شو صعبة نكتب عنَّك بعد غيابك! عم نحاول نهرب من الحقيقة بكلّ لقاء قديم أو جديد إلك، لعلّو نسمع من كلماتك اللي بتخفّف عنّا. إلى أن سمعت كلام السيّدة فيروز، الوالدة اللي رافقها وجع الفراق كل العمر، لمّا قالت بإحدى المقابلات القديمة: "زياد متل آلة تصوير بتلقط الصُّور اللي ما بيقدر يشوفها حدا... الصُّور اللي موجودة بالعتمة أو اللي حطّوها بالعتمة... وعندو قدرة على مراقبة الإشيا بدقّة غريبة، متل ما عندو تأمُّل طويل لعلاقة الإشيا ببعضها. كل شي بالحياة إلو وجهه السّاخر، وعظمة زياد إنّو قادر يلقط ويصوّر هالوجه السّاخر، لأنّو عميق كتير بمعرفة الوجه المأسوي لهالشي".
خفت صوتٌ كان يعلو من دون ضجيج، يغضب من دون صراخ ويضحك من بين الدّموع. رحل العبقريّ زياد الرحباني المُبدع الذي تربّى على صوت والدته فيروز وأغاني الرّحابنة، لكنه اختار أن يسير في درب أكثر وعورة. درب لا تحكمه مقامات الطّرب بل توجّهات النّقد اللاذع، السّخرية الموجعة والحنين الصّادق. ومع كل ما قيل عن زياد في الموسيقى والمسرح، هناك زاوية ظلّت تُهمَل طويلًا... تأثيره في السّينما، ذاك التأثير الذي لا يُقاس بعدد أفلامه، بل بعمق بَصمَته!
لم يكن زياد الرحباني مُخرجًا سينمائيًا بالمعنى التّقليدي، لكن من شاهد مسرحيّتَيه "بالنسبة لبكرا شو؟" أو "فيلم أميركي طويل"، يُدرك أنه كان يكتب ويُخرج وكأنّه يُصوّر فيلمًا. الإضاءة، الإيقاع، حتّى التّقطيع الزّمني داخل المشهد المسرحيّ، كلّها مُستوحاة من عالم الأفلام. وحين عُرض هذان العملان في صالات السّينما عام 2016، لم يكن انتقالهما مُجرَّد توثيق، بل كان تحوّلا إلى سينما حقيقيّة تُدرّس في كيفية خلق الدّراما والكوميديا من قلب البساطة. وبطبيعة الحال حقَّق هذان الفيلمان نجاحًا جماهيريًا استثنائيًا آنذاك، حيث شاهد فيلم "بالنسبة لبكرا شو؟" 155,045 مُشاهدًا، بعد قُرابة 4 أشهر من عرضه. وفيلم "فيلم أميركي طويل"، شاهده 56,737 مشاهدًا خلال ثلاثة أشهر من عرضه.
العدسة الزياديّة الخفيّة
لم يُحقّق زياد الرّحباني أفلامًا روائية طويلة تُعرض في صالات العرض، لكنه صنع سينماه ببُعدٍ خفي. سينما المقهورين، المُحبطين والعاشقين الخائبين. لقد عرّى الإنسان العربي، لا بصفته بطلًا خارقًا، بل بصفته نكتة باكية تبحث عن الخلاص. حواراته كانت أكثر صدقًا من سيناريوات كاملة. سؤال مثل: "بدّك تبقى هون؟" من مسرحيّة "فيلم أميركي طويل" تختصر شعور جيل بأكمله. كان زياد يرى العالم بعدسة سينمائيّة غير مرئيّة. في مقابلاته، في تسجيلاته الإذاعيّة وفي ارتجالاته على المسرح، كان يُحرّك الكاميرا نحو الزوايا التي يخجل الآخرون من الاقتراب منها. لم يحتَج إلى ميزانية إنتاج، بل إلى صدق. وهذا ما جعل أعماله حيّة حتّى اليوم. كثرٌ من المُخرجين الشّباب في لبنان والعالم العربي يعترفون بأنهم تعلّموا من زياد كيف يكتبون. وغالبًا ما نُشاهد أعمالاً سينمائيّة، تحمل في طيّاتها ما يُشبه الروح الزياديّة... في اللّامباشرة، في التهكّم، وفي الانحياز للفرد المُهمَّش.
رجل المسرح أمام الكاميرا
أغنت موسيقى زياد الرّحباني التّصويريّة العديد من الأعمال التّلفزيونيّة والسّينمائيّة، إلّا أنّهُ وافق على الوقوف أمام الكاميرا في أدوار مُساندة مساحةً، ولكن ضخمة دلالةً.
