بينما تزداد حرارة الصيف في نصف الكرة الشمالي، تتجه أنظار العالم إلى أقصى الشمال الغربي للولايات المتحدة، حيث من المقرر أن يلتقي الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين في ولاية ألاسكا. اللقاء الذي جرى الإعداد له بصمت في الأسابيع الماضية لم يكن وليد الصدفة، بل جاء بعد سلسلة من المناورات السياسية والدبلوماسية التي قادها الكرملين من جهة، وإدارة ترامب من جهة أخرى.
مصادر مطلعة على تفاصيل التحضيرات تؤكد أن بوتين كان يرفض في البداية تحديد موعد، لكنه غيّر موقفه بعد أن لمس جدية ترامب في التهديد بفرض عقوبات "قاسية وغير مسبوقة" على روسيا، وعلى أي دولة أو كيان يستمر بشراء النفط الروسي. هذا التهديد، الذي تردّد صداه في أسواق الطاقة العالمية، فتح باباً واسعاً أمام مواجهة اقتصادية محتملة، دفعت موسكو إلى التفكير في خيارات بديلة، ومن بينها فتح قناة حوار مباشر مع البيت الأبيض، ولو من باب امتصاص الضغط.
وقبيل هذا اللقاء بأيام، هبط مبعوث ترامب الخاص، ستيف ويتكوف، في موسكو حاملاً ملفاً مليئاً بالمقترحات الأولية وخطوطاً حمراء وضعتها واشنطن. أجواء العاصمة الروسية في تلك الأيام كانت مشحونة: الإعلام المحلي ضخ رسائل عن "انفتاح تكتيكي" على الحوار، فيما كانت الأجهزة السياسية تعمل على ترتيب جلسات مغلقة بين ويتكوف ومسؤولين كبار في الكرملين. بوتين، الذي يتقن لغة الرمزية في السياسة، استغل الزيارة لإرسال إشارات متناقضة؛ أبدى مرونة في النقاش حول بعض الملفات الاقتصادية، لكنه في الوقت نفسه عزز من صورته الصلبة أمام الداخل الروسي عبر خطاب متشدد عن أوكرانيا.
ويتكوف لم يكتفِ بلقاءات الكرملين، بل أجرى اتصالات جانبية مع سفراء أوروبيين في موسكو، في محاولة لقياس ردود فعل الاتحاد الأوروبي على أي صيغة تهدئة محتملة. الكواليس الدبلوماسية تشير إلى أن بوتين نسق بشكل متوازٍ مع الصين والهند وبعض الحلفاء الإقليميين، في مسعى لتعزيز موقفه التفاوضي، ولإظهار أن روسيا ليست معزولة تماماً عن المسرح الدولي رغم العقوبات.
على الجانب الآخر من المعادلة، الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي كان واضحاً في تصريحاته: "لا تنازل عن شبر واحد من الأراضي الأوكرانية". كييف تدرك أن أي مرونة في هذا المبدأ ستُترجم داخلياً كخيانة لدماء الجنود والمدنيين الذين دفعوا ثمن الحرب. الدول الأوروبية، من جهتها، أصدرت بيانات موحدة تؤكد أن أي اتفاق سلام يجب أن يمر عبر موافقة أوكرانيا، وأنه لا يمكن فرض تسوية عليها من الخارج. الموقف الأوروبي لم يقتصر على الدعم السياسي، بل شمل أيضاً تعهداً بمواصلة الدعم العسكري والاقتصادي لكييف حتى في حال الدخول في مفاوضات مطولة.
في الكواليس، يدرك المفاوضون أن الفجوة بين بوتين وزيلينسكي لا تزال واسعة جداً. معادلة تبادل الأراضي تبدو شبه مستحيلة، فالطرفان يتمسكان بسقوف عالية، وكلاهما يرفض تقديم التنازلات الجوهرية أولاً. لكن، وبحسب تسريبات من بعض الأوساط الغربية، فإن ترامب يراهن على أن تجميد الصراع ولو مؤقتاً قد يفتح المجال لاحقاً لتفاهمات أعمق، خصوصاً إذا ترافقت مع حوافز اقتصادية وضمانات أمنية.
الرهان الأكبر هنا ليس على إنهاء الحرب، بل على "تجميدها"، أي إبطاء وتيرة العمليات العسكرية وفتح قنوات اتصال دائمة بين موسكو وكييف عبر وساطة أميركية مباشرة. هذا السيناريو، إذا تحقق، قد يمنح العالم فسحة لالتقاط الأنفاس، لكنه لن يحلّ القضايا الجوهرية التي أشعلت الحرب، وعلى رأسها مسألة الحدود والسيادة.
الواقع القائم يفرض حقيقة صارخة: العودة إلى حدود ما قبل فبراير 2022 باتت شبه مستحيلة من دون تنازلات مؤلمة من الطرفين، وأي اتفاق نهائي سيحتاج إلى إرادة سياسية استثنائية، وضمانات دولية ثقيلة، وربما سنوات من المفاوضات التدريجية. وحتى ذلك الحين، سيبقى لقاء ألاسكا اختباراً لقدرة ترامب على خلط الأوراق وفتح مسار جديد، أو مجرد فصل آخر في كتاب الحرب الطويلة بين روسيا وأوكرانيا.