تتّجه زحلة مُكرهة لاستعادة مشهدية شهر آذار الماضي، من خلال التزامها بقرار الإغلاق الصادر عن وزارة الداخلية، في محاولة جديدة لاحتواء التفشّي السريع لوباء "كورونا".
فبين آذار وتشرين، لا تتبدّل نزعة الزحليين الدائمة للإلتزام بالدولة وقراراتها، حتى لو فقدوا الثقة بقدرتها أو حتّى إرادتها لتأمين شبكة الأمان الصحّية المطلوبة. وتجربة زحلة مع مواجهة "كورونا" خلال الأشهر الماضية تعكس تفوّقاً للوعي الإجتماعي، مقابل إهمال السلطة المركزية لواجباتها تجاه المدينة. فبالرغم من ظهور أعداد إصابات يومية بـ"كورونا" في مختلف أحيائها، فإن الفضل في نسبتها المحدودة في زحلة حتى الآن، يعود لإلتزام الزحليين المعقول بشروط الوقاية، مع تسجيل هفوات متكرّرة بالنسبة لخدمة الأراكيل في المطاعم أو خارجها.
أمّا حالة الطوارئ التي تدّعيها الدولة في مواجهة "كورونا" فتفتقد الليونة التي يتطلّبها الوباء السريع بتفشّيه.
فمع بداية معركة لبنان مع الوباء، بادرت زحلة الى تشكيل خلية طوارئ، وضعت نصب عينيها دعم مستشفى الياس الهراوي الحكومي بكلّ إحتياجاته. ولما كانت وزارة الصحة لم تبادر لتوفير حتى جهاز PCR لتشخيص المصابين في المستشفى، جرى تأمينه مع متطلّباته بأموال خاصة.
لم تتوقّف المبادرة هنا، بل أعلنت خلية الطوارئ التي ضمّت الى جانب محافظ البقاع ورئيس بلدية زحلة، نواب المنطقة ورئيس مجلس إدارة المستشفى الحكومي، عن إنشاء صندوق دعم للمستشفى الحكومي، مدّه المموّلون بتبرّعات مباشرة. ولكن بعد أشهر من إنشاء الصندوق يؤكّد رئيس بلدية زحلة أسعد زغيب: "اضطررنا لإعادة المبالغ التي جمعناها الى أصحابها، لأنّ إدارة المستشفى لم تتقدّم بأيّ مشروع لتوسيع عملها".
مصادر المستشفى تكشف الحاجة لموافقة السلطة المركزية على ايّ قرار يتّخذ، حتى لو كنا على عتبة إغلاق تام لتخفيف الضغوطات عن أسرة المستشفيات، في وقت لم تتخذ خطوة واحدة لزيادة عدد أسرّة قسمها المختص بـ"كورونا" التي لم تتخطّ منذ إنشائه الـ17.
و"البيروقراطية" هنا لم تُعِق فقط وصول أموال الصندوق للمستشفى، بل تحرمه حتى من مبالغ رصدت له عبر بلدية زحلة لتأمين كافة إحتياجاته، فيما بصيص النور يأتي من خلال مبادرة مستشفيات خاصة في القضاء لتجهيز أقسام "كورونا"، مع توجّه لأن ينضمّ إليها أيضاً أحد مستشفيات المدينة، الذي بعد استحداثه محطة لإجراء فحوصات الـ PCR، سيباشر بتجهيز قسم إستشفائي لحاملي الفيروس، وسط استعداد أبدته بلدية زحلة لمساعدته، متى صدق توفر اعتماد تقدّمت به الى ديوان المحاسبة.
وتلاحق هذه البيروقراطية أيضاً فرص إحتواء المرض ومنع تفشّيه في زحلة.
فمنذ بداية معركة لبنان مع الجائحة، أقرّ المجلس البلدي إنشاء مركز حجر يستوعب الزحليين الذين يعانون خصوصاً من ضيق مساحات منازلهم لعزل المصابين. إلا أنّ المعضلة التي واجهت المركز بعد تخطّيه حاجز المعارضة الإجتماعية لكلّ موقع مقترح، كان في ربط ولادته بلجنة "كورونا" المركزية وموافقات الوزارات المعنية بها، وبحسابات وهبات مقدّمة من برنامج الأمم المتّحدة للتنمية، مع أنّ بلدية زحلة، كما يؤكّد رئيسها أسعد زغيب لديها كامل الإستعداد لتجهيز المركز على نفقتها. وهكذا مرّت ستة أشهر ولا تزال زحلة تنتظر المركز، من دون أن يسقط من الأولويات، خصوصاً أن مؤشّر الوباء لا يزال مرتفعاً.
هذا الواقع كوّن قناعة لدى الزحليين بأنّ نزعتهم للإلتزام بقرارات الدولة لا تجعلهم يصعدون سلّم أولوياتها، بل على العكس، تكبّدهم الثمن الإقتصادي الأكثر إيلاماً، وسط قناعة يعبّر عنها زغيب بأنّ الدولة لا يمكن أن تنجح بخطّتها لإحتواء الوباء هذه المرّة، من دون تعميم قراراتها وتطبيقها بالتساوي على الجميع، حتّى ولو كان ذلك عبر سياسة فرض الغرامات التي لجأت اليها معظم دول العالم.