إنّ تاريخ لبنان ينبِئُنا بكون التغييرات الكبرى تقوم على ركائز ثلاث، وهي أوّلًا دموية التغيير، وثانيًا اشتراط عامل الإرادة الخارجية، وثالثًا تخضيع الجماعات الخاسرة. فالمرحلة الانتقالية التي يعيشها لبنان اليوم لن تدوم طويلًا، ومن الحكمة التخلّي عن أيّ وهم بأي أمل معاكس. إذ لا طرف يمتلك حاليًا السطوة على السلطة بمفرده. وهذا وضع شاذّ في نظامنا المركزي حيث أثبتت التجربة كونه محكومًا بلعنة الأحادية والإقصاء. فنظام المتصرفية لم يبصر النور إلّا بعد مجزرتي 1841و 1860 وتدخل الدول الأوروبية الكبرى لنصرة المسيحيين وإخضاع الدروز. ومن ثمّ كيان لبنان الكبير لم ينشأ في العام 1920 إلّا بإرادة فرنسية على وقع مآسي الحرب العالمية الأولى ومجاعة جبل لبنان وهزيمة السلطنة العثمانية وما تلاها من انكسار لإرادة مسلمي المنطقة أمام الاستعمار الغربي المسيحي.
لم ينطلق دور السنة داخل المساحة اللبنانية إلّا مع الميثاق بفطنة الزعيم رياض الصلح، إلّا أنه جرى اغتياله في الأردن في تموز من العام 1951 على يد السوريين القوميين، وكان قد سبق ذلك بأشهر قليلة من العام ذاته وفاة الست نظيرة جنبلاط التي وقفت ضد سلطان باشا الأطرش ورفضت امتداد الثورة العربية إلى جبل لبنان وآثرت بكلّ حزم التمسّك بالكيان الناشئ، حيث مع غياب هاتين القامتين تبدّدت فرصة التوافق على الفكرة اللبنانية، ولم يتبقّ سوى الركيزة المارونية تترنّح بمفردها.
النظام السياسي الجديد الذي كرّس نهاية سلطة الموارنة وبداية حقبة السنية السياسية بحلف مع الاحتلال السوري ومن خلفه توافق سعودي أميركي وفرنسي، ما انطلق إلّا معمّدًا بنهر الدم الذي سال مع الاندلاع المعلن للحرب الأهلية في العام 1975 وكانت تباشير نكبة الموارنة قد لاحت منذ العام 1969 مع اتفاق القاهرة. وكانعكاس له أتى اتفاق الطائف ليكون الوثيقة الرسمية الناظمة لهذا التبدّل، ما يشبه تمامًا اتفاق فيرساي الذي وقّعه الألمان للاستسلام المذلّ بعد خسارتهم الحرب العالمية الأولى. هذا طبعًا وقد وصم هذا التغيير بتهميش المسيحيين والتنكيل بقادتهم.
امتدّت هذه الحقبة منذ العام 1990 حوالى 15 سنة، إلى أن جرى اغتيال رفيق الحريري في العام 2005 بحدث زلزالي، ليس بصفته زعيم السنة في لبنان فحسب بل أحد أبرز زعماء الاعتدال للعالم الإسلامي آنذاك، وقد تبعه اغتيال قادة "14 آذار" التي كانت السنية السياسية تلتف بهم، وفي الوقت ذاته انعقد تفاهم مار مخايل في العام 2006. ثمّ في تموز من العام ذاته، وقعت حرب ضروس بين إسرائيل و "حزب اللّه" الذي نجح في تفادي الهزيمة المطلقة، ما مكّنه من الخروج أقوى من هذه المحنة والسيطرة على الدولة بفعل هذا الزخم ولا سيّما بعد تدفّق أموال إعادة الإعمار إلى خزائنه، وقد كرّس توطيد نفوذه على أثر أحداث 7 أيار في العام 2007 وما رافقها من حملات التقتيل والترويع، وصولًا حتى الإخضاع المطلق للزعامة السياسية السنية وسائر رجالاتها في الحكم.
