ينتظر المتابعون للعلاقات الأميركية - الروسية وملف الغزو الروسي لأوكرانيا، اللقاء المرتقب بين الرئيسَين ترامب وبوتين المقرّر عقده في قاعدة "إلمندورف - ريتشاردسون" المشتركة في مدينة أنكوراج بولاية ألاسكا الأميركية غدًا الجمعة. ستكون هذه القمّة أوّل زيارة لبوتين إلى بلاد "العم سام" منذ عام 2015، وأوّل "محطّة أميركية" له خارج إطار اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك منذ عام 2007. ألاسكا، التي كانت يومًا تابعة للإمبراطورية الروسية قبل أن تشتريها أميركا منها عام 1867 مقابل 7.2 ملايين دولار، ستحتضن قمّة مفصلية يصفها الخبراء بـ "التاريخية"، بصرف النظر عن نتائجها. اختيار ألاسكا بحدّ ذاته له دلالات تاريخية ووجدانية وسياسية كبيرة، حيث تضمّ الولاية كنائس عريقة تعلوها قبب تحاكي الطابع المعماري للكنائس الأرثوذكسية.
جرت العادة أو ربّما شاءت الصدف أن يحصل لقاء بين زعيمَي أميركا وروسيا، إن كان من خلال قمم رسمية منفردة أو على هامش قمم جماعية، في أوّل 6 أشهر من عهد الرئيس الأميركي الجديد، منذ الرئيس الأسبق بيل كلينتون. في التوقيت، لا تغيير يُذكر، إذ إن لقاء ترامب - بوتين يأتي متأخرًا قليلًا بحكم تعقيدات حرب أوكرانيا والعلاقات الثنائية والبيئة الجيوسياسية الدولية. وكان ليكون اللقاء بعيدًا أكثر لولا إبداء ترامب امتعاضه من بوتين وتلويحه بسيف العقوبات القاسية، ما دفع ضابط الـ "كي جي بي" السابق إلى طلب لقاء قمّة لمداراة ترامب وتهدئة التوتر وشراء بعض الوقت، فيما يدفع بقوّاته لإحراز مكاسب مهمّة في الميدان الأوكراني، حيث حقّق الجيش الروسي الثلثاء أكبر تقدّم له، خلال 24 ساعة، منذ أكثر من عام، ما يعزّز من وضعيّة بوتين التفاوضية على "طاولة ألاسكا".
كثيرة هي التحليلات التي تحاول استشراف ما قد ينتج عن هذا اللقاء، لكنّني سأقدّم هنا سيناريو مفترض لحوار يدور بين "رجل الصفقات" و"القيصر" في زمن التحوّلات الجيوستراتيجية المتسارعة. بعد مصافحة طويلة يُحاول ترامب خلالها إبراز قوّته البدنية و"غلبته" وسط ابتسامات وتحيات متبادلة بين الرجلين و"كلام معسول" خاطف أمام عدسات الكاميرات العالمية، يدخل الزعيمان في "خلوة" مطوّلة لبحث مسارات حرب أوكرانيا وإعادة رسم الخرائط والعلاقات الثنائية والدولية. يتوجّه ترامب إلى بوتين، طبعًا بعد حديث تودّدي مقتضب، قائلًا: "لا أريد أن يموت المزيد من المدنيين والجنود في حرب مجنونة. صدّقني، تكاد السيّدة الأولى ميلانيا لا تفوّت فرصة للفت انتباهي إلى المآسي في أوكرانيا. أتعلم شيئًا، معها حق. أستطيع القول إننا نتفق على أنه لا جدوى من إرسال المزيد من آلاف الجنود الروس أسبوعيًا إلى موت محتّم في هذه الحرب العبثية؟ أليس كذلك؟".
