جاد الاخوي

لبنان يرفع السقف في وجه لاريجاني: السيادة ليست بنداً للتفاوض

4 دقائق للقراءة

تحوّلت زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، علي لاريجاني، إلى بيروت، من مناسبة بروتوكولية إلى مواجهة سياسية ودبلوماسية مفتوحة حول مفهوم السيادة وحدود التدخل الخارجي في الشأن اللبناني. منذ لحظة الإعلان عن الزيارة، تصاعد الجدل في الأوساط السياسية والشعبية، خاصة بعد التصريحات التي أدلى بها لاريجاني في وقت سابق، والتي تناولت ملف السلاح في لبنان وكأنه شأن داخلي إيراني، ما أثار استياءً واسعاً واعتُبر تعدياً على الكرامة الوطنية.



الرسائل اللبنانية هذه المرة لم تكن مبطنة. فقد افتتحت الزيارة بمقاطعة وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي لاستقبال لاريجاني، في خطوة تعكس رفض الانخراط في مراسم شكلية قد تُقرأ وكأنها إضفاء شرعية على مواقف متجاوزة لحدود اللياقة الدبلوماسية. هذه المقاطعة كانت أول مؤشر على أن الدولة اللبنانية – أو على الأقل بعض مؤسساتها – ليست في وارد تمرير هذه الزيارة مرور الكرام.



المحطة الثانية كانت في السراي الحكومي، حيث التقى لاريجاني رئيس الحكومة نوافس سلام في أجواء مشحونة، اتسمت بالتوتر والفتور الواضح. مصادر سياسية وصفت اللقاء بأنه “قصير وبارد”، مؤكدة أن رئيس الحكومة لم يساير الضيف في طرحه، بل تمسك بموقف مبدئي مفاده أن ملف السلاح شأن لبناني داخلي بحت، يحسمه اللبنانيون عبر مؤسساتهم الدستورية. لم يخرج لاريجاني من السراي بصورة الفاتح الذي يفرض أجندته، بل بصورة الضيف الذي يواجه تحفظاً صريحاً.



أما المحطة الأبرز فكانت في قصر بعبدا، حيث استقبله رئيس الجمهورية جوزاف عون بكلمات مباشرة وحادة حول مفهوم السيادة. الرئيس أكد أمام لاريجاني أن لبنان، رغم أزماته، لا يقبل الوصاية من أي جهة، وأن الاحترام المتبادل هو الأساس لأي علاقة تعاون مع الخارج، مشدداً على أن السلاح شأن يقرره اللبنانيون حصراً، من خلال حوار وطني ومؤسسات شرعية، وليس عبر تصريحات أو ضغوط خارجية.



في المقابل، حاول لاريجاني أمام وسائل الإعلام تصوير زيارته على أنها موضع ترحيب رسمي، وأن لقاءاته كانت مثمرة، لكن الوقائع الميدانية والدبلوماسية عكست صورة مختلفة تماماً. فمن المقاطعة الوزارية إلى المواقف الحادة في الاجتماعات، كان واضحاً أن لبنان أراد إرسال رسالة حازمة: القرار اللبناني ليس مباحاً، وأبواب بيروت ليست مشرعة أمام أي تدخل خارجي في قضاياه المصيرية.



هذه المواقف ستكون لها انعكاسات مباشرة على أكثر من مستوى. سياسياً، أظهرت أن الدولة اللبنانية قادرة – متى أرادت – على اتخاذ مواقف صلبة تحفظ كرامتها وتعيد رسم خطوطها الحمراء، ما يفتح الباب أمام إعادة ترميم صورتها أمام الرأي العام الداخلي والخارجي. شعبياً، ولّدت هذه الخطوات شعوراً إيجابياً لدى فئات واسعة من اللبنانيين الذين اعتادوا رؤية دولتهم تتساهل أمام الإملاءات الخارجية، معتبرين أن ما حصل هو نموذج يجب تعزيزه في المستقبل.



دبلوماسياً، حملت الرسائل اللبنانية أكثر من إشارة إلى العواصم العربية والغربية. فهي أولاً تؤكد أن بيروت ليست أسيرة بالكامل لمحور إقليمي بعينه، وثانياً تثبت أن لبنان، رغم ضعف إمكاناته، قادر على حماية هيبته إذا توافرت الإرادة السياسية. لكن في المقابل، فإن أي تراجع عن هذه المواقف مستقبلاً قد يُفهم على أنه تنازل مجاني، ويفقد الدولة ما كسبته من احترام في هذه المحطة.



اقتصادياً، من شأن تثبيت مبدأ الاحترام المتبادل في العلاقات الخارجية أن يفتح الباب أمام علاقات متوازنة أكثر مع شركاء محتملين في المنطقة والعالم، خاصة أن كثيراً من الدول المانحة تربط دعمها للبنان بمدى التزامه بسيادته وقراراته المستقلة. أما إذا استمر السماح بتدخلات مماثلة من دون رد، فإن لبنان سيظل في دائرة العزلة والارتهان.



الدرس الأهم من زيارة لاريجاني هو أن السيادة ليست شعاراً يرفع عند الحاجة، بل ممارسة يومية تتجلى في القرارات والمواقف الرسمية. فما حصل يثبت أن بإمكان الدولة، حتى في أضعف لحظاتها، أن تقول “لا” بصوت واضح لمن يتخطى حدودها. والسؤال المطروح الآن: هل سيكون هذا الموقف بداية لنهج جديد في التعاطي مع الضغوط الخارجية، أم أنه مجرد استثناء في لحظة توتر عابرة؟