عشية عيد الجيش اللبناني، في 31 تموز 2025 أطلق رئيس الجمهورية اللبنانية جوزاف عون خطاباً بمثابة خطاب القسم الثاني، وهو امتداد للقسم الأول، ولكن مع إسقاط فكرة الحوار حول السلاح غير الشرعي وتحديداً سلاح "حزب الله"!
في السراي الحكومي، وبعد عيد الجيش اللبناني بخمسة أيام وبعدها بيومين، عقدت جلستان تاريخيتان لمجلس الوزراء، مصيريتان بالنسبة لمفهوم الدولة وحاسمتان فيما يتعلق بنهائية الكيان اللبناني، اتخذ فيهما قرار حصر السلاح غير الشرعي بيد الدولة اللبنانية، وقرار ما بعد نزع هذا السلاح، ما أدى إلى انسحاب وزراء الثنائي الشيعي من الجلسة الأولى و بقي الوزير الشيعي الخامس فادي مكّي مشاركاً، في حين انسحب جميع الوزراء الشيعة الخمسة من الثانية.
على أثر ردة الفعل "الشيعية" عاد إلى أذهان اللبنانيين فوراً سوابق التعطيل التي مارسها الثنائي طيلة الفترات السابقة وخاصة بعد انسحاب الجيش السوري من لبنان مع أول مشاركة لـ "حزب الله" في الحكومات، من تعليق مشاركتهم بحكومة الرئيس فؤاد السنيورة عند طرح طلب تشكيل محكمة دولية خاصة باغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وسميت يومها بالحكومة البتراء، مروراً قرار منع الحزب من مد شبكة الاتصال الخاصة به، فاحتل الحزب بيروت وجزءاً من الجبل وذهب الجميع إلى الدوحة، إلى يوم أسقطوا باستقالتهم مع حلفائهم حكومة الرئيس سعد الحريري، من دون أن ننسى فترات تعطيل انتخاب رؤساء الجمهورية وتشكيل الحكومات ليبدأ طرح التساؤلات حول كيف سيواجه الحزب قرار الحكومة بحصرية السلاح؟
لا شك أنّ التعطيل الذي فرضه "حزب الله" طيلة الفترات السابقة وحتى عندما وجّه سلاحه نحو اللبنانيين، كان مباركاً لدى شريحة أساسية من القوى السياسية، فـ "التيار الوطني الحر" و"حركة أمل" و"تيار المردة" و"الحزب السوري القومي" وبعض النواب السنة وبعض القيادات الدرزية، تحت تجمع 8 آذار كانوا داعمين لكل تجاوزاته، وشكل هذا الدعم شرعية وانقساماً داخل الشارع اللبناني وغطاء لكل ما قام به، فأين الحزب منها اليوم بعدما أعلنت جميع القوى السياسية موافقتها على ضرورة حصرية السلاح وأبرزهم الحليف التوأم والأخ الشيعي الأكبر، الرئيس نبيه بري! ليترك الحزب وحيداً.
أداة تعطيلية ثانية، اخترعها الحزب واستخدمها في بلطجيته، "الميثاقية"، التي أسقطها مجلس الوزراء الحالي بعد جلسته في الخامس من آب يوم أعلن وزير الإعلام مقررات الجلسة معتبراً أنّها "ميثاقية" رغم انسحاب وزراء الثنائي، ما يعتبره المراقبون مشهداً مختلفاً كلياً عن سابقاته، إلا أن اللافت، تأكيد الرئيس برّي بأن المشاركة في الحكومة ستكون "على القطعة" ولا اعتكاف ولا استقالة، بعدما سُرّب بأن رئيسي الجمهورية والحكومة مستعدان لإقالة الوزراء وتعيين آخرين عنهم في حال اعتكافهم ومحاولة تعطيل عمل الحكومة! ليترك الحزب مرة جديدة، وحيداً.
فما الخيارات المطروحة أمام الحزب؟
أولى ردات الفعل كانت إخراج مسيرات الدرجات النارية في محاولة، تقول بعض المصادر إنّها ستتكرر حتى تاريخ طرح خطة الجيش على طاولة مجلس الوزراء نهاية هذا الشهر، ليبنى بعدها على الشيء مقتضاه، هدفها إثارة القلق في الشوارع وضرب صورة الاستقرار في لبنان خاصة في الموسم السياحي وإرسال جو من الفلتان والزعزعة الأمنية للخارج، إضافة لاعتباره محاولة للضغط على الجيش وإشغاله وإتعابه وهو يحاصر هؤلاء في مناطقهم، فجاء الرد على خطة الحزب برفض حركة أمل مشاركة عناصرها ومناصريها في تلك التحركات رافقه صمت مطلق من قبل الحلفاء، خرقه استنكار لتلك الأعمال أحياناً، ليترك الحزب حتى شكلياً، وحيداً.
جريمة تفجير مستودع الذخيرة التابع للحزب بعناصر الجيش اللبناني ورغم عدم انتهاء التحقيق واتهام أحد رسمياً، إلا أن أصابع الاتهام تتجه برأي عدة محللين ومتابعين باتجاه الحزب، كما أن البعض عبّر عن أن أحد الخيارات يبقى بإحداث فوضى أمنية في البلد عبر تحريك مجموعات تابعة له كسرايا المقاومة أو خلايا نائمة لإلهاء الجيش ومنعه من تنفيذ خطته في نزع السلاح.
وبعدما تخلى الجميع عن خطط ومشاريع "حزب الله" في الداخل والخارج، يأتينا اليوم أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني، في محاولة لتخفيف الضغط على الحزب من المقربين قبل البعيدين، آتياً من العراق حيث طالب بضرورة دمج الحشد الشعبي، "كفصيل مسلح تابع لإيران" داخل مؤسسة الجيش الوطني العراقي، ويرجح أن يطرح في لبنان تسوية شبيهة بتلك التي عرضها في العراق، إضافة لمحاولة إعادة إحياء فكرة الحوار عن جديد بين رئيس الجمهورية والحزب، مع العلم أن الظروف في لبنان أصبحت معاكسة أكثر، إلا أن هدف الزيارة الأساسي هو رسالة للخارج، بأن السلاح، إيراني، وأي قرار يتعلق بهذا السلاح يجب مناقشته مع الجمهورية الإيرانية التي تمتلك وحدها قراره! ما وضع مصير حزب الله في الدرجة الثانية بعد مصير السلاح كورقة تفاوض إيرانية.
لا شك أن الأمور مفتوحة على مصراعيها، ولكن المؤكد أن الحزب خسر أبرز أوراقه بعد خسارته الغطاء الوطني والشرعي والشعبي خاصة من أقرب المقربين كحركة أمل والتيار الوطني الحر، وسحبت من ورقة الميثاقية بسبب الاتفاق الواسع بين رئيسي الجمهورية والحكومة فهل يتجرأ ويورط الطائفة الشيعية بالخيارات المدمرة التي بقية أمامه أم ينصاع للأمر الواقع؟! الواضح أن القيادة الإيرانية مصرّة على التضحية بهم حتى آخر شيعي في لبنان.