خالد أبو شقرا

الإقتصاد بين هدير الإنقاذ وطحين الإصلاح

4 دقائق للقراءة
موازنة 2020 ستموّل من جيوب المواطنين أيضا (أرشيف)
منذ انعقاد ما عرف بـ"اجتماع بعبدا المالي والإقتصادي" في التاسع من آب الحالي، وفضاءات الإقتصاد اللبناني الإفتراضي تضج بالأخبار التفاؤلية، وبأن الأزمة الإقتصادية أصبحت وراءنا. نشر الأمل عامل مستحب في أوقات المِحن، شرط ألا يخدّر المواطنين، ويغيّب الإصلاحات. فالإبتعاد عن الواقعية، وتغطية الهريان بزينة مبهرجة، هما الخطر الأكبر الذي يهدد الإقتصاد، ويمنع الدخول في عملية إنقاذ جدية، ويراكم عوامل الإنهيار وفقدان الثقة.



لم يُعرف الكثير، او بالتفصيل، عن ورقة بعبدا المالية، ولم يتظهّر منها إلا نية أصحاب الحكم بالسير في الإصلاحات المنقذة للإقتصاد في القريب العاجل. و"التي لا يصح وضعها إلا في إطار الإنجازات الإعلانية والكلام التسويقي التافه، الذي لا يرقى إلى مستوى المسؤولية بتاتاً. فهذه السياسات ستكون نتيجتها واحدة من اثنتين: إما اندلاع مشاكل أمنية خطيرة، وإما تحويل البلد إلى مجموعة من المتسولين"، يقول وزير العمل السابق شربل نحاس.

الورقة تجميلية

الورقة الإنقاذية كما يتبين مما رشح عنها، لم تجترح المعجزات أو تبتكر ما لم يكن موجوداً فقد أتت أقرب إلى تأكيد مقررات "سيدر" وخطة "ماكينزي" اللتين سبقتاها ولم تسلكا بعد طريقهما إلى التنفيذ. فلماذا إذاً جرى تسويقها على أساس أنها ورقة جديدة وليس بداية لتطبيق الخطط؟ الجواب بسيط، ويتلخص في أن إعادة الحديث عن الخطط السابقة لن يكون إلا تكراراً لأسطوانة الإصلاحات، التي فقد المجتمع الدولي ثقته بتطبيقها، وأصابت الشعب اللبناني بالإحباط. فيما إخراجها على أساس أنها ورقة جديدة، يحمل من الإثارة ما يرفع "أدرينالين" الإطمئنان، عدا عن أن وقعها أقوى وتصديقها أسهل.

العلاج بالمسكّنات

ولنسلّم جدلاً بأن هذه الورقة المالية التي تتضمن "علك" إطلاق المشاريع الإستثمارية وإصلاح الكهرباء والقضاء ومعالجة التهرب والتهريب ووقف الهدر والفساد... هي البداية المنشودة للإنقاذ، "فلماذا لم ينقذونا من قبل ولماذا أوصلونا إلى هذا الدرك؟" يسأل الخبير الإقتصادي إيلي يشوعي، ساخراً من كل ما تقدمه هذه السلطة من حلول خادعة تتكرر عند كل مفصل. "فالمسؤولون عن الأزمة يجتمعون سوياً على حلها بغياب أي وجه جديد أو رأي يشكل قيمة مضافة. يوصّفون المشاكل الفاقعة، من وجود المحميات السياسية في الإدارات الرسمية، ويتذمرون من عجز الكهرباء، ويقلقون من استمرار الهدر والفساد، ويشتكون من ضعف أجهزة الرقابة وعدم تطبيق الخطط...لكن من دون اتخاذ إجراءات فعلية للإصلاح، ومع نية واضحة بالإستمرار بتقاسم المغانم". يضيف يشوعي. وإذا لم يجر برأيه "إنتقال الخدمات بشكل سلس من القطاع العام إلى الخاص على قاعدة الـBOT، من دون محاصصة وتقاسم، وإذا لم يكلف إدرايون موثوقون لتحديد دفاتر الشروط وإجراء التلزيمات، فلن يكون هناك إصلاح. فالمطلوب بسيط جداً، يكفي الإتيان بفريق جديد يجبي الضرائب غير المحصلة، ويضبط السرقات والسمسرات، ويحد من نهب مقدرات الدولة، وينظم الفوضى المستشرية لكي تستقيم الأمور وينخفض العجز في موازنة الدولة إلى 2 و3 % من الناتج المحلي الإجمالي".

الإصلاح في 2020 كذبة

نظريات الطمأنة تبنى على الإنجازات التي ستتحقق في موازنة 2020، وانخفاض عجزها من الناتج المحلي. وبغض النظر عن علامات الإستفهام التي تطرح لجهة المتغيرات العميقة التي ممكن أن تحدث في غضون أشهر قليلة، فإن "موازنة 2020 لن تشذ عن موازنة العام 2019 المتضمنة سلسلة من الأكاذيب، فهذه السلطة عاجزة إلا عن سعيها للإستمرار في الحكم، وتبديد المجتمع. وكل ما يحصل لا يثير غير الإشمئزاز، لأن الناس لم يشعروا بعد بالقوة الكافية لإزاحتهم جميعاً من سلطة تعجز عن تحمل مسؤولياتها".

ويضيف نحاس، "أما بخصوص الخفوضات في عجز الخزينة فهو سيأتي من خلال حرمان المواطنين من الخدمات الإستشفائية، وتنظيم سرقة أموال الضمان الإجتماعي ومراكمة المتأخرات على المسؤوليات الأساسية للدولة".

إذا كانت الشجرة الجيدة تعرف من ثمارها، فإن كل ما يُرى من ثمار المؤتمرات وأوراق الإصلاح والإتفاقات ونوايا الإصلاح وتكبير الإنجازات "مضروب" بسوسة الفساد، وهو يسقط "أعجرَ" على مآسي المواطنين المتراكمة وحيرة المستثمرين وضياع القوى المنتجة.