الياس دمّر

كيف يقتل المُجتمع براءة أطفاله؟

في Weapons أسلحة لا تُرى لكن تُصيب الهدف

6 دقائق للقراءة

بَرز في العقد الأخير مُصطلح "Elevated Horror" لوصف موجة من أفلام الرُّعب التي تتجاوز هدف إثارة الخوف المُباشر، لتُقدِّم تجربة سينمائيّة أعمق تَحمل أبعادًا فلسفيّةً، نفسيّةً أو اجتماعيّة. هذه الأعمال لا تعتمد فقط على الصّدمات البصريّة أو المؤثّرات الدمويّة، بل تُركّز على القصَّة، الرّمزية وبناء الشّخصيات، بحيث يُصبح الرُّعب أداةً للتّعبير عن قضايا أكبر. هذه الأفلام تتميَّز بإخراجٍ بصريٍ دقيق، وتصويرٍ سينمائي مُتقن، ممّا جذب جمهورًا، أنا أحدهُم، كان يتجنَّب الرُّعب التّقليدي. والنّتيجة: مُشاهدة أوسع ونقد فنّي أكثر تقديرًا. هذه الأفلام أصبحت تُنافس في المهرجانات العالميّة وتحصد ترشيحات للأوسكار، أمرٌ كان نادرًا في تاريخ أفلام الرُّعب. كمِثال، نجاح فيلم "Get Out" الحائز على "أوسكار أفضل سيناريو أصلي"، فَتح الباب أمام التّعامل مع الرُّعب كأداة نقد سياسي واجتماعي.


أفلام الـ "Elevated Horror" ليست مُجرَّد موضة عابرة، بل هي تطوّر طبيعي لنوعٍ سينمائي كان يُنظر إليه باستخفاف. أمّا اليوم، فأصبحت هذه الموجة السّينمائيّة برهانًا على أنّ الرّعب يُمكن أن يكون فنًّا راقيًا قادرًا على تحريك مشاعرنا وتحفيز عقولنا، وربّما يجعلنا نرى الواقع من زاوية أكثر قتامةً لكن أكثر صدقًا! وفي أحدث هذه التّجارب، يتميّز فيلم "Weapons" بتقديمه تحدّيًا استثنائيًا جديدًا للتوقّعات التّقليديّة للرُّعب.


رُعب غامض في ضواحي أميركا

تدور أحداث الفيلم في بلدة Maybrook، حيث يستيقظ 17 تلميذًا في تمام السّاعة 2:17 صباحًا ذات ليلة، ليهرعوا كأنَّهم طائرات ورقيّة غامضة إلى الظّلام. يختفي الجميع بشكلٍ لا يُمكن تفسيره، فيما يبقى طفلٌ واحدٌ فقط على قيد الحياة. يعتمد الفيلم على بُنيةٍ سرديّةٍ غير خطّيةٍ، مُستوحاة إلى حدٍ ما من أفلام مثل "Magnolia" للمُخرج Paul Thomas Anderson أو "The Crazies" للكاتب George A. Romero، حيث يُروى الحدث من خلال فصولٍ مُنفصلة تُبرز وجهات نظر ستّ شخصيّات رئيسيّة.


نُتابع القصّةً تراتُبيًا مع المُعلّمة Justine Gandy، الأب المفجوع Archer Graff، الشّرطي Paul، مدير المدرسة Marcus، المُدمن James، إضافةً إلى الطفل Alex الذي لم يختفِ، ما يَخلق سردًا متشابكًا غنيًّا بالتّفاصيل والانعكاسات النّفسية!


عالم مُشظّى وزمن مُعلّق

يعود Zach Cregger، مُخرج فيلم الرُّعب النّفسي العاصف "Barbarian"، ليغرس كاميرته في قلب الرّعب، ليس الإرهاب الخارق المُعتاد، بل ذاك الذي يتسلّل من أعماق المُجتمع نفسه. العمل ليس مجرّد قصَّة عن اختفاء أطفال أو لعناتٍ غامضة، إنّهُ تفكيكٌ لمُجتمعٍ يخلق مخاوفه، يُضخّمها، ثم يَتحوّل إلى ساحة حرب ضدّ ذاته.


مُنذ اللّقطة الأولى، يضعنا كريجر أمام عالمٍ غير مُتماسكٍ زمنيًا. قصص تتقاطع ثمَّ تتباعد، أحداث مُتكرّرة وكأنها إعادة لحلم قديم أو كابوس جماعي. الإيقاع بطيء ومشحون، يمنح كل تفصيل وزنه، ويجعل من كلّ صمت جزءًا من المعنى. المُونتاج المُقطّع لا يعكس فقط حالة التوتّر، بل أيضًا التشظّي النّفسي لجماعة فقدت القدرة على رؤية الحقيقة كاملة.


