الياس دمّر

عندما تكون البطولة خيارًا صعبًا

رحلة إلى قلب العائلة الخارقة في "The Fantastic Four: First Steps"

6 دقائق للقراءة

على الرّغم من أنّ الفيلم يُفتَتَح مباشرةً في خضمّ الأحداث من دون إعادة تقديم القصة الأصل الكلاسيكيّة لفريق "The Fantastic Four"، إلّا أنّه يزرع منذ البداية إحساسًا بأنّ الأصل هذه المرَّة ليس الفيزياء الكونيّة، بل العلاقات. الفيلم لا يسرد كيف اكتسبوا قواهم، بل يسأل: ماذا نفعل بها؟ هذا توجّه سردي مختلف عن النّمط السّائد في أفلام الأبطال الخارقين، والتي كثيرًا ما تُركّز على المعارك أو الأحداث الكارثيّة الخارجيّة. التهديد المتمثّل في الكائن الفضائي Galactus ليس فقط خطرًا خارجيًا، بل يعكس صراعًا داخليًا. فما معنى أن تكون لديك قوّة خارقة في عالم لم يطلبها منك؟ أضف أنَّ التّهديد مرتبط مباشرةً بقرارٍ عائلي. هل تُنقَذ الأرض مقابل التّضحية بطفلٍ يحمل مُستقبلًا غامضًا وخطيرًا؟ هذا الخيار يكشف قلب الفيلم العاطفي والأخلاقي.



تدور أحداث فيلم "The Fantastic Four: First Steps" في عالمٍ بديل يحمل التّعريف الرّمزي "Earth-828"، حيث تُستوحى أجواؤه الكلاسيكيّة من السّتينات، لكن مُعدَّلة كي تبدو مستقبليّة. تصاميمه البصريّة جذّابة وتُحاكي فلسفة عصر الـ "Space Age"، وما رافقه من تأثيراتٍ ثقافيّة في سباق غزو الفضاء. ومنذ المشهد الأوَّل، نُلاحظ التميّز الدقيق في خصوصيّة العلاقات العائليّة التي يؤسّس لها الفيلم، إلى أن يُهدَّد هذا التّوازن حين يواجه فريق "The Fantastic Four" تهديدًا كونيًا بظهور شخصيّة Silver Surfer (المُمثّلة Julia Garner) التّي تُنذرهم بقدوم Galactus (المُمثّل Ralph Ineson). وفي خطابها الوجيز تُبلغهم بأنَّ نهاية العالم باتت وشيكة!


من هنا يُركّز الفيلم على مفهوم العائلة كحلّ أخلاقيّ ودراميّ، مع العلم أنَّ "العائلة الخارقة" ليست بمفهوم جديد، فقد سبق أن تناولته أفلام مثل "The Incredibles"، لكن هنا نجد المعالجة تنحرف باتّجاه التأمُّل في الوظيفة المجتمعيّة للأسرة ككيانٍ أخلاقي. و Reed Richards ليس القائد فقط، بل مَن يطرح فكرة الولاء لما بعد المنطق. أما Sue Storm فتظهر كقوّة صامتة لكن حاسمة، في لحظات يذوب فيها العِلم أمام حدس الأمومة. بينما يشكّل Johnny Storm و Ben Grimm جناحَي التوتّر الوجودي، الطّموح الشّخصي مقابل الثبات الهوياتي. العائلة هنا ليست فقط فريقًا، بل هي نموذج صامد في وجه التوحّش الكوني المُستحضَر في Galactus، الذي يسعى للابتلاع من دون تفاوض، ومن دون اعتبار لأي شكل من أشكال الانتماء.


ماذا لو رفض الكون أن يعترف بوجودك؟

في هذا الفيلم، Galactus ليس فقط تجسيدًا لقوّة عُظمى مُروّعة، بل هو انعكاس لمفهوم اللّامبالاة الكونيّة. إنّهُ لا يكره الأرض، بل لا يراها. لا يأبه بمشاعر أحد، ولا يخوض حوارًا. وإذا كانت أفلام الأبطال الخارقين عادةً ما تضع الصّراع في قالب الخير ضدَّ الشر، إلّا أنَّ السّرديّة المُستحدثة بذكاء، تُعيد تعريف الشرّ في هذا الفيلم. والشرّ ليس نيّة عدائيّة، بل عدم الاكتراث بما يهمّنا. هذه الرؤية تضعنا في قلب أزمةٍ وجودية. هل يكفي أن نُبقي على حياتنا بالعلم والعزيمة، إذا كان الكون من حولنا لا يعترف حتّى بوجودنا؟ الردّ الوحيد المُمكن يأتي من الداخل، من الرّغبة في الاستمرار، في البقاء، وفي الاحتفاظ بفردٍ جديدٍ من العائلة رغم التّهديد.


