بينما سيغتنم بعضنا عيد العمال فرصة للراحة اليوم، أو لقضاء وقت مع العائلة والأصدقاء، لن تغير "تيتي" عادتها في الاستيقاظ باكرًا لتوصل جريدة "نداء الوطن" إلى مشتركيها في زحلة، قبل أن تتابع يوم عمل عاديًا يبدأ منذ السابعة صباحًا ولا ينتهي إلا بعد منتصف الليل. فلا راحة لعمال "الديليفيري" بيوم الأول من أيار، ولكن هذا ليس السبب في الإضاءة على قصتها.
ليست مجرد عاملة ديليفيري
تمثل "تيتي" نموذجًا في كسر القوالب النمطية في المجتمع اللبناني، ليس لكونها امرأة في مهنة شاقة شاع أن تكون حكرًا على العمال الأجانب "السوريين" تحديدًا، بل لقدرتها على تحويل "الحاجة" إلى "مشروع مؤسساتي".
تبعت "تيتي" إحساسها وعملت بحرية. فانخرطت بداية في "شرطة بلدية زحلة" وكانت الأولى في مدينة زحلة بين 60 شرطيًا، قبل أن تقتني "موتوسيكل" وتقرر العمل في ما تحب. فتحوّلت مرجعًا للخدمات التي تترفع عنها بنات جيلها. وأبرزت شجاعة في مواجهة نظرة المجتمع غير المرحبة بها.
في سوق يفتقر للرقابة، اعتمدت "تيتي" على محبة الناس وبنت الثقة بداية بين أصدقائها وأقاربها ومعارفها، فكانت تنجز لهم الخدمات كدفع فواتير الهاتف، أو تشريج خط، أو تسهيل معاملة وإنجازها في الدوائر، أو حتى ابتياع بعض الحاجات، إلى أن صارت خدمتها مهنة، كبرت مع صيتها ولكنها لم تتكبّر عليها.
إمبراطورية بنيت بالثقة
"تيتي" اليوم صاحبة مؤسسة تعنى بـ "الديليفيري"، وضعت هي أُسسها، وسلّمت إدارتها لشقيقتها، والتزمت بقوانينها التي وضعتها بنفسها. وقد تحوّلت مرجعًا لكل من يرغب بإنجاز مهمة خاصة. بعض هؤلاء لا يعرفونها الا بـ "تيتي" ولكنهم يأتمنونها حتى على بعض مقتنياتهم الثمينة أو على إنجاز معاملاتهم الدقيقة، وهذا ما يعتبر قمة النجاح في بناء "العلامة التجارية الشخصية".
تقول "تيتي" إن الأمانة هي الأساس، واسمي هو رأسمالي الذي لا يستطيع أحد منافستي عليه". ومع أن الجميع في مؤسستها مستفيد من شبكة العلاقات التي بنتها هذه السمعة الجيدة، تبقى هي في الميدان عاملة كأي عامل "ديليفيري" أجنبي على الأغلب. فتقول "إذا لم أنزل على الموتوسيكل، لن أحصل على يوميتي".
المصاعب كثيرة كما تقول، وأبرزها ما يختصر في ترهل مؤسسات الدولة وعدم تلبيتها الاحتياجات. فتشرح "تيتي" مثلا تعقيدات تسجيل العمال الأجانب وقوننة واقعهم. كما تتحدث عن صعوبة تسجيل الآليات في ظل التعقيدات التي تبرز في النافعة. ولذلك تقول أكبر الصعوبات هي توقيف الشباب فجأة من دون إعطاء مهلة لتسوية الأوضاع أو أقله فتح المهل لذلك.
في المقابل تأسف "تيتي" لكون نظام الحماية الاجتماعية في لبنان لا يشمل المهن الصغيرة أو الحرة كالتي تمارسها. وهذا ما يحرمها من تقديمات الضمان الاجتماعي سواء للصحة أو لتعويضات نهاية الخدمة. شارحة أنها هي نفسها تعرضت مرة لحادث ولكنها اضطرت للعلاج على نفقتها، إلى أن أصبحت ميزانيتها لاحقًا تسمح لها بنظام تأمين خاص.
كفاح بأدوات بسيطة
ترفض تيتي في المقابل مقولة "لا يوجد عمل"، وتؤكد أنه رغم الظروف الصعبة، العمل موجود لمن يبحث عنه ويطلبه بجدية. ولكن "تيتي" ليست وحدها في هذا الميدان، بل ثمة مظاهر لافتة برزت خصوصًا بعد الأزمة المالية التي مر بها لبنان وعلى أثر خلفياتها. وقد تختصر بعض أوجهها في تجارب من مدينة زحلة، تكشف عن تحول المهارات الشخصية إلى مصادر رزق أساسية.
فنيكول مثلا تخلت عن عملها في مؤسسة رسمية مؤخرًا، لتتفرغ لشغفها في التعليم "أونلاين" بعدما ضاقت السبل بها في إيجاد وظيفة تتناسب مع شهادة الـ "computer science" التي اجتهدت للحصول عليها.
وهناك أمهات استثمرن مهاراتهن في الطبخ لتقديم "الطبق اليومي" للعائلات، فراكمن الزبائن، خصوصًا من بين الأمهات العاملات واللواتي فقدن المساعدات المنزليات نتيجة الأزمة المالية التي مر بها لبنان منذ العام 2019.
حتى في المجالات الأكاديمية، نجد دكتورة جامعية تبعت شغفها في حياكة "الكروشيه" لتزيد من دخلها، بعد أن فقدت الأمان نتيجة لانهيار قيمة راتبها مع انهيار قيمة العملة اللبنانية، فتحوّل اسمها اليوم إلى علامة تجارية في السوق.
الوجه الآخر لعيد العمال
القاسم المشترك بين هؤلاء النسوة هو العمل بلا إجازات، وبلا ضمانات اجتماعية أو تأمين، لكنهن يخرقن الواقع بصورة مشرقة يقدمنها للبنانيين. فهن لم ينتظرن إصلاحات الدولة، بل خلقن اقتصادهن الخاص من العدم، وقدمن بالتالي درسًا في أن العمل متاح لمن يريده، وأن الفرص لا تنتزع إلا بجهد شخصي، بصرف النظر عن الوعود الرسمية الواقعة في الترهل والتعطيل.