ماري منصف

بين الجمال والثقافة والرسالة

"Mr Lebanon 2025" نحو إبراز العقل قبل العضل

5 دقائق للقراءة

في زمنٍ تعيد فيه المجتمعات النظر بمفاهيم الجمال والنجاح وأدوار الرجال والنساء، لم تعد مسابقة "Mr Lebanon" مجرّد تظاهرة استعراضيّة، بل تحوّلت إلى منصّة معبّرة عن التحوّلات المجتمعيّة وعن النظرة إلى صورة الرجل اللبناني المثقّف والطموح والملتزم، وصاحب الرسالة في محيطه. عام 2025 شكّل محطّة مفصليّة في تاريخ المسابقة الجماليّة من حيث الضخامة ومستوى التنظيم والمتابعة الإعلاميّة، حيث نقلت قناة "mtv" الحدث إلى مشاهديها بأعلى معايير الجودة.

بعزيمةٍ وإرادةٍ صلبة، قرّر الشاب سعد الدّين حنينة أن يخطّ مسيرته في عالم الجمال، واضعًا نصب عينَيه هدفَين كبيرَين: التفوّق الأكاديمي في اختصاص الهندسة، والفوز بلقب "ملك جمال لبنان" للعام 2025.

"أنا شخصٌ يعمل بِجدّ في حياته"، يقول حنينة لـ "نداء الوطن"، "وعندما حدّدت أولويّاتي في مطلع هذا العام، كنت مدركًا أنّني أضع نفسي أمام تحدّ كبير. فالفوز بلقب "Mr Lebanon" لا يعتمد على الشكل، بل يتطلّب جهدًا وتمرينًا وتحضيرًا ذهنيًا وجسديًا، إضافةً إلى ثقافة واسعة. وفي الوقت ذاته، اختصاصي الجامعي في مجال الهندسة يتطلّب وقتًا وتركيزًا كبيرَين".


الشهادة هويّة واللقب مسؤولية

وعلى الرَّغم من الصعوبات، تمكّن سعد الدين حنينة من تحقيق التوازن. فهو نهارًا طالب هندسة، وليلاً رياضي ملتزم، وفي الحالَين شخصٌ يحمل رؤية واضحة لمستقبله. لم يعتبر يومًا أنّ النجاح قد يأتي صدفة، بل هو ثمرة تخطيط دقيق وتعب متواصل، وإصرار لا ينكسر.


ولعلّ الأهمّ من كلّ ذلك، الرسالة التي يسعى حنينة لإيصالها إلى أبناء جيله، إذ يقول: "في عصر مواقع التواصل الاجتماعي، بات كثيرون يرَون أنّ الدراسة الجامعية ليست ضرورية، وأنّ النجاح قد يأتي عبر مشروعٍ تجاري أو عملٍ عبر الإنترنت. لكنني أومن أنّ الشهادة العلميّة لا بدّ منها، فهي التي تصنع الفرق وتضعنا على الطريق الصحيح". 


حنينة يتابع شارحًا: "الشهادة ليست مجرّد ورقة، إنها هوية. فالإنسان المتعلّم والمثقّف هو وحده القادر على العطاء الحقيقي والتطوّر الفعليّ، والدخول إلى مجتمعه من باب العزيمة والمسؤولية. قد ينجح الإنسان في مجالاتٍ عدّة، لكن إذا لم يكن مسلّحًا بالعِلم، سيصل في مرحلةٍ ما إلى قناعةٍ بأنّ الطريق كان ينقصه شيء".


وعن فوزه باللّقب الجماليّ قبل أيام، يقول حنينة: "الجميع يعلم أنّ اللقب يفتح أبوابًا ويوفّر فرصًا، لكنّني لا أبحث فقط عن الفرص، بل عن المسؤولية والرسالة. عندما شاركتُ في المسابقة، لم أكن أفكّر بكلّ هذه الأبعاد، إنما بعد الفوز أدركت حجم الدَّور. اليوم، "ملك جمال لبنان" لا يمثّل نفسه فحسب، بل يمثّل بلده". ويختم قائلًا: "اللقب بالنسبة إليّ، امتحان جديد. وإذا استطعت أن أكون على قدر هذه المسؤولية، وأن أعمل بجدّ كما فعلت في دراستي، أكون حينها قد استحققت لقبًا ليس فقط من خلال المظهر، بل بالمضمون أيضًا".


