جوزيف حبيب

"الحساب" بين إسرائيل وإيران لم ينتهِ بعد

«عقيدة ترامب» تصطدم بالحروب الوجودية

5 دقائق للقراءة
بدأ ترامب يدرك مدى صعوبة إنهاء بعض الحروب (رويترز)

ترجع سياسة «السلام من خلال القوّة» إلى زمن الأمبراطورية الرومانية، لكن «الأمبراطورية الرومانية الجديدة» أعادت إحياءها في القرن الماضي، خصوصًا مع الرئيس الأميركي الراحل رونالد ريغان. وجعل الرئيس ترامب، المعجب بريغان، من هذه الاستراتيجية بالذات، أحد أبرز شعاراته، وأضحت بمثابة «عقيدة ترامب» في مقاربة علاقات أميركا الدولية. صحيح أن الرئيس الجمهوري نجح أو ساهم في إطفاء «حرائق» عدّة كان يمكن أن يتمدّد كلّ منها ليغدو حربًا طاحنة، بيد أنه عجز حتى الآن عن إنهاء حرب غزة والغزو الروسي لأوكرانيا، رغم أنه تعهّد بوضع حدّ لهما لحظة دخوله المكتب البيضوي، فيما لا يزال «الملف الإيراني» شائكًا بلا أي بوادر حلحلة في الأفق.


يواجه ترامب معضلة في حرب غزة تكمن في أن إسرائيل المتمسّكة بتحقيق أهدافها بتدمير «حماس» واستعادة الرهائن لوقف الحرب، هي أحد أبرز حلفاء بلاده على الساحة الدولية. وتاليًا، ليس سهلًا على الرئيس المحافظ رفع مستوى الضغط أكثر على تل أبيب لوقف حرب تعتبرها الدولة اليهودية وجودية بالنسبة إليها بعد هجوم 7 أكتوبر على غلاف غزة. لهذا، تحاول إدارة ترامب تفكيك العقد بمساعدة الوسيطَين القطري والمصري، والعمل على تحسين الوضع الإنساني، الذي يُثير غضبًا عالميًا، في القطاع، ريثما تتهيّأ الأجواء المؤاتية لوقف النار.


وما يحفز ترامب على إنهاء هذه المأساة، هو تنامي النقمة عند قسم من المحافظين الأميركيين، ولا سيّما الشباب، تجاه إسرائيل التي تتراجع نسب التأييد لها في أوساط الأميركيين، فضلًا عن مصالح واشنطن الحيوية مع حلفائها الخليجيين الذين يريدون أن تضع الحرب أوزارها سريعًا. ولا يمكن إغفال طموح ترامب بتوسيع نادي دول «اتفاقات أبراهام»، وهذا لن يحصل قبل نهاية حرب غزة، ما يدفع الإدارة الأميركية إلى مضاعفة جهودها بتكثيف مبعوثها ستيف ويتكوف حراكه الدبلوماسي لتذليل العقبات واجتراح الحلول الناجعة.


كان لافتًا اتهام ترامب، إيران، بالتدخل في مفاوضات وقف النار بين إسرائيل و»حماس» باعطائها إشارات وأوامر للحركة، تلميحًا منه على إفشال طهران للهدنة عنوة، الأمر الذي نفاه نظام الملالي. وهنا تطرح «العقدة الإيرانية» على رقعة الشرق الأوسط الجديد قيد التشكيل. فالجمهورية الإسلامية، وإن أصبحت ضعيفة في المعادلة الإقليمية، إلّا أنها إذا ما تركت على حالها ستعود لتشكّل تهديدًا على أمن المنطقة واستقرارها وفرص تحقيق السلام فيها، وفق الخبراء. تضع طهران اليوم شروطًا على واشنطن قبل العودة إلى «الطاولة النووية»، فهي تصرّ على تخصيب اليورانيوم على أراضيها، وتطالب كذلك بضمانات بعدم تعرّضها لضربات مستقبلًا وبتعويض الأضرار التي لحقت بها من جرّاء «حرب الأيام الـ 12».


