أحمد الأيوبي

نوّاف سلام الجديد.. سنّي سيادي

4 دقائق للقراءة

في جلستـَي مجلس الوزراء 5 و7 آب 2025 سجّل نوّاف سلام بدايته الفعلية في الحكم وأطلق المرحلة الجديدة التي لم يستطع أسلافه منذ اتفاق الطائف حتى اليوم إطلاقها: طرح سلاح "حزب الله" على طاولة مجلس الوزراء واتخاذ القرار بإنهاء الشرعية المفروضة على الدولة منذ عقود، وهذا ما أسقط الكثير من المآخذ عليه وأجّل النقاش في قضايا ملتبسة لتكون الأولوية لدعم رئيسي الجمهورية جوزاف عون والحكومة نواف سلام في قرارهما القاضي بحصرية السلاح في قبضة الدولة، فهذه ساعة الحقيقة التي انتظرها اللبنانيون وأطلقها رجلٌ لا يريد أن يكون كغيره ممن سكنوا السراي الكبير بل يريد أن يرتبط اسمه بالإنجاز وتحقيق الأهداف الوطنية الكبرى.

كنّا ممن انتقد الرئيس سلام على بطئه في التعامل مع الملفات وعلى السماح للرئيس نبيه بري ومعه "حزب الله" بالتغوّل في التعيينات على حساب سائر اللبنانيين وخاصة السنة منهم، وما زال هذا الانتقاد قائمًا ويجب معالجة هذه الملفات ولو بعد حين، لكنّ المرحلة الحالية بآفاقها الصعبة والواعدة، تحتاج رصّ الصفوف والتماسك حول مشروع الدولة بحصرية السلاح في أيدي القوى الشرعية.


كان لافتًا استقبال الرئيس سلام وفد هيئة علماء المسلمين برئاسة الشيخ سالم الرافعي وعضوية عدد من العلماء من كلّ المناطق اللبنانية، بعد أن شاع في الفترة السابقة أنّه يريد الابتعاد عن الأجواء الدينية، وأقرّ معهم بوجود مظالم بحقّ السنة، لكنّ حلّها يجب أن يكون من خلال الدولة وبتفعيل القضاء وتأمين عناصر العدالة، كاشفًا عن إجراءات أعطى تعليماته باتخاذها لتسريع المحاكمات في ملفات الموقوفين الإسلاميين وإنهاء الاحتجاز غير القانوني لهم وإصدار الأحكام العادلة بحقهم، وهذا سيرفع جزءًا كبيرًا من الظلم الواقع عليهم، خاصة أنّ كثيرين منهم خضعوا للاحتجاز ما بين عشر سنوات وسنة بدون محاكمة وخرجوا أبرياء من أي تهمة، وهذه فضيحة لا يستحي منها قُضاةٌ ارتضوا أن يكونوا جزءًا من آلة الاستهداف السياسية والأمنية للسنة في لبنان، ويبدو أنّ رحلة تفكيكها قد بدأت.


كسر نواف سلام الحواجز وفتح قنوات التواصل مع الجميع، واستقباله "هيئة علماء المسلمين" والخطاب الوطني الواضح والمتوازن الصادر عن الهيئة بعد اللقاء هو من ثمرات هذا التحوّل الذي يقوده سلام في هذه اللحظة الوطنية والإقليمية والدولية الحاسمة، وهذا يمنع "الحزب" من التحريض على سلام وتصويره بأنّه منقطع عن عمقه السنّي وبالتالي يسهل استفراده.


أصدر مجلس الوزراء برئاسة نواف سلام قرار تعيين الدكتور هاني شعراني رئيسًا لمجلس الإدارة ومديراً عاماً لمعرض رشيد كرامي الدولي، وهذه من المرات النادرة التي تضع فيها الدولة الرجل المناسب في المكان المناسب، وقد لاقى القرار ترحيبًا واسعًا في طرابلس وبهذا التعيين تكون قيادة المؤسسات الكبرى في الفيحاء قد اكتملت: رئاسة بلدية طرابلس (عبد الحميد كريمة)، رئاسة اتحاد بلديات الفيحاء (وائل زمرلي)، غرفة طرابلس الكبرى (توفيق دبوسي) وإدارة المرفأ (أحمد تامر) بالإضافة إلى نقباء المهن الحرة، ويترافق ذلك مع انفتاح واهتمام واضحين يوليهما الرئيس سلام لطرابلس والشمال وللملفات العالقة فيها، مما يعني وجود فرصة لتحريك عجلة الإنماء المتوقفة منذ ما قبل الحرب والمعطلة بعدها، وهذا يوجب على القائمين على المؤسسات الكبرى في طرابلس الاجتماع ووضع الخطط المشتركة لتحقيق الأولويات الضاغطة وتمرير الضروريّ منها بروحيّة الإصلاح المنتظر.


ظنّ "حزب الله" أنّه بوضع صور سلام في الشوارع ليدوس عليها المارة سيقلِّل من هيبة رئيس الحكومة، لكنّه من حيث لا يعلم جعل الرأي العام السني يلتفّ حول ممثله في الحكم، وجعل هذا الرئيس يدرك أهمية عمقه السنيّ الوطني، وليس الطائفي، وما عزّز هذا الاتجاه وقوف العشائر العربية بقوّة وحزم إلى جانبه في التصدي لمحاولات بعض عشائر الشيعة قطع الطرقات وتهديد العاصمة، وهذا ما تسلّح به رئيس الحكومة ليقول لوزير الصحة ركان نصرالدين الذي أخذ دور الرأس الحامي في جلسة مجلس الوزراء وهدّد سلام بالشارع لتكون الإجابة بأنّه سيكون هناك شارع مقابل شارع فلا تزايدوا علينا.


ما يقوم به نواف سلام تاريخي وهام، وقد بدأ الوعي ينتشر ويتنامى بضرورة دعم هذا المسار، وحسب المعلومات المتوافرة، فإنّ مناطق طرابلس والشمال والبقاع ستشهد تحركات للنخب والهيئات العاملة في الشأن العام لاتخاذ المواقف الداعمة للشرعية والرافضة لكلّ أشكال الابتزاز التي يلقي بها "حزب الله" في وجه العهد والحكومة.