تُحيي اليابان اليوم الذكرى الـ 80 لإلقاء أميركا قنبلة ذرية على هيروشيما خلال الحرب العالمية الثانية، والتي تلاها إلقاء قنبلة أخرى على ناغازاكي بعد ثلاثة أيام. يعتبر قصف هيروشيما المرّة الأولى التي استخدمت فيها الأسلحة النووية في الحرب، فيما يعتبر قصف ناغازاكي المرّة الأخيرة التي استخدمت فيها تلك الأسلحة في الحرب حتى الآن. ورغم مرور ثمانية عقود على هذا الحدث المرعب، لا يزال هناك نقاش بين المؤرّخين حول مدى أخلاقية القرار الذي اتخذه الرئيس الأميركي آنذاك هاري ترومان، وحول ما إذا كانت القنابل قد ساهمت في إنقاذ الأرواح من خلال تجنّب غزو بري. ومن المتوقع أن تنضمّ روسيا هذا العام إلى نحو 100 دولة مشاركة في مراسم إحياء الذكرى، في أوّل دعوة توجّه إليها منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، والتي تأتي في ظلّ "التوتر النووي" الأخير بين واشنطن وموسكو.
في السادس من آب عام 1945، أسقطت قاذفة قنابل أميركية من طراز "بي 29" معدّلة أُطلق عليها اسم "إينولا غاي" (نسبة إلى والدة الطيار، العقيد بول تيبيتس)، أوّل قنبلة ذرية مستخدمة في العالم، المعروفة باسم "ليتل بوي"، على مدينة هيروشيما اليابانية، وهي مركز صناعي يضمّ نحو 350000 نسمة وتقع على بُعد حوالى 500 ميل من طوكيو، ما أسفر عن مقتل ما يُقدّر بنحو 80000 شخص على الفور، بينما توفي عشرات الآلاف لاحقًا نتيجة التعرّض للإشعاع والحرائق.
وأسقطت القنبلة المصنوعة من "اليورانيوم 235" باستخدام مظلّة في تمام الساعة 8:15 صباحًا، وانفجرت على ارتفاع 2000 قدم فوق هيروشيما، بقوّة تعادل 12 إلى 15 كيلوطن من مادة "تي أن تي"، ما أدّى إلى تدمير مساحة خمسة أميال مربّعة من المدينة. وكان أوّل ما لاحظه الناس هو كرة نارية مكثفة، في حين وصلت درجات الحرارة بالقرب من مركز الانفجار إلى نحو 7000 درجة مئوية، ما أدّى إلى احتراق كلّ شيء ضمن دائرة قطرها نحو 3 كيلومترات، وكأنه "جحيم على الأرض". كما أسفر إعصار ناري استهلك كلّ الأوكسجين المتاح، عن حالات اختناق أدّت إلى المزيد من الوفيات. ويُقدّر أن أكثر من نصف الوفيات الفورية في هيروشيما ناتجة عن الحروق والحرائق.
لم يؤدِ الدمار الهائل في هيروشيما إلى استسلام فوري من جانب اليابان. وفي 9 آب، قاد الرائد تشارلز سويني قاذفة "بي 29" أخرى تُدعى "بوكسكار"، لكن بسبب الغيوم الكثيفة التي غطّت الهدف الأساسي، مدينة كوكورا، اضطرّ سويني إلى التوجّه نحو الهدف الثانوي، ناغازاكي، حيث أُسقطت قنبلة البلوتونيوم "فات مان" في تمام الساعة 11:02 صباحًا. وكان مركز الانفجار في أوراكامي، وهي منطقة مسيحية كانت تضمّ عددًا كبيرًا من السكان الكاثوليك. وأسفر الانفجار عن مقتل قرابة 40000 شخص. وبينما كانت القنبلة الملقاة على ناغازاكي أقوى من القنبلة التي أُسقطت على هيروشيما، إذ بلغ وزن قنبلة ناغازاكي حوالى 10000 رطل مقارنة بـ 9000 رطل لقنبلة هيروشيما، وصُمّمت لإحداث انفجار بقوة تعادل 22 كيلوطن من مادة "تي أن تي"، إلّا أن تضاريس ناغازاكي، الواقعة في وديان ضيّقة محاطة بالجبال، حدّت من تأثير الانفجار، فاقتصر الدمار على مساحة 2.6 ميل مربّع فقط.
وجّهت الضربتان النوويتان الضربة القاضية للإمبراطورية اليابانية، بحيث أعلن الإمبراطور الياباني هيروهيتو في خطاب إذاعي، استسلام بلاده غير المشروط في الحرب العالمية الثانية في 15 آب 1945، مشيرًا إلى القوّة التدميرية لـ "قنبلة جديدة وقاسية للغاية".
لم ينهِ إعلان هيروهيتو معاناة معظم الناجين من القنبلتين بطبيعة الحال، إذ ظهرت أعراض التسمّم الإشعاعي عليهم، وقد شملت: القيء، الصداع، الغثيان، الإسهال، النزيف وفقدان الشعر. وتوفي الكثيرون بسبب التسمّم الإشعاعي خلال أسابيع أو أشهر بعد إلقاء القنبلتين. الناجون، المعروفون باسم "هيباكوشا"، واجهوا أيضًا آثارًا طويلة الأمد، مثل زيادة مخاطر الإصابة بسرطان الغدة الدرقية وسرطان الدم (اللوكيميا)، وسُجّلت معدّلات مرتفعة للسرطان في كلّ من هيروشيما وناغازاكي. ومن بين 50000 ضحية إشعاعية دُرست من قِبل "مؤسّسة أبحاث تأثيرات الإشعاع" اليابانية - الأميركية، توفي حوالى 100 بسبب اللوكيميا، وأُصيب 850 بسرطانات ناتجة عن الإشعاع. ومع ذلك، لم تجد المؤسّسة دليلًا على "زيادة كبيرة" في التشوّهات الخلقية الخطرة بين أطفال الناجين، فيما عانى العديد من "هيباكوشا" من التمييز، خصوصًا في موضوع الزواج، نتيجة المخاوف والتحامل المرتبط بالتعرّض للإشعاع.
رغم معاناتهم، أصبح الناجون من أقوى الأصوات المناهضة للأسلحة النووية، وشاركوا في لقاءات مع قادة العالم للدعوة إلى نزع السلاح النووي، بينما فازت مجموعة "نيهون هيدانكيو"، وهي منظمة تمثل الناجين، بجائزة "نوبل للسلام" العام الماضي. وفي عام 2019، التقى البابا الراحل فرنسيس عددًا من "هيباكوشا" في هيروشيما وناغازاكي، وندّد بـ "الرعب الذي لا يوصف"، داعيًا إلى إلغاء الأسلحة النووية. وأصبح باراك أوباما عام 2016، أوّل رئيس أميركي في منصبه يزور هيروشيما، إلّا أنه لم يقدّم اعتذارًا عن الهجوم، لكنه عانق الناجين، ودعا إلى عالم خالٍ من السلاح النووي.