رنا شمص

4 آب: جريمة بلا عقاب وبلد بلا مساءلة

4 دقائق للقراءة

يحلّ الرابع من آب هذا العام، ولبنان لا يزال يرزح تحت صدمة جريمة لم تُحاسب، ودماء لم تُنصف، ومدينة لم تُرمَّم، وذاكرة وطنية يُراد لها أن تُمحى. خمس سنوات مرّت على الانفجار الذي دمّر قلب بيروت، فحوّل العاصمة إلى ساحة حرب، وخلّف وراءه جرحًا وطنيًا لم يُغلق بعد. وبدل أن تكون الذكرى مناسبة لإحقاق الحق، تحوّلت إلى مرآة إضافية لوجه السلطة القبيح، ولتواطؤ سياسي - قضائي محكم.


بعد مرور خمس سنوات، ما زال القتلة أحرارًا. لا أحد استُجوب بجديّة، لا أحد أُُدين، ولا أحد اعترف. جُمّدت التحقيقات، وهدّدت السلطة القضاة، واعتُدي على عائلات الضحايا، وكأنّنا نحن المذنبون لأننا نطالب بالحقيقة.


إنّ انفجار 4 آب ليس حادثًا معزولًا، بل نتيجة حتميّة لمنظومة تحكم لبنان منذ عقود، وتساوم على حياة الناس مقابل الحفاظ على مصالحها وسلطتها. الصّمت عن هذه الجريمة هو قبول بها، والتغاضي عن المحاسبة هو تمهيد لانفجار جديد.


لا يمكن للبنان أن ينهض ما لم تتحقّق العدالة. والعدالة لا تُبنى على المجاملات، ولا على صفقات تحت الطاولة، ولا على محاولات دفن التحقيقات. نريد محكمة، نريد محاسبة، نريد كشف الأسماء والوجوه. نريد أن نعرف من أدخل النترات، من خبّأها، من تجاهل تحذيرات الأجهزة الأمنية، ومن منع التحقيق.


الذين يتحدّثون عن الاستقرار كذريعة لعرقلة العدالة، ينسون أنّ الاستقرار الحقيقي لا يقوم على الرّكام. بل على الحق، والمحاسبة، والثقة. وكل ما دون ذلك، هو هدنة مؤقتة قبل انفجار جديد.



القضاء بين التهديد والتقييد

منذ اللحظة الأولى، تحرّك القضاء العدلي لمحاولة فتح ملف الانفجار، لكن سرعان ما تحوّل التحقيق إلى ساحة معركة بين سلطة تبحث عن دفن الحقيقة، وقاضٍ يسير وحده في حقل ألغام. القاضي طارق البيطار، الذي تجرّأ على توجيه الاتّهام إلى شخصيّات نافذة، جوبه بترسانة من الدعاوى الردّ، والتهديدات، وقرارات العزل، وصولًا إلى تعطيل التحقيق بالكامل.


أصبحت العدالة رهينة الحصانات. حصانات نيابيّة، وزاريّة، طائفيّة، وأمنيّة. وتحوّلت المطالبة برفع هذه الحصانات إلى مطلب ثوري في بلد يُفترض أنه جمهوري. كل مسؤول اتُّهِم احتمى بطائفته أو بحزبه أو بموقعه الرسمي، وكأنّ الدولة ليست فوق الجميع بل مرؤوسة من الجميع.


الأخطر من ذلك، أن الأحزاب لم تكتفِ بحماية المتّهمين، بل أطلقت جيوشًا من الأتباع للدفاع عنهم على الشاشات وفي الشوارع، لتحويل المجرم إلى ضحيّة، والمطالِب بالحقيقة إلى "مشروع فتنة". صار القضاء موضع تشكيك ممنهَج، وتمّ ضرب هيبته وصدقيّته، فقط لأنّه اقترب من الخطوط الحمراء التي رسمها تحالف السلطة والسلاح والطائفة.


في بلد طبيعي، يُفترض أن تُزال كل الحمايات فورًا عن أيّ مسؤول تتعلّق به شبهات بارتكاب مجزرة بهذا الحجم. أما في لبنان، فالحصانة هي القاعدة، والمحاسبة هي الاستثناء، والمجرم ليس من فجّر المدينة بل من تجرّأ على المطالبة بكشفه.



صمود عائلات الضحايا: الحقيقة مقابل النسيان

في مواجهة كل هذا الإنكار، وقفت عائلات الضحايا كجدار من صلابة وكرامة. لم تُرهبها التهديدات، ولم تسكتها المساومات، ولم تُخدع بالوعود الفارغة. نزلت إلى الشارع، وناضلت أمام قصور العدل، وفي ساحات الأمم المتحدة، وعلى أبواب السفارات. حملت صور أحبّتها، وصرخت بالنيابة عن وطن فقد صوته.


هؤلاء هم الشهود الأحياء على الجريمة، وحملوا مسؤوليّة لا يجب أن يحملوها وحدهم. هم من أبقوا الملف حيًّا، وهم من كشفوا زيف الدولة وكذب السلطة. وفي كلّ مرّة يحاول فيها النظام السياسي دفن الحقيقة، ينبعث صوت أم أو أب أو شقيق ليذكّر الجميع بأنّ العدالة لا تموت بموت أبنائنا، بل تبدأ من موت الأكاذيب.



لا عدالة بلا مواجهة

في ذكرى 4 آب، لا نكتفي بالحزن، ولا نرضى بالرّثاء. ما نحتاجه هو الغضب المنظّم، والمواجهة الواعية، والإصرار على قلب الطاولة فوق رؤوس كلّ من يظنّ أنّ الدم يُمحى بالتقادم، وأنّ الجريمة تُنسى بالصمت.


العدالة ليست منّة من سلطة مشلولة، بل حقّ يُنتزع. ولا خلاص للبنان من دوّامة الانهيار إذا لم يُحاسَب من فجّر بيروت، ومن تستّر، ومن عرقل التحقيق، ومن حرّض على القضاة، ومن حوّل الدولة إلى خيمة مهترئة فوق مقبرة جماعيّة.


كلّ من يطالب اليوم بكشف الحقيقة يُدرك أنه يواجه منظومة تحتمي بالطائفيّة، وتتغذّى على اللامحاسبة. لكن لا خيار آخر. إمّا نواجه، أو نموت بصمت... مرّة بعد مرّة.