مايا الخوري

أعراض نفسية وجسدية ورفض للتغيير... الخوف من المجهول تغذيه الاشاعات

5 دقائق للقراءة

الخوف، عمومًا، شعور مرتبط بغريزة البقاء لتأمين الحماية الذاتية والمحافظة على الوجود، يظهر أمام خطرٍ أو مواقفَ غامضة لا سيطرة عليها أو على نتائجها، فيتحوّل أحيانًا إلى اضطراب قد يعيق الحياة اليومية. فماذا لو تغذى من الإشاعات والمعلومات الضالة عبر الإعلام أو وسائل التواصل الاجتماعي؟




قد يتحوّل الخوف من المجهول إلى حالة اضطراب ممكن أن تعيق يوميات الفرد وسلوكياته في حال استمرارها، عندها نكون أمام منحيين: الأول هو الرهاب من المجهول Neophobia أي الخوف والقلق تجاه أي شيء جديد، غير مألوف. والثاني هو  Xenophobia أو الخوف والعدائية والرفض تجاه من نعتبرهم غرباء أو مختلفين بانتماءاتهم أو ثقافتهم أو أصولهم أو جنسياتهم.


ويتمايز الخوف عن القلق وفق الدكتور نويل روكز، وهو معالج نفسي وعضو المجلس العالمي للعلاج النفسي WCP، بأن الأول ردّ فعل تجاه تهديد أو خطر حقيقي أو افتراضي، يدفع إلى الهروب أو المواجهة أو الجمود. يواجه الجسم بردود فعل طبيعية ويرتفع مستوى الأدرينالين والكورتيزول ويزداد معدّل ضربات القلب. لكن هذه الأعراض تختفي بمجرّد انتهاء الخطر. بينما يتمثّل القلق بالشعور بعدم الارتياح للمرحلة التي نعيشها، أو تجاه موضوع أو ظرف، غالبًا ما يكونان غامضيْن، ما يعطّل الحياة وقد يؤثر على الصحة العقلية، النفسية والجسدية". ويضيف: "درس عدد من العلماء موضوع الخوف من زوايا مختلفة مقدّمين مساهمات لفهمه والتعامل معه، من بينهم " فرويد" الذي ربطه بالعواطف المكبوتة والصراعات النفسية الداخلية. أمّا "يونغ" فكان له منظور مختلف، حيث ربطه بمفهوم "الظل" والصراع مع الجوانب المظلمة من النفس. فيما أبراهام ماسلو، عالم النفس المعروف بنظرية hierarchy of needs، فناقش إمكانية تأثير الخوف من الفشل أو عدم تحقيق الذات في سلوك الإنسان".


وعن تأثير الخوف على الصحة النفسية والسلوك الاجتماعي، يقول: "يتمثّل بأعراض كاضطرابات الهلع، التوتر وعدم الراحة، فقدان الاهتمام بالأنشطة المعتادة وصعوبة في التركيز والانتباه والأرق والانفعال"، مشيرًا إلى الحاجة للأمان في هذا الإطار، ما يجعل الإنسان متشبثًا بما يشكّل له المنطقة الآمنة comfort zone، محافظًا على ظروف عيشه وفقًا لغريزة البقاء والوجود.


وقد تسبب التجارب السابقة السيئة التي عززت الخوف عدم ثقة الإنسان بنفسه، وصعوبة في تعامله مع المواقف الجديدة، لينتج عن ذلك صلابة في التفكير ومقاومة ذاتية، كآلية التجنّب أو التسويف أو التأجيل بهدف عدم كسر الروتين الذي يؤمّن له الأمان. وقد يصبح الإنكار سيد الموقف، ليصبح غير قادر على الاختيار والقرار أو التصرّف، ما يضع المسألة والوضع رهن الوقت، متمسكًا بما هو عليه بعيدًا من الانفتاح والتطور. وعلى الصعيد الجسدي، ينتج عن الخوف تشنّجات عضلية وصداع واضطراب في الجهاز الهضمي، ارتخاء عضلي وغيره. أمّا على الصعيد الاجتماعي، فنرى مثلًا سلوكًا مغايرًا وانسحابًا اجتماعيًا قد يتحوّل إلى عزلة وانغلاق، ورفض المشاركة بالنشاطات وصعوبة اللقاء بالآخرين أو فرط حركة وانفعال سريع. فضلاً عن صعوبة في تكوين علاقات اجتماعية ما يؤدي إلى تمسّكٍ بدائرة المعارف المحدودة، متجنّبًا الاختلاط والتفاعل مع الغرباء والثقافات المختلفة وقد يبلغ مرحلة الارتياب والشك أو العدائية وردّ الفعل تجاه الآخرين وحتّى المحيطين به.


