قلّما أن يعطى لشخصية أن تمثّل صراعاً معيناً، لكن الأكيد أن زياد الرحباني من خلال نتاجه شكّل واجهة لأكثر من صراع، لعّل أبرزها:
_الصراع الطبقي: بحسب النظرية الشيوعية فإنّ التاريخ هو نتاج صراع طبقي دائم، ومن المعلوم أن زياد من المعتدقين بهذه النظرية حتى النخاع فعزّز من خلال فكره شعور الفقراء بالغبن من خلال تظهير الفجوات الإجتماعية وشيطنة دور رؤوس الأموال في المجتمع و عزّز فكرة سيطرة الطبقية وأكّد أن الصراع اللبناني بجزء كبير منه هو صراع طبقات.
الصراع الطائفي: كثيرون ينكرون تجذّر الطائفية في أعماق نفوس الناس ويعزونها الى محاولة إستعمارية لتفتيت وحدة الوطن، فينكرون تأصّلها في الضمائر قبل النصوص_ وهذا ما يذهب إليه اليسار تقليدياً_ لكن زياد ذهب منحاً آخر فاقّر بواقعيتها، لكنّه حوّل الواقع إلى سخرية، فحّل وسطاً في الصراع بين من ينكرونها ومن ينظّرون لضرورة شرعنتها، حتى باتت مسرحياته مرجعاً وفياً لا داعي لنتقيحه في فرادة الطائفية المجتمعية في لبنان وظواهرها.
الصراع العاطفي: زياد نموذج للشاب العربي في مطلع عمره، الشاب الذي في كثير من الأحيان لا يعرف ماذا يريد، ومع من يريد أن يكمل مسيره، فكانت حياته حافلة في تعددّ النساء فثار على فكرة الشريك الدائم طوال العمر التي تكّرسها المنظومة المجتمعية، وابرز في أكثر من عمل خصوصيات العلاقات العاطفية التي عادة ما يستعاض عنها بكلام مكرّر له الطابع الوردي فصّور الحّب كصراع يعيشه المرء تتحكّم به معطيات مادية متنوعّة حتّى أنه تطّرق ولو بشكل وجيز إلى موضوع المثلية قبل الإنفتاح الحاصل حالياً.
الصراع العائلي: صراع الأجيال من أبرز التعابير الحديثة في مقاربة المسائل الإجتماعية، خصوصًا مع سرعة التطورات الإنسانية، لكن زياد كان سبّاقاً فشّكل بفنّه وحياته خروجاً عن الإنتظام والمقدّسات العائلية بكّل ابعادها من الديني إلى الإجتماعي فالفكري، ومع ذلك يجمع أبناء الأجيال برمتّها على الإعجاب بفنّه وعلى رأسهم أبناء الألفية الثالثة التي نُظّمت معظم أعماله قبل ولادتهم والذين يرون فيه الحالم الطوباوي الذي يحاكي تطلعّاتهم وثورتهم.
صراع فنّي: شكّلت أعمال زياد، نقلة نوعية في عالم الفنّ فأدخل الأسلوب الغربي بنكهة لبنانية، وكذلك في المسرح حيث إنتقل من مسرح الواقع الطوباوي إلى مسرح الواقع المأزوم فتبعه كثيرون بهذا المنحة حتى تم هجر المنحى المسرحي الرحباني التقليد، فإنتصر التجديد الذي لم يعد اليوم جديداً.
قد يعتبر قارئ لهذا المقال، أنّه معيوب بنقص حاد بالقرائن والأمثلة، هذا صحيح لو لم تكن أعمال زياد محفورة في الأذهان فسيجد القارئ من تلقاء نفسه الدليل وما يضحضه.
في الحقيقة أن زياد هو صراعات في رجلّ، لكّن النقطّة التي يجدر التوقّف عندها هي أن من ينظرون إلى موته كخسارة لا ينحصرون بمؤيّدي اليسار، هو اليساري الشرس، بل يتعدونّهم إلى الوسطيين والجمهوريين وهو كان في حرب ضروس لا مهادنة فيها مع هذه الجمهورية.
ابعد من ذلك، أن جمهور اليمين ينعاه بعد أن امضى زياد حياته يدافع بإصرار قلّ نظيره عن فكرة نقيضة ويكفي مراجعة ارشيفه لمعرفّة حدّة خصومته مع الأحزاب المسيحية وصولًا إلى قربه من محور الممانعة.
فيسيطر على أنصار اليمين صراع داخلّي بين إعجاب لا يُخفى وخصومة عميقة لا تنتهي، وهذه الظاهرة بحّد ذاته تستحقّ تفسيراً علمياً واضحاً، مع التأكيد أن التعاطف معه يزيد عند الأجيال اليمينية الصاعدة أكثر من عند الذين عايشوا مختلف مراحله.
فحتى الذين يعارضون كافة افكاره، لا ينكرون عليه قدرة عالية جدّا في التوقّع السياسي وإستشراف الأحداث، هو خصمٌ يحفزّك على البحثّ عن أدّلة أكثر إقناعاً تدعم حجتّك، وهذا بذاته مفيد.
هكذا هي نظرة الكثيرين اليوم إلى زياد: صراع بين شعورين، لا ينتصر إحداهم على الآخر