مايكل روبين

وقف إطلاق النار في "أرتساخ" لن يكون دون مشاكل

14 تشرين الثاني 2020

المصدر: The National Interest

02 : 00

الآلاف يتظاهرون في شوارع يريفان رفضاً لاتفاق وقف القتال بين أرمينيا وأذربيجان في أرتساخ

منذ أيام، كتب رئيس الوزراء الأرمني نيكول باشينيان منشوراً في صفحته على فيسبوك حيث أعلن أنه وافق على اتفاق وقف إطلاق النار المدعوم من روسيا وتركيا لإنهاء الحرب التي دامت 45 يوماً مع أذربيجان. نتيجةً لذلك، تدفق الأرمن الغاضبون إلى شوارع العاصمة يريفان. اقتحم البعض مقر البرلمان وضرب آخرون رئيس البرلمان الأرمني أرارات ميرزويان أمام زوجته وأولاده لدرجة أن يفقد وعيه. تطالب الحشود الآن باستقالة باشينيان الذي وصل إلى السلطة تزامناً مع ثورة ديمقراطية في العام 2018.

هذا الغضب الشعبي مبرر. كان الاتفاق المبرم كارثياً بالنسبة إلى أرمينيا، فقد خسر البلد معظم جنوب "ناغورنو كاراباخ" ومناطق استراتيجية أساسية في محيط الإقليم المتنازع عليه. ومن المتوقع ألا يُسمَح للاجئين الهاربين من العاصمة الثقافية "شوشا" بالعودة إلى هناك. في المقابل عبّر إلهام علييف، الدكتاتور المستبد في أذربيجان، عن بهجته بما حصل بعدما خاض الحرب الأخيرة بالاتكال على طائرات إسرائيلية بلا طيار، ومرتزقة سوريين، وطائرات تركية "إف - 16"، وقوات بلده الخاصة. ذكر رئيس أذربيجان أيضاً أن شيئاً لا يضمن استمرار الحُكم المستقل في "ناغورنو كاراباخ".

تفيد التقارير بأن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس التركي رجب طيب أردوغان هما من تفاوضا على ذلك الاتفاق الذي لا يدعو إلى نشر القوات الروسية والتركية على طول خطوط السيطرة فحسب، بل يضمن أيضاً إنشاء طريق نقل يمرّ بالأراضي الأرمنية بين أذربيجان وإقليم "نخجوان" التابع لها. يقول علييف إن هذا البند أضيف إلى الاتفاق بعدما أصرّ عليه شخصياً.

يطرح هذان التطوران إشكالية كبرى ويجب أن تُحقق بهما وزارة الخارجية الأميركية. سيكون نشر قوات ألمانية في إسرائيل أو قوات يابانية في كوريا أو قوات إيطالية في ليبيا تحركاً شائباً لا يتماشى مع تاريخ هذه الدول. ويُعتبر السماح بدخول القوات التركية إلى أرمينيا أو مناطق يسكنها الأرمن مثل "ناغورنو كاراباخ" قراراً أسوأ بعد لأن الحكومة التركية تُصِرّ حتى الآن على إنكار الإبادة الجماعية بحق الأرمن، ولأن أردوغان وعدداً من أعضاء حكومته يتابعون التكلم عن الحروب الدينية. وصف أردوغان القوات التركية التي غزت المناطق الكردية في شمال سوريا بـ"جيش محمد" وكتبت صحيفة "العقد الجديد" الإسلامية والموالية لأردوغان: "أخبروا الكفار بأن جيش محمد عاد"! بعبارة أخرى، ما من سبب وجيه كي تؤدي تركيا أي دور في هذا الصراع. بل يعني السماح لها بلعب هذا الدور مكافأة أنقرة على عدائيتها، والتأكيد على أوهام أردوغان بشأن الجماعات التركية، وتشجيعه على تغيير الحدود التركية التي تعود إلى قرن من الزمن.

يشكّل هجوم أذربيجان أيضاً صفعة في وجه عملية "مينسك" التي حاولت التفاوض على إنهاء صراع "ناغورنو كاراباخ" بعد سقوط الاتحاد السوفياتي بفترة قصيرة. وبما أن روسيا استبعدت الولايات المتحدة من اتفاقها المنفصل، تتأكد حماقة الاتكال على التجمعات متعددة الأطراف. إنه انتصار واضح لروسيا ولم يغفل عنه أي حلفاء محتملين للولايات المتحدة في المنطقة. ونظراً إلى رضوخ الولايات المتحدة للاتفاق الذي يرسّخ نفوذ روسيا ويُضعِف ديمقراطية ناشئة، يتّضح حجم الإهانة والارتباك الاستراتيجي في وزارة الخارجية الأميركية.

يتركّز التحدي الحقيقي لاتفاق وقف إطلاق النار في الكونغرس. قبل سبعة أشهر فقط، ألغى نائب وزير الخارجية الأميركي ستيفن بيغون أحكاماً من المادة 907 التي تمنع توفير الأسلحة إلى أذربيجان في "قانون دعم الحرية"، على اعتبار أن تلك الأسلحة "لن تُضعِف أو تعيق الجهود المستمرة للتفاوض على اتفاق سلام بين أرمينيا وأذربيجان أو تُستعمل لأغراض هجومية ضد أرمينيا". ربما كذب بيغون في موقفه أو أغفلت السفارة الأميركية في باكو عن حقيقة ما يحصل ولم تكن تعرف ما يخطط له علييف. لكن يجب أن يترافق هذا الإخفاق الاستخباري مع نتائج معينة، منها إلغاء الإعفاء فوراً وإعادة فرض العقوبات على أذربيجان.

على المدى القصير، قد تحتفل أذربيجان بما حصل وتحاول أرمينيا مداواة جروحها. لكن يجب ألا يخلط أحد في واشنطن بين الهدوء والسلام. لقد أثبتت أذربيجان أنها تستعد لفصلٍ جديد من الصراع بعدما كانت مشاركتها في عملية "مينسك" مجرّد خدعة ولم تتردد في إطلاق جولة جديدة من حملة التطهير العرقي. قد لا يتجدد الصراع خلال شهر ولا حتى خلال عشر سنوات، لكن ستواجه تركيا وأذربيجان على الأرجح فراغاً سياسياً كبيراً بعد رحيل أردوغان أو علييف. في الوقت نفسه، ستكون جهودهما لإهانة أرمينيا كفيلة بزيادة الحكومات الشعبوية الأرمنية التي تنتظر الفرصة المناسبة للانتقام. ما حصل ليس نهاية الصراع في "ناغورنو كاراباخ" إذاً، بل بداية فصل جديد بكل بساطة!


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.