أوّلها في فيلم "نهلة" للمُخرج الجزائري فاروق بلوفة، والذي تم تصويره بين بيروت والجزائر. يروي الفيلم قصّة صحافي جزائري يزور بيروت قُبيل اندلاع الحرب الأهليّة، ويتتبّع حياة مُطربة شابة تُدعى "نهلة"، التي تُجسّد رمز الوطن الحالم المنهار. شخصية زياد في هذا الفيلم، لا نجدها صاخبة. هو المؤلّف الموسيقي الذي لا يحمل شعارات، لا يُقدّم خطبًا ولا يدخل في اشتباكات دراميّة حادّة. حضوره صامت غالبًا، لكنه مُشبع بدلالة ثقيلة. إنه المُثقَّف الذي يرى، لكنّه لا يتدخّل... الذي يُدرك حجم الخراب، لكنّه عاجز عن تغييره. هذا الصّمت مقصود، لا عن عجز. هو صمت من يعرف كثيرًا، لكنه فقد الثقّة بجدوى الكلام.
في أحد المشاهد، يتأمّل نهلة (المُغنّية الجزائريّة التي تُجسّد الحلم الثوري المُقاوم) بنظرة لا تخلو من الإعجاب، لكنها أيضًا مشوبة بالحزن. كأنّ وجودها، بما تمثّله، يُذكّره بما لم يتحقّق، أو بما ضاع قبل أن يُولد. زياد لا يحتضن نهلة، بل يتأمَّلها. وكأنه عاجز عن الدّخول في الحلم من جديد، بعد أن اختبر انهياراته. بعيدًا من بروباغندا الشّعارات، يُقدّم الرّحباني تمثيلًا صادقًا للإنسان المُتورّط في السّياسة لا بوصفه فاعلًا، بل بوصفه خاسرًا حقيقيًا فيها. وهكذا، يُصبح حضوره في "نهلة" واحدًا من أعمق تمثيلات المُثقَّف العربي في السّينما، لا بسبب ما قاله، بل بسبب ما لم يستطع قوله!
ثاني الأفلام وآخرها، "طيّارة من ورق" مع المُخرجة اللّبنانية الرّاحلة رندة الشهّال، فيه قدَّم شخصيّة ضابط درزي في الجيش الإسرائيلي. الفيلم يحكي قصة فتاة درزيّة تعيش في المنطقة الحدوديّة من لبنان، يحاول ذووها تزويجها من قريب لها من الطّائفة الدرزيّة على المقلب الآخر من الحدود الاسرائيليّة. فتضطر إلى عبور الشّريط الشّائك للوصول إلى الشّاب الذي لم تنسجم معه. في طريقها، تُصادف جنديًّا إسرائيليًّا شابًّا ووسيمًا (ماهر بصيبص) وتقع في حُبّه.
وعلى خلاف الكليشيه المُعتاد لصورة الجندي الصّارم، يُقدّم زياد شخصيّة مُغلقة، مّتردّدة، تتقلّب في نظراتها بين الشكّ والرّغبة والسّيطرة والانكسار. وجه زياد، بخطوطه الغامضة ونظراته العميقة، يتحوّل إلى خطاب صامت. لم يكن بحاجة لكلمات ليفرض سلطته على المكان. يكفي أن ينظر من منظاره الحربي إلى "لميا" (بطلة الفيلم) كي نعرف أنه يراها باعتبارها قضية أمنيّة، لا فتاة بريئة. ومع ذلك، فإنّ هذا الضّابط يبدو هو نفسه ضائعًا بين وطن لا يستطيع أن يحميه وحدود مرسومة فوق خريطة مُفخّخة بالاحتلال والهشاشة.
المُثير في أداء زياد هو رزانته. فالمَشاهد القليلة التي يظهر فيها، يُحافظ خلالها على اقتصاد حاد في الصوت والحركة. صوت مُنخفض، تحرّكات محسوبة وتعبير وجه جامد ظاهريًا لكنَّه مليء بالإيحاءات. ما يقدّمه ليس تمثيلًا بالمعنى التّقليدي، بل حالة جسديّة تتقاطع مع الشّخصية الاجتماعية والسّياسيّة التي يُمثّلها في وعي الجمهور. أداؤه ليس استعراضًا لمهارة، بل انسحابًا تكتيكيًا نحو داخل الشّخصية. الضّابط ليس كاريزما عسكريّة، بل تمثيل لمؤسَّسة مكسورة، تخاف من العاطفة أكثر ممّا تخاف من الخطر. مُشاركة زياد في الفيلم تكاد تُشعرك بأنّه من تأليفه. فموضوعات الاحتلال، الانتماء وانهيار الجغرافيا أمام العاطفة، لطالما حضرت في أعماله المسرحيّة. لكن في هذا الفيلم، يظهر صوته من خلال الجسد، لا الكلمة. وكأنّ رندة الشهّال التقطت فيه ما هو أبعد من الممثل... التقطت الوعي!
ومثلما قالت "إم زياد" عن ابنها البكر: "سلاح زياد بالفن نظرتو للإنسان والوجود، سلاح الشكّ العميق اللي بيخلق جماليّة الفن، والقسوة الصّعبة اللي بتخلق الإشيا اللي عم تنما، قدّام الإشيا اللي عم بتختير". منوعدك يا زياد نحمُل سلاحك بالوعي والفن والثّقافة.