يستغرب اللبنانيون اليوم هذا الإصرار الإيراني على بقاء سلاح حزب الله، رغم أن هذا السلاح أثبت عجزه عن "ردع" إسرائيل، وفشل في تحقيق ما كان يُسوَّق له تحت شعار "توازن الرعب". فهذه الأساطير والدعايات السياسية التي انطلت لسنوات على شريحة من اللبنانيين تبخّرت مع حرب الإسناد الأخيرة، لتتحول المعركة إلى الدفاع عن السلاح من أجل السلاح فقط.
ومؤخراً، ازداد استغراب اللبنانيين حيال اللغة المتشددة التي تعتمدها إيران في موضوع السلاح، خاصة بعد تصريحات مستشار المرشد الأعلى الإيراني والسفير الإيراني في بيروت، والتي تلتها الزيارة الغير رسمية لعلي لاريجاني إلى لبنان، في تجاهل واضح للأعراف الدولية واللياقات الدبلوماسية بين الدول.
لفهم ما يجري اليوم، لا بد من العودة إلى الجذور، إلى كتب الإمام الخميني ومعتقداته وأفكاره، خصوصاً أن حزب الله يُعدّ أول مولود للثورة الإسلامية خارج إيران، وبمباركة مباشرة من الخميني نفسه
منذ أكثر من خمسة عقود، صاغ الإمام الخميني رؤية للثورة الإسلامية تتجاوز حدود إيران، لتصبح رسالة عالمية. في كتابه "الحكومة الإسلامية"، أكّد الخميني على هذا الطموح قائلاً: "إننا لا نعتبر أنفسنا دولة فقط، بل دولة تصدّر الثورة الإسلامية إلى كل العالم الإسلامي." وضع الخميني في هذا الكتاب خطة محكمة لنشر سلطة "الحكومة الإسلامية" أو "ولاية الفقيه" لتشمل العالم، مستندًا إلى مبدأ التدرج في القوة والتوسع الشعبي.
يُعدّ هذا المبدأ حجر الزاوية في السياسة الإيرانية بعد الثورة، حيث قامت على دعم وإنشاء أذرع مسلحة وتنظيمات سياسية موالية لها خارج حدودها. وقد استفادت إيران بشكل كبير خلال حربها مع العراق من الاعتقاد الغربي، وخاصة الأمريكي، أن التطرف الشيعي الذي يمثّله النظام الإيراني قد يكون أقل خطورة من التطرف السني الذي كانت تمثله القاعدة آنذاك.
وقد رسّخ التبادل التجاري العسكري بين إسرائيل وإيران خلال الحرب، والذي عُرف لاحقًا بقضية إيران-كونترا (Iran-Contra)، هذه النظرية الغربية. في هذا السياق، يذكر الدبلوماسي الإيراني السابق منصور فارهانج في دراسة بعنوان "العلاقات الإسرائيلية-الإيرانية" (1989): "إنّ حسابات الواقع هي التي فرضت على طهران اللجوء إلى إسرائيل. فإيران، التي كانت تخوض حرباً ضد العراق بدءاً من عام 1980، كانت بحاجة شديدة لقطع غيار للطائرات والمعدات العسكرية الأمريكية. وحيث إن واشنطن كانت قد قطعت علاقاتها مع طهران على خلفية احتجاز رهائن أمريكيين، لم يكن أمام النظام الإيراني سوى اللجوء إلى إسرائيل."
ساهمت سياسات الرئيس الأمريكي باراك أوباما بشكل كبير في تعزيز الاعتقاد الغربي بإمكانية التعاون مع إيران. بدأ أوباما مبكرًا، خلال حملته الانتخابية، بالإعلان عن نيته اعتماد مقاربة جديدة تجاه إيران تقوم على الانفتاح والدبلوماسية، بدل سياسة العزل والعقوبات التي اعتمدها سلفه جورج بوش الابن. كان أوباما يعتقد أن معالجة الهواجس الأمنية الناتجة عن العلاقات المتوترة مع إيران ستحد من طموحاتها النووية.
في ذلك الوقت، كانت إيران قد استفادت من انهيار نظام الرئيس صدام حسين في العراق وبدأت بإمتلاك قدرات استخباراتية سمحت لها بالتدخل بقوة في الأزمات العربية، فأصبحت المحرك الأساسي لحالات عدم الاستقرار في كل من العراق ولبنان وفلسطين وسوريا واليمن ومنطقة الخليج. ردت طهران بإيجابية على خطوات أوباما، حيث صرّح الرئيس الإيراني الأسبق آية الله هاشمي رفسنجاني في 30 ديسمبر 2009 أن طهران "تنصت بانتباه تام إلى إشارات التغيير الصادرة عن واشنطن".
