المحامي إيلي شربشي

إسقاط الحصانة عن محمد رعد ومحاكمته... قرار سياسي أم مسؤولية وطنية؟

6 دقائق للقراءة

أثارت تصريحات رئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد، في مقابلة على قناة المنار، عاصفة سياسية وقانونية، بعدما حذر الحكومة والجيش من تنفيذ قرار مصادرة سلاح حزب الله، ملوحاً بردود فعل قد تمس السلم الأهلي. هذه التصريحات جاءت عشية انفجار مخزن الأسلحة في وادي زبقين أثناء مداهمة الجيش له، ما أدى إلى استشهاد 6 عسكريين وإصابة آخرين إذ اعتبر العديد من المحللين تصريحاته تهديداً مباشراً لرئيس الجمهورية والحكومة مجتمعة كما للجيش اللبناني من أن حزب الله لن يسمح بمصادرة أسلحته وانه مستعدّ للدخول في نزاع مسلح مع الشرعية اللبنانية وعلت الأصوات المطالبة بمحاسبته ومحاكمته بتهم التعرض للجيش اللبناني، ومن هنا طرح السؤال التالي هل يمكن ملاحقة النائب محمد رعد عن اقواله؟ وهل تعتبر تهديداً للحكومة اللبنانية؟ وهل أقواله محمية بحصانته النيابية؟


ولذا، وللردّ على هذه الأسئلة بعيداً عن الموقف السياسي كان لا بدّ من العودة الى الكتاب " الدستور اللبناني" والى النظام الداخلي لمجلس النواب اللبناني، والقوانين اللبنانية الوضعية لنستخرج منهما جواز ملاحقة النائب رعد من عدمه، نصت المادة 39 من الدستور لا تجوز اقامة دعوى جزائية على اي عضو من اعضاء المجلس بسبب الآراء والافكار التي يبديها مدة نيابته. والمادة 40 نصت "لا يجوز في اثناء دور الانعقاد اتخاذ اجراءات جزائية نحو اي عضو من اعضاء المجلس او القاء القبض عليه اذا اقترف جرما جزائيا الا باذن المجلس ما خلا حالة التلبس بالجريمة (الجرم المشهود)، اما في النظام الداخلي لمجلس النيابي فقد نصت مواد الفصل الثالث عشر منه " الحصانة النيابية ورفعها" على ان مبدأ الحصانة النيابية متعلق بالانتظام العام(م.89) وانه لا يجوز ملاحقة النائب جزائياً أو اتخاذ إجراءات جزائية بحقه أو إلقاء القبض عليه أو توقيفه إلا بإذن المجلس ما خلا حالة التلبس بالجريمة ( الجرم المشهود) (م.90) وحددت المواد اللاحقة الية تقديم طلب الاذن بالملاحقة والتحقيق...، (م. 91 الى 98).


وانطلاقاً مما سبق علينا ان نحدد ما هي الحصانة البرلمانية وحدودها وهل تنطبق على تصريح النائب رعد مفهوم "الجرم المشهود" ؟؟


ان المتعارف عليه ان الحصانة منحت للنائب أثناء تمثيله الشعب كنوع من الحماية كفلها له الدستور والقانون ليتمكن من أداء مهامه في إطار المصلحة العامة بعيداً عن تاثير السلطة التنفيذية والضغوط السياسية لا ليخالف القانون ويرتكب الجرائم، غير ان هذه الحصانة ليست مطلقة ولا تجيز له ارتكاب الجرائم والتهرب من مفاعيلها، إذ ان النائب ليس فوق القانون، ان الدستور كما النظام الداخلي للمجلس حددا مفهوم هذه الحصانة وأكّدا انه في حال الجرم المشهود فإن الحصانات كلها تسقط. إذاً، ما هو الجرم المشهود؟ وهل تتوفر في أقوال النائب محمد رعد أركان الجرم المشهود؟


عرّفت المادة 9 من قانون اصول المحاكمات الجزائية الجرم المشهود بأنالجريمة التي تشاهد عند وقوعها، الجريمة التي يقبض على فاعلها في أثناء أو فور ارتكابها، الجريمة التي يلاحق فيها المشتبه فيه بناءً على صراخ الناس، الجريمة التي يتم اكتشافها فور الإنتهاء من ارتكابها في وقت تدل آثارها عليها بشكل واضح، الجريمة التي يضبط فيها مع شخص أشياء أو أسلحة أو أوراق يستدل منها على أنه مرتكبها، وذلك خلال 24 ساعة من وقوعها.....


