هل كلّنا يعرف أنّ للممثل اللبناني القدير أسعد رشدان موهبة تشكيلية دفينة لا تقلّ احترافًا عن حضوره ممثّلًا، على خشبة المسرح أو أمام كاميرا التلفزيون؟ ربما سمع البعض بها، لكنّ كثيرين تفاجأوا حين وصلتهم بطاقة الدعوة إلى معرضه الفني الجديد بعنوان "تشكيل على وقع الانطباع"، الذي يضمّ أكثر من 100 لوحة رسمها وتُعرض للمرة الأولى في صالة "Art & Art" - بين 1 و 8 آب الجاري.
أسعد رشدان، الممثل المعروف بعمق أدائه وحضوره القوي، يطلّ اليوم من نافذة مختلفة تمامًا: نافذة اللون والخط والانطباع، ليروي بصمت ما لم يقله على الخشبة أو في المَشاهد المصوّرة. إنه الفنان المتعدّد المواهب، الذي لا يضع حدودًا بين التعبير الجسدي والتعبير البصري، والذي يرى أنّ الإبداع أيًا كان شكله، هو محاولة دائمة لفهم الذات والعالم. بين اللون والصوت، بين الممثل والرسّام، يُقدّم نفسه اليوم من جديد، لا على خشبة مسرح، ولا في مشهد درامي، بل في غاليري فنّي أمام أكثر من مئة لوحة، كل واحدة منها تحمل بصمته، وأثر الحياة في عينيه.
يروي رشدان في حديثه مع "نداء الوطن" قصّته مع الريشة والألوان، فيقول: "أرسم منذ طفولتي. بعد نيلي دبلومًا في المسرح من "معهد الفنون الجميلة" سنة 1982، التحقت مباشرة بدراسة الرسم، ونلت دبلومًا فيه أيضاً. لم يكن الأمر هوايةً طارئة، بل مسارًا موازياً، تطوّر مع الوقت".
وعلى الرغم من مسيرته الدراميّة الغنيّة، لم يتوقّف الفنان أسعد رشدان عن الرسم، بل تابع مساره في هذا الجانب على هامش الأدوار التمثيليّة والحياة اليومية، من دون أن يسعى يومًا إلى تسليط الضوء على هذه الموهبة. يقول رشدان: "أنا لا أدّعي أنني عبقري في الرسم، لكن لديّ تقنية جيّدة، وأرسم بانتظام منذ أكثر من خمسين عامًا. شاركت في معارض جماعية، وفزت بجوائز، وأهديت لوحاتي لأصدقاء وأحبّاء. أرسم بأسلوب واقعي وكلاسيكي، وأحب البورتريه والمناظر التي تترك فيّ أثرًا بصريًا أو عاطفيًا".
حسّ تشكيلي ناضج
من ينظر إلى لوحات رشدان يلاحظ أنها ليست محاولات "تجريبية"، بل هي أعمال مكتملة، تعبّر عن حسّ تشكيلي ناضج ورؤية إنسانية عميقة. بعضها يوثّق مشاهد من الطبيعة اللبنانية، بعضها الآخر يرسم فيها وجوهًا بشريّة أو تفاصيل من الحياة اليومية. ربما هو لا يحبّذ التصنيفات، وربما لا يرى نفسه "رسّامًا محترفًا" بالمفهوم التجاري، لكنه بلا شك فنّان حقيقي، يفتح بابًا جديدًا للتعبير، ويؤكّد أن الإبداع لا يُختصر في مهنة واحدة.
يشرح رشدان: "أحياناً أنقل مشهدًا أو لوحة أعجبتني، وأُعيد رسمها بأسلوبي الخاص. لا أدّعي الابتكار، بل أومن بالاقتباس المُنتِج، ما دمت أضع لمستي وروحي في العمل". فلوحة السيارة الظاهرة على بطاقة الدعوة للمعرض، مثلًا، ليست خيالية، بل موجودة فعلاً في عمشيت قرب منزله، وهي نموذج عن ارتباط الفنان بالمكان والذاكرة. كذلك لوحة القطار، المأخوذة "بتصرّف" من رسمٍ أعجبه في مكان ما لا يذكره، لكنها استقرّت في وجدانه.
لكن لماذا المعرض الآن؟ يجيب الفنان: "منذ سنتين تقريبًا، بسبب الأوضاع في لبنان وتباطؤ عجلة الإنتاجات الدرامية، عدت إلى الرسم بكثافة. كنت بحاجة إلى مساحة أخرى أتنفّس فيها. خلال هذه الفترة رسمت أكثر من 105 لوحات. لم أفكّر يومًا في إقامة معرض، لكن تعرّفت عبر منصّة "إنستغرام" على مالكي غاليري "Art & Art"، وتحوّلت العلاقة معهم إلى صداقة جعلَتْ هذه الفكرة ممكنة. هم من شجّعوني، وأنا لبّيت الدعوة".