أمّا الأسلحة في "Weapons"، فليست مُجرد بنادق. هي إشارات للخوف، للإشاعة وللقوّة التي يُوجّهها المُجتمع نحو أفراده. الطّائرات الورقيّة، الألعاب الصغيرة وحتى ألوان المَشاهد النهاريّة المُشبعة، تتحوّل من رموز براءة إلى علامات تهديد. يزرع كريجر هذه الصّور بحذر، فيخلق مُفارقة بصرية مُستفزّة: كيف يُمكن لرموز الطّفولة أن تُصبح أدوات عنف؟


شخصيّات على حافة الهاوية

جوستين هي المُعلّمة التي تتحوّل من رمز ثقة إلى هدف اتّهام، بين براءةٍ ظاهرة وغموض أخلاقي يجعل المُشاهد غير متأكّد من براءتها. ويبرز أداء المُمثّلة Julia Garner بدور هذه المُعلّمة، حيث تقُدّم شخصيّة مُعقّدة تجمع بين العُنف الداخلي والتّوتُر العاطفي، لتنجح في حمل طاقة القصّة على عاتقها. أمّا آرتشر فهو الأب المُمزّق بين الحُزن والرّغبة في الانتقام، في شخصيّةٍ تكشف كيف يُمكن للألم أن يتحوّل إلى طاقة مُدمّرة. من جانبه، يُقدّم المُمثّل Josh Brolin أداءً ثابتًا كأبٍ مفجوع، ويُؤدّي المشهديّة في لوحةٍ مؤثّرة عن اليأس والبحث عن الأمل. كلاهما ضحيّة وشريك في الأزمة، في لعبةٍ ديناميكيّة بين الاتّهام والدّفاع، بين الحقيقة والتّأويل. بينما يتألّق المُمثّل Alden Ehrenreich في أحد أروع الأدوار التّي قدَّمها حتّى اليوم، بلعب شخصيّة الشّرطي بول صاحب الطّابع المُتوتّر والذهنيّة المُتأرجحة. أضف إليهم الأداء الجماعي للمُمثّلَين Austin Abrams بدور المُدمن، و Benedict Wong بدور مُدير المدرسة الذي يُعزز التّجربة ويُضيف بُعدًا تفاعليًا شخصيًا للقصّة.


ومِسك الرُّعب ختامًا، مع المُبدعة Amy Madigan، التي قدَّمت بصمةً تُدرَّس في تاريخ السّينما، بدورٍ مُساندٍ في شخصيّة Gladys التي تحملُ عمقًا يُعزّز الغموض الأكبر للقصّة. أداؤها، على غرار خبرتها الطّويلة، يرمُز للتّمثيل بخفّة الرّيشة. لا تتألّق لصالح المشهد، لكنّها تُضيء لحظاته بلونٍ جديد ولتمنح الشخصيّة بُعدًا إنسانيًا ملموسًا وملتبسًا في آنٍ معًا. ولعلّنا نشهد لها، وللمرّة الثانية منذ 1986، ترشيحًا لجائزة "أوسكار أفضل مُمثّلة في دورٍ مساعد"، والتي تستحقّها بجدارة!


لغة بصريّة وصوتيّة صلبة

الإضاءة الخافتة، الإطارات الضيّقة وحركة الكاميرا البطيئة تُحاصر الشّخصيات وتضع المُشاهد في موقع الشّاهد المُحاصر. الصّمت هنا ليس فراغًا، بل هو مساحة للتّوتُر، تمهيد لصدمة أو انعكاس لفراغ الحقيقة نفسها. حتّى الألوان تتحوّل إلى جزءٍ من السَّرد، مع الأزرق البارد الذي يخلق إحساسًا بالعزلة، والألوان الحارّة التي تُضيف اختناقًا بدل الدفء (لاحظوا الجوارب الصّفراء في أحد المَشاهد). ومع تقدّم الأحداث، يتّضح أنَّ القصّة يُمكن قراءتها بطريقتَين: جريمة واقعيّة مُعقّدة أو طقس خيالي يُعيد نفسه في حلقاتٍ زمنيّة مُغلقة. وجود العجوز غلاديس وممارساتها القديمة، يربط الحاضر بتاريخٍ خرافيّ فيحوّل الفيلم من مجرَّد دراما جرائميّة إلى حكاية حضريّة عن لعنة تتوارثها الأجيال.


وعلى خُطى فيلمه السّابق "Barbarian"، يُقدّم كريجر رُعبًا لا يختفي بمجرّد إطفاء الأنوار. إنه رُعب اجتماعيّ، حيث الوحش ليس مخلوقًا خارقًا، بل الآخَر الذي نصنعه بأنفسنا. الإعلام الذي يضخّ الشّائعات، المجتمع الذي يبحث عن كبش فداء والذاكرة الجماعيّة التي تُعيد إنتاج الخوف. أمّا النّهاية المفتوحة، فتترك المُشاهد أمام السؤال المُربك: هل كان الخطر حقيقيًا أم أنّنا اخترعناه؟


قوّة الفيلم تكمُن في طبقيّته، في نصّ متعدّد القراءات، في أداءٍ تمثيلي عميق خاصّةً من برولين وغارنر، وفي إخراجٍ يُتقن اللّعب بالتّوتُر البصري والصّوتي. وغالبًا ما نجد عبر المُشاهدة السّينمائيّة إساءةً في استثمار الإيقاع البطيء والتشظّي السّردي الذي قد يبدو مُربكًا، إلّا أنَّ هذا التشظّي بالذّات هو ما يجعل فيلم "Weapons" صادقًا في تمثيل الفوضى الذهنيّة للمُجتمع!


هو ليس فيلمًا مريحًا، إنّهُ مرآة قاسيةً تعكس لنا ملامح الوحش الذي قد نُصبحه حين يُسيطر الخوف على قراراتنا. في نهاية المطاف، الأسلحة الحقيقيّة ليست تلك التي تُحمل باليد، بل تلك التي نزرعها في العقول والقلوب والنّفوس.