في عالم السياسة كما في تفاصيل الحياة اليومية، تكمن المعادلات الكبرى في التفاصيل الصغيرة. الأصوات، الروائح، العادات، وحتى الإيقاع الزمني للمكان، ليست مجرد مظاهر جانبية، بل هي عناصر مكوّنة للهوية، ومؤشرات على قدرة المجتمع على التعايش ضمن إطار واحد يحترم التعدد. وفي حين اعتدنا أن نربط مفهوم "السيادة" بالحدود الجغرافية والقرارات الوطنية الكبرى، إلا أن جوهر السيادة يبدأ من أبسط مستوياتها: من قدرة أي مجتمع محلي على حماية خصوصياته من التذويب أو الطمس.
لن أدخل في السجال القائم هذا الأسبوع حول قضية نزع السلاح وما أفرزته النقاشات في مجلس الوزراء، فالأفكار والسيناريوهات المطروحة باتت واضحة ومكرّرة. فالعبرة في التنفيذ. وما يهمني اليوم هو التوقف عند مفهوم أوسع وأعمق: أن نعيش يومًا ما في بلد يسوده الهدوء، بعيدًا عن التجاذبات والصراعات، حيث تُحترم الخصوصيات، ويُحتكم إلى القانون، وتُصان السيادة، سواء على مستوى الدولة ككل أو على مستوى أصغر القرى.
الديك الذي أصبح قضية رأي عام
في قرية فرنسية صغيرة على جزيرة أوليرون (Île d’Oléron)، تحوّل ديك يُدعى "موريس" الى رمز وطني لحرية العيش وفق خصوصيات المكان. بدأت القصة عام 2017 عندما تقدّم زوجان متقاعدان من الوافدين الجدد بشكوى قضائية ضد صاحبة الديك، بحجة أن صياحه في الصباح الباكر يُخلّ بالراحة ويشكّل "إزعاجاً سمعياً". القضية شغلت الإعلام الفرنسي، وأثارت انقساماً بين من اعتبر الصوت جزءاً من "التلوث الضوضائي" ومن رآه مكوّناً أصيلاً من هوية القرية الريفية.
في أيلول 2019، أصدرت المحكمة في مدينة روشفور (Rochefort) قرارها الشهير برفض الدعوى، مؤكدة أن صياح الديك يدخل ضمن التراث الريفي غير المادي الواجب حمايته. هذا الحكم لم يكن نهاية القصة، إذ أدّى الجدل الواسع إلى دفع البرلمان الفرنسي في 2021 لإقرار قانون جديد لحماية "التراث الحسي" للمناطق الريفية، شاملاً أصوات الحيوانات وروائح الحقول وكل ما يشكّل هوية المكان.
من القرية الفرنسية إلى القرى اللبنانية
لبنان، بما فيه من تنوع ثقافي وديني وجغرافي، يشبه في كثير من جوانبه تلك القرية الفرنسية، لكن على نطاق أوسع وأكثر تعقيداً. لكل قرية في لبنان خصوصياتها التي يجب احترامها وصونها. ففي بلدة مثل تحوم في قضاء البترون، تتداخل عناصر الهوية المحلية من طبيعة، وبيئة، وعادات اجتماعية. وهنا، يمكن أن تكون هذه الهوية مزيجاً من صوت أمواج الشاطئ، وأجراس الكنائس، وصوت الريح في البساتين.
لهذا، فإن الإطار القانوني الذي أقرّته فرنسا بعد قضية "موريس" يقدّم درساً عملياً: كل من يرغب في شراء أو استئجار أو السكن في قرية ما، يجب أن يطّلع مسبقاً على ميزاتها وخصائصها، ويوافق كتابياً على الالتزام بها. فمن غير المقبول أن يشتري أحدهم منزلاً قرب بركة مليئة بالضفادع، ثم يشتكي لاحقاً من نقيقها؛ أو أن يعيش في محيط ريفي ثم يعتبر نباح الكلاب أو أصوات الأجراس تعدياً على "الهدوء".
قد تبدو القصة طريفة، لكنها تسلّط الضوء على مسألة عميقة: هل يجب أن نخضع كل الناس لنمط واحد من الحياة؟ وهل يجوز أن نعتبر اختلاف الآخر إزعاجًا فقط لأنه لا يُشبهنا؟
هذه ليست تفاصيل ثانوية، بل هي الذاكرة الحيّة لجماعات تشكّل هذا البلد منذ قرون.
لكن الواقع اليوم يطرح تحديًا مقلقًا: تتزايد الدعوات، أحيانًا باسم "الحداثة" أو "الدولة المدنية"، لإلغاء الفروقات، وتوحيد الأنماط، وفرض ثقافة واحدة مسيطرة.
من المحلي إلى الوطني
إن مبدأ السيادة، كما يوضح الفيلسوف السياسي ألان باديو، لا يقتصر على مجرد سلطة الدولة بل هو "توازن دقيق بين قدرة الدولة على فرض القانون واحترام التعددية الثقافية والاجتماعية داخل حدودها"(Badiou,2010). هذا التوازن هو ما يجعل الدولة قادرة على الصمود وتحقيق العدالة لجميع مواطنيها، دون أن يتحول التنوع إلى عامل تفكك أو صراع.
كما تؤكد دراسة ستيفن هوفمان "Local Identities and National Sovereignty" على أن احترام الهويات المحلية لا يقل أهمية عن حماية سيادة الدولة، ويقول فيها: "الدولة التي تغفل خصوصيات مجتمعاتها الصغيرة تخاطر بأن تفقد الشرعية الوطنية التي تبني عليها سلطتها (Hoffman, 2015) ".
فكما لا يمكن فرض نمط حياة موحد على جميع القرى دون إلغاء هويتها، لا يمكن لدولة أن تتنازل عن قرارها السيادي أو تسمح بتعدد المرجعيات الأمنية والسياسية على أرضها دون أن تفقد تماسكها. السيادة هنا ليست شعاراً بل عقداً اجتماعياً وقانونياً يضمن المساواة بين جميع المواطنين، ويحمي التنوع دون أن يسمح بتحويله إلى أداة نزاع.
الخلاصة: الخصوصيات الصغيرة وسيادة الدولة الكبرى
السيادة لا تُنتزع دفعة واحدة من يد الدولة، بل تبدأ بالتآكل التدريجي حين نتساهل في حماية التفاصيل التي تشكّل نسيج الهوية. فإذا قبلنا بأن تُطمس أصوات القرى وروائحها وعاداتها، فسوف نقبل لاحقاً، من دون أن نشعر، بأن تُهمَّش قرارات الدولة وتُختزل سلطتها. إن من لا يدافع عن حق القرية في الإحتفاظ بصوت ديكها، لن يستطيع لاحقاً أن يدافع عن حق الوطن في الاحتفاظ بصوت سيادته.
والتاريخ السياسي يثبت أن انهيار الهويات المحلية يسبق غالباً انهيار الهوية الوطنية. لذلك، فإن المعركة من أجل حماية خصوصيّة أي بلدة لبنانية ليست معركة فولكلور أو عاطفة، بل هي معركة وجود، تماماً كما أن معركة الدولة من أجل احتكار قرارها الأمني والسياسي هي معركة بقاء. وبين هاتين الساحتين، الصغرى والكبرى، يتقرر مصير لبنان: إما وطن يحترم تنوعه ويحمي سيادته، أو مساحة تتنازعها القوى وتذوب فيها الخصوصيات حتى تختفي.