بذلك يحاول سعد الدين حنينة تقديم صورة جديدة عن "ملك جمال لبنان"، كشاب مثقّف وملتزم لا يرى في اللّقب مجرّد إنجازٍ شخصي، بل منصّة للعب دورٍ وطنيّ وأخلاقيّ وتثقيفيّ.


كواليس ما قبل التتويج

تحضيرات المسابقة امتدّت لأكثر من 16 شهرًا. وبحسب رئيس "لجنة مسابقة ملك جمال لبنان" نضال بشرّاوي، فقد واجهت سلسلة من التحديات الصعبة أبرزها الظروف الأمنيّة والحرب خلال الفترة الماضية، حيث توقّفت التمارين أكثر من مرة ثمّ استعيدت، ما تطلّب جهدًا مضاعفًا في إعادة تشكيل الفريق والحفاظ على مستوى المشاركين. ويتابع بشرّاوي: "لكن رغم الصعوبات، خُتمت مرحلة التحضير بـ 17 مشتركًا تتراوح أعمارهم بين 19 و28 عامًا، جاؤوا من مناطق وخلفيّات مختلفة وجمعهم الطموح والانضباط والسعي للتميّز". ويضيف لـ "نداء الوطن": "لم يكن هدفنا تجميل الصورة فحسب، بل إظهار شخصيّة كلّ شاب واختبار مدى تحمّله للمسؤولية".


شباب أكثر ووعي أعمق

هذا العام، سُجّل إقبال غير مسبوق على المشاركة في "Mr Lebanon" يقول بشراوي، وهو ما وصفه المنظّمون بأنه "النسخة الأقوى على الإطلاق". لكنّ الملفت لم يكن عدد المتقدّمين إلى المسابقة فحسب، بل نوعيّة المتقدّمين: شباب جامعيّون، رياديّون، مثقّفون، يسعون لإثبات أنفسهم في مجتمع سريع التغيّر. فقد تطوّرت نظرة المجتمع للمسابقة وبدأت تتلاشى الأحكام المسبقة. وعلى الرغم من استمرار بعض الأصوات المنتقدة خصوصًا عبر وسائل التواصل، إلا أنّ الغالبية باتت ترى فيها فرصة للتمكين، لا مجرّد عرض بصري.


بعكس ما يُشاع، لا تقوم المسابقة على الجمال الخارجي فقط. فلجنة التنظيم تضع شروطًا واضحة، كأن يكون المشترك طالبًا جامعيًا أو حامل شهادة عليا، وأن يمتلك شخصية قوية وقدرة على التعبير، وموقفًا ناضجًا من قضايا مجتمعه. كذلك خضع المشتركون لتمارين فكرية ونقاشات في قضايا اجتماعية، من التنمّر إلى الصحة النفسيّة، ما عكس التوجّه نحو إبراز العقل قبل العضل.


جهود لإيصال الرسالة

في كواليس الحفل، كشفت المنتجة المنفّذة كارلا عاد لـ "نداء الوطن" عن الجهود التقنيّة والإخراجية التي تطلّبها إعداد نسخة هذا العام من "Mr Lebanon"، بدءًا من الإضاءة والمؤثّرات، وصولًا إلى التصوير والإخراج الفني. لكنّ الأهم بنظرها كان الرسالة. "لم نرغب في تقديم عرض مزيّن ينتهي بانتهاء الحفل، بل ركّزنا على الإنسان بشخصيّته ومواقفه. سعينا لأن يظهر كل مشترك على طبيعته، من دون نصوص معدّة أو تمثيل مصطنع. ذلك كان التحدّي الحقيقي" بحسب عاد، التي شدّدت أيضًا على أهميّة استمرار الدعم المجتمعي للمسابقة كي تترسّخ كمشروع ثقافي لا يقلّ أهمية عن أيّ إنتاج تلفزيوني أو مسرحي آخر.


انتهى إذًا حفل "Mr Lebanon 2025"، لكنّ رسالته بدأت للتوّ. إذ قدّمت نسخة هذا العام من المسابقة الجماليّة صورة متكاملة للرجل المعاصر: وسيم، لكن أيضًا مثقف وناضج وفاعل في محيطه. ومن قلب بيروت، وعبر شاشة "mtv" وصلت هذه الرسالة إلى كل بيت: "الجمال لا ينفصل عن العمق، والنجاح الحقيقي يبدأ من الداخل".