في خطوة غير مسبوقة، أعلن رئيس الجمهورية اللبنانية جوزاف عون عن قرار إبدال اسم "جادة حافظ الأسد" بـ"جادة زياد الرحباني"، في مدخل بيروت. قد يبدو القرار مجرّد تغيير اسمي في دفتر بلدي، لكنه في الحقيقة أعمق من ذلك بكثير، فهو يمسّ ذاكرة المدينة، ويعكس تحوّلات في المزاج السياسي والثقافي، بل وربما بدايةً لمرحلة جديدة من إعادة تعريف الهوية اللبنانية.
لطالما كانت أسماء الشوارع والساحات مرآة تعكس موازين القوى، والتوجهات السياسية في لبنان. تسمية شارع باسم حافظ الأسد، في مرحلة ما بعد الحرب الأهلية، لم تكن خياراً عابراً، بل كانت رسالة واضحة عن طبيعة العلاقة اللبنانية السورية، وعن النفوذ الذي فرض نفسه على القرار اللبناني منذ الطائف وحتى الانسحاب السوري في 2005. كان ذلك الاسم جزءًا من مشهد رمزي يُبقي الذاكرة خاضعة لإرث الوصاية السورية، ومكرّسًا لمبدأ “الوفاء” للهيمنة لا للشراكة.
اليوم، يأتي هذا القرار ليقطع مع تلك الحقبة، ولو رمزياً. فحافظ الأسد، بوصفه مهندس احتلال سياسي وعسكري للبنان، لا يليق باسمه أن يبقى مخلَّدًا في مدخل العاصمة التي قاومت، وانتفضت، ودفعت ثمنًا غاليًا من استقلالها. إبدال اسمه باسم زياد الرحباني ليس مجرد إزاحة "نظام"، بل استعادة "صوت".
زياد الرحباني ليس فقط موسيقيًا ومسرحيًا عبقريًا، بل هو حالة ثقافية لبنانية بامتياز. يمثل جيلًا طرح الأسئلة الكبرى على الهوية والانتماء، وقاوم القمع بالسخرية، وعرّى السلطة بالنكتة، وانتصر للمهمّشين بلغة الناس. في مسرحياته وأغانيه، تنبض بيروت الحقيقية: بشوارعها، وفقرائها، وأحلامها المنكسرة، وحنينها الدائم إلى وطن لم يولد بعد.
الرمزية هنا مضاعفة. فبدلًا من أن تخلّد العاصمة أسماء الديكتاتوريات، صارت تُكرّم من عبّروا عنها بصدق ووجع، ولو من خارج السلطة. إنه انتقال من تمجيد القمع إلى الاحتفاء بالفن، من تماثيل الطغاة إلى أصوات الناس، من "الرعب" إلى "الفرح". وكأن العاصمة تستعيد جزءًا من كرامتها، وتحاول أن تكتب تاريخها بأسماء تشبهها، لا بأسماء فُرضت عليها.
قد يعترض البعض، ويقول إن زياد شخصية مثيرة للجدل، أو أن القرار ليس أولوية في بلد ينهار. لكن الحقيقة أن المعركة على الذاكرة والرمز لا تقلّ أهمية عن المعارك السياسية والاقتصادية. فلبنان لا ينهض فقط بالخدمات والبنى التحتية، بل أيضًا بإعادة الاعتبار لرموزه الثقافية، وتحرير فضائه العام من أسماء لا تمثّله، بل تذكره بالهيمنة والانكسار.
إن تغيير اسم الجادة ليس نهاية، بل بداية. بداية مراجعة شاملة لذاكرة المدينة: من يجب أن يُكرَّم؟ ومن يجب أن يُزال؟ هل تستحق شوارعنا أن تُسمّى باسم من قتلوها؟ أم من أحبّوها رغم عيوبها؟ في زمن تتصارع فيه السرديات على الوطن، قد يكون في هذا القرار محاولة لرسم ملامح لبنان الذي نريد: حراً، فنّاناً، ناقداً، ولا يخاف من قول الحقيقة.
بيروت ليست مدينة محايدة. أسماء شوارعها تقول الكثير. واليوم، قالت شيئًا جديدًا.