وكما سابقاتها، تقيّدت الشيعية السياسية أيضًا بشريطة صنع التغيير من خلال مخاض الفترة الدموية الانتقالية الممتدّة بين العامين 2005 و 2007، وبالاتكال على الدعم الخارجي المتمثل بإيران. امتدّت حقبة الشيعية السياسية طيلة 17 عامًا، اتّسمت بميزة التهدئة الصارمة في جبهة الجنوب وانهيار قاعدة حكم القانون في الداخل، وما انتهت إلّا مع خرق الشروط المرسومة دوليًا لهذه الجبهة، فكان اغتيال السيد حسن نصراللّه في 27 أيلول من العام 2024 الحادث الذي يرمز لانهيار هذه التجربة.
إن أفول الشيعية السياسية لم ينتج بفضل أية دينامية داخلية، وبالتالي فإن لحظة النهاية لم تكتب بعد، وحتى الساعة لم تتبلور هوية الطائفة التي ستتزعم النظام المأزوم. فالسنة يعيشون فورة استعادة سوريا إلى أحفاد بني أمية بعد تاريخ طويل من التهميش، وقد يتحقق فعلًا هذا الزخم داخل لبنان في حال كُلّف الطرف السوري بالمساعدة على اجتثاث "حزب اللّه"، في خضم عملية السلام العتيدة مع إسرائيل.
من ناحية ثانية، إن الدروز قد حققوا انتصارًا عسكريًا وسياسيًا في معركة السويداء، ونجحوا في تكريس فدرالية في منطقتهم بتحالف معلن ووثيق مع إسرائيل. فيما ينظر إليهم إخوانهم في العرفان من جبل الشوف بفخر وإعجاب شديدين مع توق لإعادة اللحمة بين القيسيين واليمنيين بعد 300 سنة من الانشقاق. وإذّاك، تكون تجربة حكم الإمارة الدرزية المستعادة من دفاتر التاريخ وإن بصيغة جمهورية، هي النتيجة الحتمية لهذا المسار. إلّا أن ذلك سيتطلب لا محالة توقيع اتفاق سلام بين لبنان وإسرائيل واستكمال الجيش الإسرائيلي استئصال "الحزب". من يدري، إن ممرّ داوود الذي يخطط له بغية ربط حلفاء إسرائيل الأشدّاء من الكرد في شمال شرق سوريا والدروز الموزعين بين السويداء والجولان، لربما له منفذ بحري سري آخر على المتوسط عبر شواطئ لبنان.
والفريق الثالث هو الفريق المسيحي الذي ضاق ذرعًا بالنظام المركزي ويعيش هاجس الأصوليات الإسلامية من كلّ فقه ومذهب، وروحيته ترفض الديكتاتوريات العسكرية الشمولية، بحيث إنه الطرف الأكثر تجهيزًا لإرساء الفدرالية كنموذج لإعطاء الحكم الذاتي للجماعات القلقة في الشرق فضلًا عن استعداده التكويني لاحتضان النفوذ الغربي الذي لا يعتبره نسيجًا غريبًا عن جلدته، وبالسياق نفسه يأتي السلام مع إسرائيل من باب تجديد إقرار معاهدة 17 أيار للعام 1983، متكئًا في ذلك على تجديد الوثائق الأخرى التي لا تقل وزنًا عنها كما هي المبادرة العربية للسلام من بيروت للعام 2000، أو حتى اتفاقية الأمير فيصل مع حاييم وايزمان للعام 1919. هذا المسار إن صح لا محالة، فسيترافق بمأساة قد تأتي بالوبال على الشيعة عبر استقدام الأساطيل العسكرية الغربية من كل حدب وصوب لاجتثاث "حزب اللّه" من الوجود، إذ إنه قد يشارك في القتال ضده إخوة له من أبناء جلدته وبيئته، لا سيّما أن هؤلاء الإخوة بالذات لطالما كانوا رأس الحربة في الحفاظ على المصالح الأميركية في لبنان، وبالوقت ذاته أصحاب مرونة سياسية منقطعة النظير في التعامل مع الحكم المسيحي.
العقدة أن سطوة أي طرف على السلطة لن تمرّ بسلاسة مع سائر الطوائف، والجميع مستعدّ للقتال بأنيابه وأظافره للسيطرة على لبنان. إن لم يتفق اللبنانيّون من كلّ الطوائف على صيغة جديدة تؤمّن السلام والازدهار والاستقرار لمئة سنة مقبلة، قبل فوات الأوان، فإن ما ينتظرنا في المستقبل القريب هو الخراب الآتي.
محامٍ وباحث في مجال حقوق الإنسان والفدرالية