يُسارع بوتين إلى الإجابة قائلًا: "المعضلة بالنسبة إلينا أعمق بكثير من أرقام الجنود القتلى. فلو كان المعيار عدد القتلى، لكنا خسرنا في الماضي ستالينغراد ومعها "الحرب الوطنية العظمى". إنها مسألة حيوية لروسيا، بل وجودية. وفي الحروب الوجودية، يذهب الروس إلى أقصى حدّ للحفاظ على أمّتهم وكرامتها. والتاريخ مليء بالشواهد على ذلك". ويضيف: "نحن مصمّمون على تحقيق أهدافنا من هذه "العملية العسكرية الخاصة"، ولو مهما بلغت التضحيات والأثمان". يتوقف الرئيس الروسي عن الحديث فيُبادر ترامب إلى القول: "دعني أعترف لك بأمر، أنت من الزعماء الذين أجد صعوبة بالغة في إقناعهم بفكرة معيّنة. لا بأس. لكن علينا الاتفاق على "أمر ما بالمنتصف" أستطيع تسويقه مع الأوكران والأوروبّيين". ويتابع: "أنت تعرفني جيّدًا، لن أعطي أبدًا المجال للإعلام الكاذب بتشبيهي برئيس الوزراء البريطاني الراحل نيفيل تشامبرلين"، الذي سمح لألمانيا النازية بضمّ إقليم سوديتنلاند من تشيكوسلوفاكيا باتفاق ميونيخ الشهير عام 1938، من أجل استرضاء هتلر ومنع الحرب.
يردف ترامب بكياسة ولباقة لكي لا يبدو وكأنه يتهكّم من نظيره الروسي: "لنكن واقعيين، وأعلم أنك قائد قوي وذكي. إذا ما أردنا المقارنة، فإن قدرات روسيا المنهكة اليوم ليست قريبة من حجم قدرات ألمانيا النازية عام 1938 على الساحة الأوروبّية. دعني أقول لك أيضًا إن وضع أوكرانيا ليس جيّدًا، لكنهم شعب جبّار كما بدا لي، وما زالوا يقاومونكم بضراوة. لهذا، علينا تهيئة الظروف لصفقة "رابح - رابح" لا يخرج منها أحد خاسرًا بشكل كامل، وإن لم تكونوا أنتم والأوكران سعداء كثيرًا بالمحصّلة. فالتسويات الناجحة هي تلك التي لا ترضي أحدًا". يتدخل بوتين بسرعة ليقول: "بكلّ صراحة، لسنا على عجلة في أمرنا لإنهاء عمليّتنا العسكرية من دون تحقيق أهدافنا المرسومة لها. لا مشكلة إن تمكّنا من الحصول على مرادنا بالدبلوماسية، بطبيعة الحال، لكن التنازل من قبلنا غير وارد، إلّا إن لم يمسّ بجوهر الغاية التي نستهدفها".
يردّ ترامب: "حسنًا. من الواضح أن المفاوضات ستكون عسيرة. لنرَ ما نستطيع انجازه. آمل في أن لا أضطرّ إلى فرض عقوبات مؤلمة على بلادكم، فأنا أحبّ الشعب الروسي. في كلّ الأحوال، لا بدّ من الإشادة بصديقي ويتكوف الذي عمل جاهدًا لترتيب هذا اللقاء الرائع". فيعلّق بوتين: "ويتكوف رجل رصين وحكيم. وأصبح بإمكاني أن أقول عنه "الصديق" ويتكوف نظرًا إلى كثرة اللقاءات التي جمعتني به في الأشهر الأخيرة. أعتقد أنها خمسة. آمل في أن ألتقيه في ظلّ ظروف أفضل في المرّة المقبلة". فيوافقه ترامب قائلًا: "لنأمل ذلك". لا أحد يستطيع التكهّن بما قد يصدر عن "قمّة ألاسكا"، بيد أن الخبراء، رغم عدم تفاؤلهم، لا يستبعدون إمكان إعلان التوصّل إلى "هدنة" تثبّت الخطوط القائمة على الأرض، ربّما مع إدخال بعض التعديلات، لفترة زمنية تكون قابلة للتمديد.
نجاح "قمّة ألاسكا" سيُمهّد لعقد لقاء بين الرئيسَين بوتين وزيلينسكي برعاية ترامب، ما يُعبّد الطريق أمام صياغة اتفاق سلام. عدا عن ذلك، فإن الحرب لن تضع أوزارها قريبًا. على الصعيد الثنائي، قد يتفق الطرفان على إطلاق مشاورات تقنية للعمل على تمديد معاهدة "ستارت الجديدة" التي تنتهي في 5 شباط 2026، أو حتى إعلان تمديدها، والعمل على إحياء معاهدات واتفاقات أخرى استحالت منتهية الصلاحية، فضلًا عن تفعيل التواصل الثنائي على أكثر من مستوى لمعالجة القضايا العالقة وتفادي أي سوء تقدير مستقبلًا.