جاد حداد

Elizabeth Harvest... الصورة أكثر جاذبية من الأحداث

4 دقائق للقراءة

نظراً إلى حجم الميزانية الذي يستفيد منه المخرجون في المجمع السنوي للمهرجانات السينمائية "ساوث باي ساوث واست" (SXSW) وأبطال السينما المعروفون في هذا الجزء من العالم، يمكن اعتبار معظم الأفلام في منطقة "أوستن" "كثيرة الكلام". ترتكز نسبة كبيرة من هذه الأعمال على الحوارات التي تُمهّد لتصالح الشخصيات مع المسائل العالقة في حياتها. لكن لا مفر من حصول بعض المفاجآت من وقتٍ لآخر. قد تبدو الأعمال أحياناً أقل تأثراً بأسلوب المخرج ريتشارد لينكلاتر وأقرب إلى أفكار غير متوقعة. تنطبق هذه المواصفات على فيلمَين عُرِضا حديثاً خلال المهرجان: Elizabeth Harvest (حصاد إليزابيث) وDon’t Leave Home (لا تغادر المنزل). الأجواء فيهما لا تشبه الأفلام المستقلة المعاصرة بل تبدو مستوحاة من أفلام الرعب الأوروبية في فترة الستينات والسبعينات.

أفضل الفيلمَين هو Elizabeth Harvest المقتبس من رواية Bluebeard للمخرج سيباستيان غوتيريز، وهو من بطولة آبي لي ومن أعمالها The Neon Demon (شيطان النيون) وكيران هايندز وكارلا غوجينو. تبدو أحداث هذا الفيلم مأخوذة من حكاية كلاسيكية حيث يجلب رجل (هيندز) زوجته الجديدة (آبي لي) إلى منزله. من الواضح أنه ثري وقوي، وهي جميلة وسعيدة. ما هي المشاكل التي يمكن أن تنشأ في حياتهما إذاً؟ يخبرها زوجها بأنها تستطيع دخول جميع غرف المنزل باستثناء غرفة غامضة ثم يتركها وحدها. سرعان ما تتسلل مشاعر الملل والفضول إليها وتكتشف حقيقة مرعبة.

يشبه هذا الفيلم أجواء Ex Machina (الآلة السابقة) للمخرج أليكس غارلاند بسبب تفاصيل الحبكة والجو العام، لكنه أقرب إلى أسلوب داريو أرجينتو وبراين دي بالما. يستعمل غوتيريز درجات كثيرة من الألوان، بما يشبه نزعة أرجينتو إلى ملء الشاشة بألوان نابضة مثل الأحمر والأخضر، وترتكز القصة عموماً على تطور الشخصيات. حتى أن المخرج لا يتوانى عن تقسيم الشاشة خلال المشاهد المحتدمة، على طريقة دي بالما، ولا يتردد في عرض مشاهد الجنس والعنف بطرقٍ مشابهة لصانعي الأفلام في السبعينات والثمانينات. على صعيد آخر، تبدو تصاميم الفيلم مدهشة بمعنى الكلمة، بما في ذلك تصميم المنزل الذي يتّسم بأجواء فخمة ومرعبة في آن، وتصميم الملابس الجميلة، والموسيقى التصويرية التي تحمل توقيع رايتشل زيفيرا المعروفة بمشاركتها في فيلم The Duke of Burgundy (دوق بورغندي).





لكن حبذا لو كان Elizabeth Harvest أكثر اقتضاباً في مشاهد معينة لأن مدة عرضه تقترب من الساعتين ويبالغ النصف الثاني من القصة في تقديم التفاصيل لدرجة أن يتخذ منحىً مزعجاً أحياناً. القصة معقدة لدرجة أن تعثر إحدى الشخصيات على مذكرات تُفصّل الحكاية بطرقٍ فريدة من نوعها. إنها محاولة لتبسيط الحقائق. لكن في النهاية، يسهل أن ينجذب المشاهدون إلى الصورة وأسلوب الإخراج أكثر من التحولات في الأحداث.

Don’t Leave Home...

سطحي رغم غموضه!الفيلم الثاني هو Don’t Leave Home للمخرج مايكل تولي. رغم الجهود الواضحة في هذا العمل، يشبه أسلوبه العام أعمالاً قديمة عن المنازل البعيدة والمسكونة مثل The Haunting (مسكون بالأرواح) وThe Innocents (الأبرياء). في القصة المعاصرة، تقع الرسامة الأميركية "ميلاني توماس" (آنا مارغريت هوليمان) تحت سحر أسطورة إيرلندية. وفق تلك الأسطورة، خاضت فتاة في الثامنة من عمرها تجربة شبه دينية داخل كهف، فرسم أحد الكهنة تجربتها أمام تمثال للسيدة العذراء ثم اختفت الفتاة من العالم الواقعي ومن تلك الرسمة في الوقت نفسه. "ميلاني" رسامة تعمل في برنامج مستوحى من تلك القصة وسرعان ما تتلقى اتصالاً من امرأة تُخبرها بأنها تستطيع أن توصلها إلى صاحب تلك الرسمة شخصياً، فتقرر الذهاب إلى إيرلندا. يعكس عنوان الفيلم حجم المصاعب التي تنتظرها هناك.

يشمل هذا الفيلم أفكاراً ممتازة حول تقاطع الإيمان والفن، لكنها تبقى سطحية ولا تتطور بما يكفي مع مرور الأحداث. يطرح المخرج مايكل تولي مفهوماً غامضاً ويقدم مشهداً مذهلاً في النهاية لكنه لا يرقى إلى مستوى التوقعات بين بداية الفيلم ونهايته. لهذا السبب، يضطر للاتكال على عدد مفرط من الخِدَع الإخراجية للحفاظ على جو مثير للاهتمام، فيستعمل الحركة البطيئة ويبالغ في تشغيل الموسيقى التصويرية ويعرض حلماً داخل حلم آخر مرتَين. لكن يبقى الأداء التمثيلي أسوأ من هذه الخيارات الرامية إلى تشتيت الانتباه عن مكامن ضعف أخرى، فيبدو خشبياً أو مبالغاً فيه وكأن المخرج يعتمد أسلوباً محدداً في التمثيل لكنه ليس مؤثراً بالقدر المطلوب. من الممتع دوماً أن نشاهد مخرجاً يحمل طموحات سينمائية غير مألوفة مقارنةً بنظرائه، لكن من المؤسف أن يفشل في تحقيق هدفه في نهاية المطاف.