وعليه، وبالعودة الى تصريح النائب محمد وبإطار مقابلة عرضت على قناة المنار عن موقف الحزب من مبادرة الجيش الى تنفيذ مقررات الحكومة بمصادرة سلاحه أجاب " بعد هذا القرار لا ندري ما هي الضمانة للسلم الاهلي .... القرار خطير بتقلّي بدي إضمن ان لا تكون له ارتدادات على الارض.... وعن انتقال الحكومة الى التنفيذ "لنشوف " وعن قيام الجيش بمداهمة مخزن سلاح تطبيقاً لقرار مجلس الوزارء " منكون عرفنا شو بدنا نساوي" وغيرها من التعابير التي تهدد من اي اجراء لتنفيذ قرار مجلس الوزراء ومنها مثلا" الاجواء في الجنوب والبقاع والضاحية تعتبر ان القرار الاخير " فتح لنا الطريق الى كربلاء" مؤكداً ان من ساهم في اقراره اما غبي او ارتجل موقفاً غير مسؤول وارتكب خطيئة تدفع الى خيارات صعبة"...


وفي اليوم التالي واثناء مداهمة الجيش اللبناني لمخزن اسلحة لحزب الله في وادي زبقين في الجنوب اللبناني تم تفجير المخزن ما ادّى الى استشهاد ستة عسكريين.

وحيث ان التحقيقات الاولية اشارت الى ان الجيش اللبناني علم بهذا الموقع قبل اسبوع وانه دخله وتفحصه وان الأسلحة الموجودة فيه لا يمكن ان تنفجر من تلقاء ذاتها او بفعل خطأ بشري بل عبر تفجيرها، ومن ثمّ تبين ان الحزب وكما تم التداول قد اقرّ بانه قد سبق له ان فخخ هذا المخزن منعاً من الاستيلاء عليه من العدو الاسرائيلي،غير انه يبقى السؤال لماذا لم يحذر الحزب قيادة الجيش عن تفخيخ المخزن وهنا يُربط بتصريحات النائب محمد رعد التي أدلى بها قبل يوم واحد من حادث التفجير لتأتي الخلاصة بأن هذه رسالة واضحة من قيادة حزب الله للجيش اللبناني وللسلطة السياسية من أنهم مستعدين لللعب على حافة الهاوية وجرّ البلاد الى الفوضى لحماية ما تبقى من سلاحهم.


وعليه، ومن العودة الى مفهوم الجرم المشهود كما حددته المادة 9 أ.م.م. يتبين إنها تعني ان يكون النائب متلبساً بالجريمة عند وقوعها أو قادراً على تبين حصولها، وحيث ان محمد رعد عندما أطلق تهديداته، تصرف كقيادي في منظمة حزب الله وليس نائباً عن الأمة اللبنانية أي ان الجرم الذي ارتكب بحق الجيش اللبناني والذي يُعتبر من قبيل الاعمال الارهابية علم بها النائب رعد كحدّ أدنى قبل حصولها ولم ينبه او يحذر الجيش اللبناني ما تسبب باستشهاد 6 عسكريين ما يرتقي بفعله هذا كمتدخل في عمل ارهابي ضد الجيش اللبناني وحيث ان الحصانة تسقط تلقائياً في حال كان ارتكاب الجرم مشهوداً (الرئيس حاتم ماضي مجلة الامن العام العدد 75 ص. 26) وهنا تسقط حصانة النائب ولا يبقى لها أي مبرر، إذ تجوز ملاحقته جزائياً وإلقاء القبض عليه، سواء أكان مجلس النواب في حالة إنعقاد أو خارج دور الإنعقاد، وفقاً لصراحة نص المادة 40 من الدستور والمادة 90 من النظام الداخلي لمجلس النواب، وبالتالي تجوز ملاحقة النائب جزائياً واتخاذ إجراءات جزائية بحقه وإلقاء القبض عليه وتوقيفه في أثناء أو خارج دور إنعقاد المجلس من دون الحصول على إذن المجلس. (مجلة الجيش العدد 284 – الحصانة النيابية – د. نادر شافي). 


في الخلاصة، وقبل ساعات من مداهمة الجيش اللبناني لاحد مخازن الاسلحة التابعة لميليشيا حزب الله، أقدم محمد رعد بصفته قيادياً في منظمة حزب الله العسكرية على تهديد رئيس الجمهورية اللبنانية والحكومة اللبنانية وقيادة الجيش اللبناني وبالفعل وعند المداهمة ودون تحذير القيادة العسكرية من تفخيخه تم تفجير المخزن المفخخ ما ادّى الى استشهاد 6 عسكريين، مل يجعل من تصريحاته مساساَ بالامن القومي اللبناني وجرماً مشهوداً ضد الجيش اللبناني ما يستوجب إسقاط حصانته النيابية فوراً وتوقيفه وإحالته الى المحاكمة لا رتكاب جرائم ارهابية ضد عناصر الجيش اللبناني على الاراضي اللبنانية وفقاً لاحكام 314 وما يليها من قانون العقوبات وقوانين الارهاب والاسلحة والذخائر.