يرى الخبراء أن «الحساب» بين إسرائيل وإيران لم ينتهِ بعد، معتبرين أن احتمالات تجدّد الحرب بينهما ترتفع طالما أن طهران عادت لتنتهج سياسة «حياكة السجّاد» وشراء الوقت. ويؤكدون أن تل أبيب لن تتردّد في إطلاق حملة عسكرية جديدة ومباغتة ضدّ الجمهورية الإسلامية، إذا ما رَصَدت استخباراتها محاولات إيرانية لإعادة إحياء برنامجيها النووي والصاروخي، مشيرين إلى «حرب سرّية» تقودها إسرائيل في العمق الإيراني عبر دعم معارضي النظام وتوفير بيئة أمنية تسهّل لهم شن هجمات وعمليات تخريبية متفرّقة، إضافة إلى استمرار تفعيلها عملاءها على الأرض لتوفير كافة الظروف المناسبة متى قرّر «الأسد الصاعد» الانقضاض على إيران مرّة أخرى.


لا يستبعد الخبراء نجاح تل أبيب مع الوقت بإقناع واشنطن بضرورة إسقاط النظام في طهران، خصوصًا إذا لم تذعن إيران لشروط أميركا النووية وتبرم صفقة ترضي ترامب، الذي يعمد إلى تسعير «الضغوط القصوى» على الجمهورية الإسلامية بتوسيع مروحة العقوبات لجعلها تدفع ثمن مراوغتها. ويشرح الخبراء أن القيادة الإسرائيلية ترى في نظام الملالي تهديدًا وجوديًا على الدولة اليهودية، كما تعتبر أن سقوطه سيُسرّع في معالجة حروب ونزاعات ممدّد لها، من لبنان إلى اليمن. ويرجّح الخبراء أن تدرك القوى الأوروبّية أن انهيار نظام الملالي يصبّ في مصلحتها الاستراتيجية، إذ إن طهران تمدّ روسيا بالمسيّرات التي تقتل المدنيين على «المذبح الأوكراني» وتتعاون مع شبكات إجرامية دولية لتنفيذ مهام استخباراتية قذرة في أوروبا وأميركا الشمالية. وبالتالي، فإن إيران التي تبتزّ الغرب بـ «دبلوماسية الرهائن»، تشكّل خطرًا على أمن القارة الأوروبّية.


وبالحديث عن أوكرانيا، يبدو أن صبر ترامب من نظيره الروسي بوتين ينفد بسرعة فائقة، تحت تأثير المشاهد الصادمة لـ «الروائع الهندسية» الروسية التي تترك آثارها المدمّرة والقاتلة على مدن أوكرانيا وسكّانها. وأمهل الرئيس الأميركي، بوتين، حتى 8 آب للتوصّل إلى اتفاق لإنهاء الحرب أو مواجهة تداعيات «تعرفات ثانوية» تستهدف شركاء روسيا التجاريين، خصوصًا الصين والهند، لتقويض قدرات موسكو المالية وضرب «اقتصاد الحرب» لديها، مع علمه مسبقًا أن هذه المقاربة قد لا تؤتي ثمارها. أراد ترامب تحقيق «سلام سريع»، بيد أنه استحال بعيد المنال مع خوض كلّ من موسكو وكييف حربًا وجودية ستحدّد موازين القوى في شرق أوروبا ومستقبل أوكرانيا وهويّتها، كما ستؤثر نتائجها أو حتى مسارها على الكرملين وديمومة النظام الروسي الحالي.


اصطدمت «عقيدة ترامب» بتعقيدات الحروب الوجودية المندلعة والتي قد تندلع غدًا. إنها حروب سترسم بـ «الحديد والنار» ملامح النظام الدولي المحدّث أو الجديد. حروب ستتوّج باتفاقات سلام تمهّد لحروب أخرى متى انتهت مدّة صلاحيّتها، كما عوّدنا التاريخ. حروب ما زالت أميركا الحَكَم حينًا واللاعب أحيانًا أخرى، الأكثر نفوذًا وتأثيرًا على مجرياتها. لكن ما يُثير مخاوف الخبراء، أن تفشل سياسة «السلام من خلال القوّة» الأميركية عند الاستحقاقات المصيرية الكبرى، فعندها البكاء وصرير الأسنان.