في لحظة نادرة، سقط أعتى المحرمات السياسية في لبنان. لم يعد السلاح خارج الدولة قدرًا أبديًا أو ورقة مؤجلة؛ القرار اتُّخذ، والإيقاع حُدّد، والزمن بدأ يعدّ تنازليًا نحو احتكار القوة بيد الدولة. هذه الخطوة لم تولد من فراغ، بل من قلب مشهد إقليمي انقلب رأسًا على عقب، حيث فتحت الضغوط على إيران والتوازنات الجديدة نافذة تاريخية لاختبار قدرة بيروت على ترجمة اللحظة إلى مسار سيادي كامل.
التحول الإقليمي بدأ في يونيو/حزيران حين وجّهت إسرائيل ضربة واسعة إلى العمق النووي والعسكري الإيراني، تبعتها في 31 تموز أكبر حزمة عقوبات أميركية منذ 2018، ما أضعف قدرة طهران على حماية أوراقها الإقليمية وحوّل سلاح حزب الله من أداة ردع إلى عبء استراتيجي. هذا الانكماش في هامش المناورة لم يترك للحزب الغطاء نفسه الذي امتلكه لسنوات، وخلق فراغًا يمكن للدولة ملؤه.
هنا تحركت الحكومة من موقع الحياد السلبي إلى الفعل المباشر، مستفيدة من لحظة توازن نادرة. جرى هندسة غطاء خارجي محكم: ورقة متكاملة برعاية أميركية، بقبول إسرائيلي ضمني، ودعم عربي مفتوح، وإسناد أوروبي–أممي لتثبيت الشرعية. الهدف واضح: خطة بيد الجيش، مهمتها حصر السلاح قبل نهاية العام.
هذا التلاقي بين قوى متنافسة تاريخيًا منح القرار قوة مضاعفة، لأنه لم يعد رهن الإرادة اللبنانية وحدها، بل جزء من شبكة مصالح خارجية لن تسمح بفشله بسهولة. في المقابل، وجدت طهران أن كلفة الاحتفاظ بسلاح الحزب لم تعد مبررة، فسمحت له بهامش تكتيكي لإبطاء الإيقاع دون مواجهة شاملة. الحزب بدوره أدرك أن أي اشتباك مع الجيش سيمنحه غطاءً دوليًا لاستهدافه، فاختار خطابًا تعبويًا ومعارضة سياسية حادة، مع تجنب تجاوز الخطوط الحمراء. انسحاب الوزراء الشيعة من الجلسات كان خطوة رمزية لامتصاص الصدمة لا لتعطيل المسار.
قوة القرار ترسخت بربط المسار السيادي بالشرط الاقتصادي؛ فالتقدم في احتكار السلاح أصبح بوابة إلزامية للتمويل ومشاريع الإعمار والإصلاح، وهي أوراق لا تستطيع إيران تعويضها. بذلك تحوّل الاحتفاظ بالسلاح إلى عبء حتى على بيئته الحاضنة، وفتح الباب لإعادة صياغة التوازن الداخلي على أسس سيادية.
ورغم صلابة المسار، تبقى المخاطر قائمة: أي تصعيد ميداني، تدخل إقليمي مضاد، أو تعثر في التمويل الدولي قد يربك الإيقاع ويمنح الحزب فرصة لإعادة فتح الملف. لكن المعادلة الحالية قائمة على ردع منخفض التصعيد: إسرائيل تخفف الضغط طالما يتراجع التهديد، الدولة تمضي في التنفيذ، والحزب يتجنب كسر الخطوط الحمراء.
نجاح الدولة في تثبيت الإيقاع، حماية الوحدة الداخلية، وتوظيف المشروطية الاقتصادية كسلاح سياسي، قد يجعل من احتكار السلاح بيدها واقعًا راسخًا للمرة الأولى منذ عقود. الفشل سيعيد لبنان إلى نقطة الصفر ويغلق نافذة تاريخية نادرة. والخيار بات أوضح من أي وقت مضى: إمّا الدولة… أو الفوضى.