المُخرج Matt Shakman دعّم هذه النظريّة بالبيئة البصريّة التي نَسَجَها، والتي تعود بنا على فكرة المُستقبل المُشرق كما كان يتخيّله النّاس في ستينات القرن الماضي. العمارة مستوحاة من أسلوب Googie الهندسي المُستقبلي الذي برز في الولايات المُتّحدة الأميركيّة، بين منتصف أربعينات وأوائل سبعينات القرن الماضي، حيث تتميّز بأشكالها الهندسيّة الجريئة وألوانها الزّاهية وإضاءة "النّيون" وتصميماتها المُستوحاة من عصر الفضاء. وغالبًا ما تعكس التّفاؤل والتقدُّم التّكنولوجي في حقبة ما بعد "الحرب العالميّة الثّانية". السيّارات تطير، لكنّ الملابس لا تزال تقليديّة الطراز. التّسجيل مُتاح، لكن على أشرطة "كاسيت" أو أقراص "فينيل" لامعة. المشهد بكل بساطة أنيق! إنّه مستقبل توقّف عند خيال ما قبل الإنترنت. هذه اللّمسة الجمالية تُوظَّف لتعزيز شعور الانفصال الزمني، فنحن لسنا في الحاضر لكن لسنا في المستقبل أيضًا، بل في خطّ زمني بديل يعكس ما كان يمكن أن يحدث لو سار العالم في مسارٍ مُختلف. هذا الاستخدام للبيئة ليس مجرّد خلفيّة، بل يُعبّر عن سؤال فلسفي دفين: ماذا لو كانت الإنسانيّة تقدّمت تقنيًا من دون أن تفقد إيمانها بالمبادئ؟


مدَّة العرض، هي لمرّةٍ نادرة أقل من ساعتَين (114 دقيقة)، في توجّهٍ مُغايرٍ للابتعاد عن التّطويل الذي ساد مُعظم أفلام القصص المُصوّرة في الآونة الأخيرة. الّا أنّه انعكس سلبًا في اختزال السّؤال الجوهري للفيلم: هل تتمّ التّضحية بالطّفل Franklin Richards؟ إذ يُفترض بهذا الصّراع أن يُشكّل العمود الفقري للفيلم، لكنّه يُطرح فجأة ليُحسم بسرعة، من دون أن يُمنح الثّقل الدّرامي أو العمق الفلسفي اللّازمَين، خاصّةً أنَّ مسألة التّضحية المذكورة تُذكّرنا برمزيّةٍ أسمى وأعمق، في قصّة ابراهيم وابنه اسحق من "العهد القديم".


كيمياء الفريق مُتماسكة

يُمكن التّأكيد أنَّ أحد أهم أسباب تماسك الفيلم هو الأداء التمثيلي. فـ Pedro Pascal لا يلعب دَور Reed Richards كـعبقريٍ بارد فقط، بل كأب قَلِق، ورجل مُثقل بالاختيارات الوجوديّة. من جهتها Vanessa Kirby تُضيف عمقًا صامتًا لشخصية Sue Storm التي لا يعتمد حضورها على الكلمات بل على الإيماءات العاطفيّة والمواقف. بينما يمنح Joseph Quinn من جهة أخرى Johnny Storm مسحة حسّية نادرة في هذه الشّخصية التي لطالما عُرِفت بالتهوّر فقط. ويقدّم Ebon Moss-Bachrach شخصيّة Ben Grimm كرمزٍ للثّبات والقوّة العاطفية، في شخصية صلبة الجسد، لكنّها حسّاسة القلب. هذه الطّاقات التمثيلية تمنح الفيلم قلبًا نابضًا، رغم الثّقل المفاهيمي.


إعادة تعريف مفاهيم البطولة

فيلم "The Fantastic Four: First Steps" ليس مجرَّد انطلاقة لفريقٍ خارقٍ جديد، بل بداية لأسلوبٍ سردي مختلف في "عالم Marvel". فيلم لا يُقدّم أصل القوّة بقدر ما يستنطق أصل المسؤولية. لا ينشغل بتحديد العدوّ بقدر ما ينشغل بتحديد ما الذي يستحق القتال من أجله. لا يرُكّز على الضّربات والانفجارات، بل على لحظة اختيار صامتة قد تُحدّد مصير الكون. في النهاية، إذا كانت Marvel تبحث عن بوصلة أخلاقيّة بعد تضخّم عالمها، فإن هذا الفيلم يُقترح كاتجاهٍ جديد، أكثر تواضعًا وإنسانية وخطرًا، لأنه ينقل حياة الأبطال الى مُجرَّد عائلة تأمل وتسعى إلى الانتماء من دون التّضحية بأحد أفرادها.


يبدو أنَّ استراتيجيّة Marvel أثمرت نجاحًا، بعد تفوّق الفيلم جماهيريًا للأسبوع الثّاني على التّوالي في صالات السّينما اللّبنانيّة والعالميّة.