كان قرار أوباما تخفيف العقوبات على طهران، متبوعًا بقرار الانسحاب من العراق، بمثابة فرصة ذهبية لإيران للوصول إلى البحر المتوسط عبر ما سُمّي إعلاميًا بـ"الهلال الشيعي" الذي ربط طهران بقاعدتها الأساسية في بيروت والتى بدأ بناؤها منذ ١٩٨٢ تحت ستار مقاومة الاحتلال الاسرائيلي.
يُعدّ حزب الله في لبنان أول وأنجح تجربة إيرانية لخلق كيان شعبي- عسكري خارج حدودها يؤمن بولاية الفقيه. استغل الحزب غياب الدولة اللبنانية وضعفها نتيجة الحروب والاحتلالات، ليصبح حجر الأساس في شبكة النفوذ الإيراني، التي امتدت لاحقًا لتشمل الحشد الشعبي في العراق، والحوثيين في اليمن، والفصائل المسلحة في سوريا. لعب حزب الله دورا اساسيا في العمليات ضد إسرائيل ولكنه في الوقت ذاته عمل على القضاء الكامل على المقاومة الشعبية اللبنانية لإسرائيل والتي بدأها حزبين علمانيين هما الشيوعي والقومي.
ليتمكن من إحكام قبضته على الطائفة الشيعية والمقاومة الوطنية، ساهم في تصفية المفكرين الشيوعيين مما نقل القرار الشيعي من يد الشيوعيين الى قبضة حزب الله ونقل المقاومة من لبنانية نابعة من حركة شعبية ضد جيش محتل الى إسلامية تابعة لاستراتيجية مصالح وأهداف الولي الفقيه في إيران.
في خطاب عام 1979، وصف الخميني الثورة الإسلامية بأنها "نداء للمستضعفين في كل أنحاء العالم"، وحثّ المؤمنين على دعمها ونشرها. هذا ما يفسر الدعم الإيراني الممنهج لحزب الله، الذي يعمل كأداة عسكرية وسياسية رئيسية لتحقيق التمدد الإقليمي.
هذا النهج لا يختلف في جوهره عن أيديولوجيات توسعية أخرى في القرن العشرين، مثل الشيوعية السوفياتية التي دعمت الأحزاب الشيوعية العالمية، أو الفكر النازي الذي صدّر أفكاره عبر حركات سياسية عنيفة بهدف توسيع نفوذ "العرق الألماني".
لكن ما يميز النموذج الإيراني هو جمعه بين الأيديولوجيا الدينية والهيكل العسكري المحكم. هذا المزيج الفريد منحه قوة صمود وتأثيرًا عميقًا في بيئات مختلفة، مستندًا إلى أدبيات الثأر ومظلومية أهل البيت. لذا، يُنظر إلى سقوط حزب الله باعتباره بداية لانهيار هذه الشبكة بأكملها.
بعد قرارات الحكومة اللبنانية الأخيرة، أصبحت مواجهة هذا الواقع المعقد ضرورة حتمية. يدرك الجيش اللبناني أن مهمته محفوفة بالمخاطر، بدءًا من الحساسية الطائفية التي تهدد وحدته، وصولًا إلى مواجهة إقليمية تتشابك فيها حسابات المفاوضات النووية وتوازنات القوى في الشرق الأوسط لهذا على قيادته الانتصار على عقدة الخوف والتصرف بحكمة وذكاء لتنفيذ القرارات الحكومية عبر عزل تأثير حزب الله على المجتمعات الأخرى في لبنان ومحاولة نزع سلاحه مرحليا ضمن خطة تحفظ هيبة الدولة وقوة الجيش.
مما لا شك فيه أنه لم يعد أمام الدولة اللبنانية من خيارات أخرى. ففشل الدولة في حسم هذا الملف قد يفتح الباب أمام قوى إقليمية أخرى مثل إسرائيل والنظام السوري لفرض وقائع جديدة على الحدود اللبنانية، مما يهدد وجود لبنان نفسه.
يقف لبنان اليوم أمام خيار تاريخي: إما أن يواجه مشروع تصدير الثورة الذي يُنفّذ على أرضه، أو أن يصبح ساحة للصراعات الإقليمية. لقد أثبت التاريخ أن الأيديولوجيات التوسعية لا تبني الأوطان ولا تتوقف عند الحدود، إلا إذا واجهتها مقاومة متكاملة على كافة الأصعدة: السياسية، والعسكرية، والاقتصادية، من شعب حر يؤمن باستقلال بلاده.