرهاب بصفته أحفورة بيروقراطية تخدم من له مصلحة تجارية في التطبيع السريع، لكنها لا تخدم ضحايا هذه العقيدة. فتصنيف الدولة الراعية للإرهاب أداة قانونية غير مكتملة، لكنه أيضاً أهم أداة مساءلة متبقية تمتلكها الولايات المتحدة على حكومة ارتكبت بشكل موثّق جرائم حرب لإنفاذ رؤيتها السياسية-الدينية الشاملة.
ويؤكد تحقيق المونيتور أن القرار يقع الآن على توقيع واحد من الوزير روبيو — وأن ضغطاً كبيراً يُمارَس من داخل الإدارة، ومن مناصري الأعمال الأمريكية-السورية، ومن دمشق نفسها، لإنهاء هذا التوقيع فوراً. وتردد الوزير روبيو الموثّق يعكس الحدس الصحيح لمسؤول كبير يدرك أن هذا التصنيف يمثّل نفوذاً ذا مغزى. والتنازل عن هذا النفوذ قبل استيفاء الشروط السلوكية ليس دبلوماسية؛ بل هو استسلام.
والأهم من ذلك، لا يمكن السماح للفراغ التعريفي في القانون الدولي للإرهاب بأن يعمل كبطاقة «إفلات من التصنيف». فالسجل الجنائي الذي أنتجته لجنة التحقيق الدولية التابعة للأمم المتحدة، وهيومن رايتس ووتش، ومنظمة العفو الدولية، والمحققون المستقلون، يشكّل دليلاً قاطعاً على حكمٍ بالترويع، بصرف النظر عن أي مسمى قانوني يُلصق به في النهاية.
ويجب أن يكون معيار إزالة تصنيف الدولة الراعية للإرهاب سلوكياً صرفاً وقابلاً للتحقق ومستمراً. ويجب أن تشمل شروط الإزالة صراحةً:
• التفكيك القابل للتحقق لشبكات القيادة الجهادية والتبرؤ من العقيدة التفوقية.
• محاكمة المرتكبين المسؤولين عن مجازر الساحل والسويداء، بدلاً من استيعابهم داخل جهاز الدولة.
• إلغاء أو إعادة هيكلة جذرية للمرسوم الاستثماري 114 لضمان الشفافية والتدقيق المستقل.
• استعادة شراكة مكافحة الإرهاب الكردية، وإعادة تفعيل عمليات اعتقال قوات سوريا الديمقراطية لتأمين مقاتلي داعش.
• إنشاء آليات قضائية مستقلة وخاضعة لإشراف دولي، مرتكزة على حقوق الإنسان العالمية — مع ولاية صريحة على الانتهاكات التي ارتكبتها السلطة الحاكمة الحالية، لا عهد الأسد فقط.
وإلى أن يُستوفى هذا الحد السلوكي بشكل ملموس، يجب الحفاظ على تصنيف الدولة الراعية للإرهاب. فالعدالة ليست عقبة أمام تعافي سوريا. بل هي الأساس الوحيد القابل للحياة من أجله.
المراجع
1. غيبسون دن. «الولايات المتحدة ترفع معظم العقوبات عن سوريا، مع استمرار تحديات الالتزام القانوني.» 2025.
2. الجريدة الرسمية الكندية (Canada Gazette). «أمر تعديل الأمر المُنشئ لقائمة الدول الراعية الأجنبية للإرهاب: SOR/2025-251.» 17 كانون الأول/ديسمبر 2025.
3. موقع Canada.ca. «ورقة معلومات أساسية: تعديلات على العقوبات المتعلقة بسوريا.» شباط/فبراير 2026.
4. المفوضية السامية لحقوق الإنسان (OHCHR). «انتهاكات القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني المرتكبة خلال أحداث عنف تموز/يوليو 2025 في السويداء.» 2026.
5. المونيتور / إليزابيث هاغيدورن. «مع رفع العقوبات، ما الذي يُبقي سوريا على القائمة السوداء الأمريكية للإرهاب؟» 21 أيار/مايو 2026. [مصدر أساسي للأقسام 4 و5 و7]
6. جسور (Jusoor). «فيزا وماستركارد تُعزّزان مسار التكامل المالي السوري.» أيار/مايو 2026.
7. كرم شعار للاستشارات. «البنية الاقتصادية السورية ما بعد الحرب: المركزة، الصناديق، والإصلاح.» 2025.
8. محكمة وان إسكس كورت (One Essex Court). باسل هشوة وآخرون ضد بنك قطر الوطني وآخرين. [2021] EWHC 2551 (QB).
9. هيومن رايتس ووتش. التقرير العالمي لعامي 2025 و2026.
10. لجنة التحقيق الدولية التابعة للأمم المتحدة بشأن سوريا. تقارير متعددة، 2025-2026.
11. مكتبة مجلس العموم البريطاني. «سوريا عام بعد الأسد: تشكيل حكومة انتقالية.» CBP-10430. أيار/مايو 2026.
12. الوكالة الأوروبية لشؤون اللجوء (EUAA). «سوريا: تركيز قُطري.» تموز/يوليو 2025.
13. معهد جينسا (JINSA). «خط الصدع» و«سوريا موحدة أم عودة إلى الحرب الأهلية؟» 2025-2026.
14. معهد الشرق الأوسط. تقارير مبادرة سوريا، 2024-2026.
15. خدمة أبحاث الكونغرس. لمحة عامة عن عقوبات سوريا. شباط/فبراير 2026.
16. مركز التنسيق والتحليل بولاية ماريلاند. «تنظيم الدولة الإسلامية يعلن مسؤوليته عن هجومين على الجيش السوري، ويُعلن ‹مرحلة جديدة› من العمليات.» شباط/فبراير 2026.
17. ويكيبيديا. «هجوم 2026 على شمال شرق سوريا.»
18. المجلة (Al Majalla). «سيبان حمو حول دمج الوحدات الكردية في الجيش السوري.» 2026.