يُظهر هذا المعرض جانبًا جديدًا من شخصية رشدان: الشغف الصامت، والإصرار على ممارسة الفن في كل الظروف، بعيدًا من الأضواء. وعلى الرغم من سنواته الطويلة في الدراما، من المسرح إلى السينما والتلفزيون، لم ينسَ الريشة واللوحة. هو الذي تقاطع فنّه مع أسماء كبيرة، وشارك في أعمال شكّلت جزءًا من الذاكرة الثقافية اللبنانية، ها هو اليوم يقف أيضًا بين زملائه من الرسامين.
الوحدة رفيقة الرسّام
في عالم يعجّ بالضجيج والترويج المبالغ فيه، يختار الفنان أسعد رشدان طريقًا أكثر هدوءًا وأكثر عمقًا. هو فنان لا يعرّف نفسه بحرفة واحدة، بل بجملة مشاعر ومسارات تتقاطع بين التمثيل والرسم، بين الصورة والكلمة، بين لبنان الذي يبقى فيه رغم كل شيء، وأسرته التي تركها في الولايات المتحدة الأميركيّة.
يكشف رشدان في حديثه معنا عن العلاقة المتشابكة بين فنَّي التمثيل والرسم، قائلاً إنّ الرسم يمنحه ما لا يستطيع التمثيل أن يمنحه إياه: الوحدة. ففي لحظات التأمل، يجد نفسه في عزلة جميلة، يسافر بين الألوان، يرسم البحر والزوارق حين يحتاج إلى الهدوء، ويهرب إلى المناظر الخلّابة. كأنها مأوى داخلي من صخب الخارج.
أما عن العلاقة بين ما يجسّده على الخشبة أو الشاشة وبين ما يرسمه على القماش، فيقول بحسم: "لا علاقة بين التمثيل والرسم. هما عالمان مختلفان. الرسم انعكاس لحالتي النفسية، وليس امتدادًا لأي شخصية مثّلتها". يتابع موضحًا أنّ الرسم بالنسبة له فعل تأمّل، لكنّه أيضًا صرخة. "خلال الحرب الأخيرة، رسمت غابة تحترق. وعندما انفجر مرفأ بيروت، عبّرت عن غضبي من خلال الألوان. كان الرسم وسيلتي لأقول ما لا يمكن قوله". وحين نسأله: هل يعبّر أحد هذين الفنَّين عن ذاتك؟ يجيب ببساطة تحمل مرارة الواقع: "أنا فنان. يشمل ذلك التمثيل والرسم. لكن للأسف، أيّ منهما لا يُطعم الخبز".
وعلى الرغم من تعدّد مواهبه، يبقى بعيدًا من الأضواء المفتعلة. لا يحب البروباغندا، يفضّل العزلة، ويمارس الرياضة كهواية خاصة. يشير إلى الفارق الكبير بين التقدير الذي يلقاه الفنانون في الخارج، واللامبالاة السائدة محليًا، مؤكدًا: "في الخارج، أشعر بالتكريم الحقيقي".
"راحت سلمى يا عيسى"
حين تسأل أسعد رشدان عن العبقريّ زياد الرحباني الذي تركنا منذ أيام قليلة، يتوقف الزمن عنده لحظة، قبل أن يقتبس من أعمال الرحباني الراحل إحدى عباراته: "راحت سلمى يا عيسى"، ويتابع بحسرة: "أنا وعائلتي نتكلم بلغة زياد. رحيله خسارة كبيرة. زياد استسلم، لم يرد العلاج، وفضّل الموت". يضيف أنّ نظرته إلى الحياة والموت وإلى الوجود بمعانيه الكبيرة والصغيرة، تبدّلت اليوم. "لم يعد اليأس يعرف طريقه إليّ، فأنا أعتني بما هو جوهري: بصحّتي وبروحي. أما القشور والمجد الزائف، فتركتها تمضي. لا بريق فيها يُغري ولا معنى يبقى".
أسعد رشدان، ممثّل ورسّام لا يرغب في أن يكون بطلًا عبر الصحافة والإعلام، بل صادقًا على الورق وعلى الخشبة وفي الحياة. هو فنان يرى أنّ الجمال الحقيقي قد يكون في لحظة صمت مع لوحة، أو في مشهد يُصوَّر من عمق الإحساس بالفرح أو الألم.



* معرض لوحات الفنان أسعد رشدان، من 1 إلى 8 آب 2025، في غاليري "Art & Art" - الأشرفيّة، التباريس، بناية متروبوليس.