وعمّا إذا كانت هناك خطة استباقية لتجنّب رهاب المجهول، يجيب د. روكز: "توجيه الانسان نحو تحديد أهداف قصيرة أو طويلة الأمد واستثمار طاقته في ممارسة منتجة تشعره بالأمان وتقدير الذات، وتلعب المرونة والليونة دورًا أيضًا. كذلك القدرة على التقبّل والتكيّف. فضلًا عن الاسترخاء أو إدارة الخوف ويتضمن ذلك اكتساب تقنيات التنفس وكيفية استرخاء العضلات وممارسة الرياضة والموسيقى والهوايات والنشاطات والانخراط بشبكة دعم اجتماعية والمشاركة في لقاءات عائلية وغيرها، ما يحفّز إفراز الجسم لهورمونات الراحة والفرح كالإندورفين والدوبامين وغيرها".


وعن تأثيره في اتخاذ القرارات اليومية المصيرية، يقول: "يرتبط ذلك بخليط التسويف والمماطلة والتأجيل والكسل، حيث يصبح الشخص غير قادر على استلحاق يومياته والتكيّف مع الأمور فيغرق بحتمية الحالة التي يعيشها، داخلاً في مرحلة القلق والإحباط. ويترافق ذلك مع مجموعة من التصرفات المشوشة كالتجنبّ وعدم التركيز والتردد والأرق والشعور بالذنب والخجل، ما قد يؤدي إلى أعراض تستوجب تدخل أخصائي".


دور الإعلام في ضبط الخوف أو تعزيزه

يشدد د. روكز على "أن نشر الإشاعات أو المعلومات الضالة في وقت الأزمات يرفع نسبة القلق عند الأفراد، وكذلك القلق الجماعي خصوصًا إذا كان الترويج يحمل في طيّاته تهديدات أو خطرًا، فيعزّز الخوف ويحطّم الآمال ليتجنّب هؤلاء التغيير خوفًا ممّا يحمله المستقبل"، مضيفًا: "تغيب عن المجتمعات المنغلقة على نفسها المعلومات الواضحة خصوصًا إذا كان المسؤولون غير مدركين أو مواكبين للتغيير الجديد ما ينعكس قلقًا لهم ولمجتمعاتهم. كما تلعب المجتمعات دورًا في التطمين تجاه العلاقة مع الآخر ليكون مألوفًا ومرحبًا به وإلا أصبح عدوًّا وخطرًا حتميًا ما يغذّي الخوف الجماعي".


من هنا أهمية الشفافية والتوضيح ليتحوّل المجهول إلى معلوم، وذلك ضمن مبادرات اجتماعية تشجع على التكافل والتضامن. وقد يلعب قادة هذه المجتمعات دورًا في توضيح المرحلة القادمة وبثّ الأمل والطمأنينة في قلبها لتحقيق التغيير المقبل وبالتالي القدرة على التكيف مع الواقع الجديد. ويؤكد دور الإعلام في تضخيم صورة الواقع أو التخفيف من حساسيتها أمام الرأي العام. ما ينعكس إمّا شعورًا بانعدام الأمان والثقة بالمحيط، وشعورًا بالارتياب، فيتأثر سلوك الأفراد وخياراتهم وبالتالي قراراتهم وتوجهاتهم، أو شعورًا بالأمان. لذا من المهم أن يسعى الإعلام إلى ٍإزالة الخوف والحث الوعي، عبر تقديم المعلومات المتوازنة والدقيقة والنوعية والموثوقة والموضوعية لجمهوره.