جورج الأسد

شيطنة الجدول الزمني

4 دقائق للقراءة

في جلسة منذ أسبوعين مع صديق معروف في الأوساط العليا للبلاد وخارجها، تطرّقنا إلى "حديث البلد" آنذاك عن السبب غير المفهوم عموماً الذي دفع بالحُكم الجديد في لبنان إلى فرملة اندفاعه في تحقيق عهد خطاب القسم و تعهّد البيان الوزاري بحصر السلاح بيد الدولة.



خلُصنا إلى أن الموضوع مرتبط بطريقة عضوية بالمفاوضات الجارية بين الولايات المتحدة وايران، وأن كل الأخذ والرد المحلي ما هو الا كلام للاستهلاك المحلي لا يُقصَد به سوى ذر الرماد في العيون كافةً.



والحمد لله أننا ما لبثنا أن "عشنا وشفنا" استشراس ايران في تحميس القوى التابعة لها في لبنان ضد تحديد جدول زمني لتسليم السلاح إلى الدولة اللبنانية، بشكل خفي قبل جلسة مجلس الوزراء في 5 آب وخلالها، وبعدها علانية، وذلك لهدف أوحد ألا وهو التمسّك بورقة لبنان لتعزيز موقفها في "البازار الفارسي" الجاري مع الولايات المتحدة. وما ثبت جلياً هو أنه لم يرّف لايران جفن في فعل ذاك خدمةً لمصالحها ولو على حساب سيادة لبنان ومؤسساته الدستورية و تركيبته التعدّدية المعقُدة.


ولقد شكّل قرار مجلس الوزراء الذي قضى بتكليف الجيش اللبناني بتحضير الجدول الزمني المذكور لعرضه لموافقة المجلس على أن ينتهي استلام السلاح قبل نهاية العام الحالي، انتزاعاً لا لبس فيه للورقة اللبنانية من يد ايران، هي التي تعتمد ايضاً في أسلوب تفاوضها على "مطُ" الوقت واستغلال ذلك لإحداث تغييرات في موازين القوى على الأرض لصالحها خلال فترة التمديد.



في مقابل إستراتيجية الوقت "الممطوط" هذه فإن أميركا ترامب تمارس استراتيجية الوقت المضغوط، إذ أنه من الواضح، لا بل المُعلَن من قِبَلِها، انها تُفسِح وقتاً محدوداً للتفاوض، ما يشكّل في الواقع احدى أدوات الضغط التي تستعملها للوصول إلى النتائج التي تهدف الى انجازها.



قد تكون للإيراني، كما يشاع عنه غالباً، صفة صبر واناة حائك السجاد، انما مفاوضه الأميركي الحالي لديه عقلية المطوّر العقاري الذي يتوخّى سرعة تحديد فرصة الاستثمار، وبعدها سرعة التخطيط والتنفيذ وتحقيق مصالحه وأرباحه.



اذا كان المفاوض الايراني، المشهود له أيضاً بالذكاء وسعة الحيلة، يعتقد أن بإمكانه "أخذ راحته" للوصول إلى اتفاق اقليمي (وأبعد) مع الولايات المتحدة مثلما سمحت له إدارة أوباما بذلك إبان مفاوضات الاتفاق النووي الشهير لعام 2015، فإن هذا ما سيكون "خطيئة مميتة" (وليس قرار مجلس الوزراء اللبناني)، إذ أن أميركا قد أقامت نفسها فقط لا غير في موقع ضابط الإيقاع للمفاوضات والمتحكّم بفترة إنجاز "الصفقة الترامبية" مع إيران. نعم، قد تسمح أميركا بهامش معقول من المرونة الزمنية، إنما سيناريو العشرين شهراً الذي استغرقه الاتفاق النووي، والذي تخلّله تمديدين، قطعاً لن يتكرّر مع الإدارة الأميركية الحالية نظراً لأسلوبها في البتّ بالأمور بسرعة وحسب ما يتناسب مع أجندتها الزمنية الخالصة.


وعليه، فإن شيطنة الجدول الزمني، اضافة الى ملء الفضاء الاعلامي بالمواقف العالية السقف والتصريحات العالية النبرة، والتي ستزداد في أعقاب مقرُرات مجلس الوزراء ليوم 7 آب، ليس بالأسلوب المُرَشّح لأن يؤتي ثماره. والبديل الممكن والفعّال سيكون بمصارحة القواعد الشعبيّة المَعنيُة بحقائق الأوضاع وبالدخول الحبُي في كنف الدولة. في المحصّلة النهائية، هذا ما سيُسمن ويُغني عن جوع و يعجّل بالإنطلاق الى اعادة الاعمار.



باختصار، حرام اضاعة الوقت الثمين وتقديم فئة عزيزة من شعبنا قرباناً على مذبح مصالح غيرنا، فلنعتبر من تجاربنا ومآسينا. إن الشعبوية وشيطنة الشركاء في الوطن، إضافة الى أركان الدولة الذين يستحقّون أن يُعطوا الفرصة لتثبيت البلد على سكّة الخلاص، ليست بالوصفة الناجعة للحدّ من عذاب الشعب المكلوم من نتائج حرب 2024 المدمّرة، إذ يُخشى أن تقود بالعكس إلى إدامة آلامه وعدم التئام جراح الوطن المفتوحة منذ عقود، وهذا ما لا نتمنّاه.


صاحب رأي سيادي مستقل