ميشال معيكي

الشاعر يوسف الخال: أقنع نفسه يوميًّا بالموت وبحثَ عن أمل بالمستقبل

6 دقائق للقراءة
يوسف الخال مع مجموعة من أسرة مجلّة "شعر"


سنوات على رحيل الشاعر يوسف الخال، وأكثر من نصف قرن على صدور العدد الأول من مجلة "شعر" التي أطلقها من بيروت شاعر "البئر المهجورة"، مع الشعراء: أدونيس، أنسي الحاج، محمد الماغوط، فؤاد رفقة، شوقي أبو شقرا، عصام محفوظ وسواهم. وكان الهاجس والطموح، تأسيس روح شعرية حداثية تساهم في بناء نهضة فكريّة عربيّة جديدة.


ولم يكن سرًّا حال التناغم مع روح الغرب، توخّيًا لِنَصّ شعري إنساني كوكبي، خارج من التشرنق المحلي، عابر للجغرافيات، وصولًا إلى عالميّةٍ إنسانيّة ما، عبر الحواجز الثقافية والبيئات اللغوية وسائر المحظورات... فكانت ولادة القصيدة الحديثة بما لها وما عليها...


مجلّة شعر

نقرأ في "مانيفستو" يوسف الخال، العدد الأول من "شعر": "الدعوة الملحّة إلى إبداع أشكال جديدة، مستمدّة من عبقريّة اللّغة العربيّة، ومستفيدة إلى أقصى حد، من تجارب العالم المتحضّر، دونما حاجة لأيّ صراع مع القديم، لأنّ الحياة بدأت تتجدّد فينا وتجدّدنا...".

تعمّد يوسف الخال أن تكون مجلة "شعر" منبرًا عربيًّا، احتضنت صفحاتها أعمالًا لعشرات الشعراء العرب - الروّاد. ففي العدد الأول قرأنا قصيدة "حكاية" للشاعر العراقي سعدي يوسف، وقصيدة "خصام" للشاعرة نازك الملائكة، وقصائد لبدر شاكر السيّاب وبلند الحيدري وفدوى طوقان وسواهم.


وعلى رغم الدعوة إلى الحداثة في الشكل واللغة، لم تنقطع "شعر" تمامًا عن التراث الشعري العربي، وخصوصًا في أعدادها الأولى. واهتمت مجلة "شعر" بالأدب العالمي، فرفدت ترجمات من ينابيع الشعر العالمي (فرنسا - إسبانيا - روسيا - إنكلترا - ألمانيا - إيران...)، كموقف شمولي إنساني والتزام فكري بتناغم تجارب شعراء الأرض.


مجلة "شعر" كانت محاولة جريئة رائدة، جادة وعميقة، لعصرنة الفكر العربي وتحديث الشِّعر وكسر النمطية والشكلانيّة، وصولًا إلى آفاق وأمداء أخرى، ويبقى التاريخ فيصلاً.


سيرة

ولد يوسف الخال ليلة الميلاد سنة 1917، في "عمار الحصن" إحدى قرى وادي النصارى (سوريا)، المحيط بالقلعة التي بناها الصليبيون، وصارت تعرف بـ "حصن الأكراد". والده القسّ البروتستانتي عبدالله الخال. ثم نزحت العائلة إلى طرابلس (لبنان) حيث تعلّم في "المدرسة الأميركيّة للصبيان"، وأنهى المرحلتَين الابتدائية والثانوية... ومن "الكلّية الأميركية في حلب"، إلى "الجامعة الأميركية في بيروت"، حيث درس الفلسفة على المفكّر شارل مالك.


تسلّم رئاسة تحرير "صوت المرأة" سنة 1947، من الصحافي الأديب رشدي المعلوف وسلّمها بعد عام إلى الأديب والشاعر فؤاد سليمان، صاحب "درب القمر".


استقرّ في نيويورك (الولايات المتحدة الأميركيّة) ضمن "البعثة اللبنانية إلى الأمم المتحدة" برئاسة الدكتور شارل مالك. وفي أميركا كانت له علاقات متينة مع أدباء وكتّاب وشعراء أميركيين، حيث اطّلع بعمق على التجربة الأدبية من خلال مجلة "Poetry" والشاعرَين عزرا باوند وماكليش وسواهما... ويروي الكاتب يوسف سلامة أحداثًا طريفة عن تلك الفترة، حيث كان طالبًا في "جامعة جورج تاون"، وكان يأتي إليه يوسف الخال مع شارل مالك وهشام شرابي، يجتمعون في شقّته الصغيرة، ويتحدّثون في الفلسفة والسياسة (1958). كان يوسف شديد الإعجاب بالشعر الجديد في الولايات المتحدة، طامحًا لنقل التجربة إلى الشعر العربي، وكانت بدايات أحلام بمجلة "شعر" والحداثة...


