أحمد الأيوبي

كيف يبقى الحزب بعد فقدان التمويل الإيراني؟

4 دقائق للقراءة

كان مشهدًا معبِّرًا أن يقيم "حزب الله" احتفالا رعاه رئيس "تكتل بعلبك الهرمل" النائب حسين الحاج حسن في بلدة شمسطار بمناسبة افتتاح مشروع تشغيل "بئر العزير" لمياه الشفه بالطاقة الشمسية، الممول من أهالي البلدة.

فبدل أن يموِّل "الحزب" هذه المشاريع، أصبح يشحذ تمويل الأهالي، وبدل الاستجابة لحاجات المواطنين، أصبح يلقي المسؤولية على الآخرين، بينما يمسك هو زمام القرار والمال، وقد شكّلت هذه المناسبة صورة رمزية لما آل إليه حال "الحزب" اليوم.

تتقاطع المعلومات الدبلوماسية والسياسية والأمنية على أنّ قيادة النظام الإيراني أبلغت حزبها في لبنان بعدم إمكانية الاستمرار في تمويله، وأنّ عليه الاعتماد على التمويل الذاتي، بالتوازي مع توجيهات صارمة له وللحشد الشعبي في العراق والحوثيين في اليمن بضرورة الصمود وعدم التراجع أو القبول بأيّ صيغة تسوية سياسية يمكن أن تـُطرح، قبل أن تصل طهران إلى مبتغاها في إدارة الصراع المندلع في المنطقة، وعلى هذه الخلفية نرى استشراس الثنائي الشيعي على التمسك بوجودهم في مؤسسات الدولة التي يهاجمونها ويخوِّنون مسؤوليها.

لقد أصيبت البنية العسكرية لـ"حزب الله" بتصدعات كبيرة، وبنزف بشري غير مسبوق، على مستوى القيادات وسائر التشكيلات القتالية، مما أدّى إلى إحالة القيادة إلى كبار الضباط في "الحرس الثوري" وإلى وقوع تغييرات قسرية في بـُنية "الحزب"، لا تتلاءم مع حجم التحديات التي تفرضها المواجهة مع الاحتلال الإسرائيلي، خاصة أنّه انفصل فعليًا عن الواقع اللبناني بشكل كامل، وأصبح واجهة إيرانية خالصة.

ومع العزلة المتفاقمة لـ"الحزب"، ازداد الخناق على نظامه في طهران، بعد حرب شديد التدمير، قطفت الرؤوس الكبيرة والمتوسطة، وحتى الصغيرة، وحوّلت إيران إلى بلد منكوب بنظامه الحاكم وبالحرب الأميركية الإسرائيلية وبما حصدته طهران من استعداء العرب بهجماتها الفاجرة عليهم، من الخليج حتى مصر. وهذا ما فرض على الإيرانيين التخلي عن التمويل المباشر لميليشياتهم في المنطقة، وهذا إمّا ناتج عن مفاوضات تجري وراء الأكمات، أدّت إلى الوصول إلى هذا المخرج، وإمّا أنّ طهران باتت عاجزة فعلا عن تقديم هذا الدعم الهائل لحزبها في لبنان، وفي كلا الحالتين، على الحزب أن يواجه مصيره بالاعتماد على ما تبقى من أموال خزّنها في لبنان، واستثمارات محلية، وعلى ما يسلبه من الدولة بالبلطجة على الحكومة من جيوب اللبنانيين، وبما يستولي عليه وزراء الثنائي الشيعي من أموال في الوزارات التي يحتلونها.

وبحسب تقارير إعلامية، كانت طهران تمنح حزبها في لبنان 700 مليون دولار سنويًا، من أصل ميزانية تقترب من مليار دولار، وقد تضرّرت قدرات الحزب العسكرية، فارتفعت أولوية الإنفاق العسكري وإعادة بناء ما دمّرته الحرب، بينما لا يكفي الدعم الإيراني لتغطية النفقات المطلوبة. كما أدّى انهيار نظام بشار الأسد إلى قطع طريق التهريب البري عبر سوريا، ما زاد عزلة "الحزب" عن طهران في وقت يحتاج فيه للأموال.

ومع انقطاع الطريق السوري، استخدمت إيران مطار بيروت لإيصال التمويل والأسلحة، فيما اتخذت الدولة اللبنانية إجراءات مضادة، وأبعدت موظفين محسوبين على "الحزب"، كما منعت الطيران الإيراني من الهبوط في بيروت. وهنا نفهم خلفية الهجوم العنيف لـ"الحزب" على رئيس جهاز أمن مطار بيروت الدولي، العميد فادي كفوري، على خلفية إجراءات أمنية اتخذها لضبط الفلتان ومنع الوصول إلى غرف حساسة في المطار، بما في ذلك منع أشخاص مقربين من "حزب الله" من دخول غرفة الرادار من دون إذن مسبق.

إنّ إدارة الأجهزة العسكرية والمنشآت المنتشرة من الجنوب إلى الشمال ومن البقاع إلى الجبل والعاصمة، لا يمكن تأمين استمراره بالتمويل الذاتي، وإذا تمكّن "الحزب" من تأمين بعض الخدمات المدنية عن طريق تشبيحه على الدولة، فإنّ تمويل الآلة العسكرية لا يمكمن توفيره إلاّ بتمويل دولة ومصير سلاح الغدر سينتهي. أمّا ثقب الأنفاق الأسود، فله حكاية أخرى سنرويها قريبًا.