جلسات بَوح

في إحدى جلساتنا الكثيرة في صومعته في بلدة غزير (شمال بيروت)، سألتُه عن أثر رحلته الأميركية في فكره الأدبي فقال: "في العام 1948، زرت الولايات المتحدة، وبقيت هناك فترة، وكانت لي لقاءات كثيرة مع شعراء أميركا المحدثين. اتصلت بروبرت لويل وعزرا باوند وبقينا على تواصل بعد عودتي إلى لبنان. هذه اللقاءات مع أدباء أميركا أظهرت لي مدى حاجتنا العميقة والملحّة إلى تجديد شِعرنا العربي، وتأكدت بأننا متأخّرون مئة عام على الأقل عن الشعر الأميركي. ويوم عدت إلى لبنان، بدأت أنشر أفكاري التجديدية. في تلك الحقبة، كانت تباشير الانتفاضة على القديم بدأت تلوح في بعض الأوساط الفكرية العربية وفي العراق خصوصًا، بتأثير من كتابات الناقد والروائي جبرا إبراهيم جبرا، والمستشرق الإنكليزي دزموند ستيوارت، وكانا يدرسان الأدب في "جامعة بغداد". ثم بدأت أسماء شعرية بالظهور، شكّلت في ما بعد الرعيل الريادي الشعري (بدر شاكر السيّاب - نازك الملائكة - عبد الوهاب البياتي - بلند الحيدري، والجيل اللاحق: سعدي يوسف - يوسف الصائغ - سركون بولص...). ومن مصر أطلّ لويس عوض الذي نشر مطلع الخمسينات من القرن الفائت مجموعته "بلوتو لاند" التي تضمّنت بذورًا أساسية لحركة حديثة في الشعر، بتأثير من دراسته في "جامعة كامبردج". ضمن هذا المناخ خطرت في بالي أيضًا وأيضًا، مجلّة "شعر". وبدأت الاتصالات بالمنارات الأدبية في العالم العربي وكانت بداية حركة الحداثة الشعرية...".


قرأت يوسف الخال في "الحرية" و "البئر المهجورة" و "قصائد في الأربعين" و "الأرض الخراب" (للشاعر ت.س. إليوت) وترجمة "النبي" لجبران، قبل أن ألتقيه ذات أمسية في بيته في غزير تحت شجرة اللّيمون. وكانت علاقة صداقة امتدت من العام 1977 حتى رحيله في آذار من عام 1987.


عقد من الزمن، لقاءات، أماسٍ، حلقات شعر وفكر ونقاشات - بعضها حاد - ووجوه كثيرة: شعراء، مسرحيون، موسيقيون، مخرجون، إعلاميون، وفنانون... وكان يوسف، يستمع، يتنحنح ويقول! وكان الزمن غبار حرب وتفجيرات، وأحقادًا ورمادًا ودماءً وتهجيرًا واحتلالًا إسرائيليًّا حتى بيروت، واستمر الكلام على الثقافة وهمومها محور "لقاءات الجمعة" في بيت يوسف الخال...

حوارات كثيرة مسجّلة أجريتها مع يوسف، بعضها غير مناسب للنشر، تناولت آراءه في الفكر والشعر والثقافة السياسة والانتماء والحياة والموت والمرأة، أكتبها بأمانة وعفوية كما هي مسجّلة بصوت يوسف الخال، تبقى مرجعًا موثّقًا لآراء الرجل...


حلوتي

حلوتي، يا شذا العشيّات

في ميعة الزَّهر

حبّذا أنت منيةٌ

خلت أنّ يومها عبر

يا لَعينيك ترغبان

من الغيب ما ضمَر

لهما للخفيِّ شوق

العصافير للسَّحر

ولدى تحلمان، يا

موعد الأرض بالسَّمر!

حروفَ نور تكتب السِّيَر

وتملأُ العيون بالنظر.

بها، بمثل لونها العجيب يحلمُ الكبار في الصِّغَر.


السفر

وفي النهار نهبط المرافئَ الأمانَ والمراكبَ الناشرةَ الشراع للسَّفَر. نهتف يا، يا بحرنا الحبيب، يا القريبُ كالجفون من عيوننا

نجيءُ وحدنا،

رفاقنا الوراءَ تلكمُ الجبال آثروا

البقاءَ في سُباتهم ونحن نؤثر السفر.

أخبرنا الرعاة ههنا

عن جزرٍ هناك تعشق الخطر

وتكره القعود والحَذَر،

عن جزرٍ تصارع القدر

وتزرع الأضراس في القفار مُدُناً.

الشاعر يوسف الخال