فعلها رئيس الحكومة نواف سلام، و"تجرأ" ليس على صياغة بيان وزاري يجاهر بحصرية السلاح بيد الدولة مسقطًا ثلاثية "جيش - شعب - مقاومة" وحسب، بل على دفع حكومته نحو وضع جدول زمني لحصر السلاح حتى نهاية العام عبر خطة يضعها الجيش اللبناني، ورده عالي السقف على كلام أمين عام "حزب الله" الشيخ نعيم قاسم الذي "يحمل تهديدًا مُبطنًا بالحرب الأهلية، ولا يوجد أحد في لبنان اليوم يريد الحرب الأهلية، والتلويح بها مرفوض تمامًا". هذا ولم يكتف بالرد على وكيل إيران في لبنان، بل ذهب للجم "الأصيل"، بقوله لأمين مجلس الأمن القومي الإيراني علي لاريجاني، بأن المواقف الإيرانية تجاه لبنان تحمل تهديدًا صريحًا وهي مرفوضة شكلًا ومضمونًا.
هكذا انتقل سلام مرشح ثورة 17 تشرين "شكلًا"، إلى مرشحها "مضمونًا". فبعد "إحباط" هذا الشارع من أداء الحكومة، سيما في ملفي التعيينات التي اتخذ بعضها طابع "مسايرة" الدولة العميقة، وتسليم سلاح "حزب الله"، لا عجب إن تباهى شارع الثورة اليوم بـ"انتصار" على مستوى خياره "الدائم" و"الأوحد" لأكثر من 5 سنوات، بترشيح نواف سلام لرئاسة الحكومة.
إلا أنّ "انتصارًا" آخر كانت تسجله العاصمة بيروت، التي دفعت ثمن الإبقاء على سلاح "حزب الله" في 7 أيار، وللمفارقة، فقد ردّ لها الرئيس نواف سلام -"ابن بيروت" اعتبارها في جلسة 7 آب الحكومية.
لكن بيروت "الفرحة" تعاني من "تروما" القرارات السيادية، فالسابع من أيار 2008، أتى ردًا على قرار حكومة الرئيس فؤاد السنيورة باعتبار "شبكة الاتصالات الهاتفية لـ "حزب الله" غير شرعية وغير قانونية"، فكيف بقرار نزع سلاح "الحزب" بالكامل وليس فقط تفكيك شبكته؟
أول عوارض "التروما" الذي عززته هجمة "حزب الله" على سلام، جمهورًا ونوابًا، وأمينه العام نعيم قاسم الذي هدد الحكومة: قلق الشارع البيروتي من "اغتيال معنوي" لسلام والتفافه حوله، كممثل للشرعية في وجه السلاح غير الشرعي.
فماذا يقول الشارع البيروتي عن أداء سلام وقرار حكومته بوضع خطة ومهلة زمنية لتسليم السلاح؟
بيروت كامتداد للمزاج اللبنانيّ
في كورنيش المزرعة، مرورًا بطلعة الجامعة العربية، والملعب البلدي ونزلة المقاصد في الطريق الجديدة، نظرات متعبة لمواطنين غيّبت عنهم الدولة لعقود: بدءًا من كهرباء ومياه مقطوعة في حرّ آب نتيجة تحالف المافيا والميليشيا، وصولًا إلى سلاح الميليشيا نفسه، والذي يمنع قيام الدولة، وما أجمعوا عليه جميعهم، كان الحاجة إلى الدولة. أما في ما خص سلاح "الحزب"، فكان تسليمه، لأنه "صار وقت نعيش... وما بدنا حروب عبثية لا مع إسرائيل ولا غيرها".
ولا يهمّ أهالي بيروت، إن أتى قرار حكومة سلام بإقرار أهداف الورقة الأميركية لتثبيت وقف إطلاق النار، التي استلمتها من السفير توم براك، بضغط خارجي أو أتى نتيجة الإرادة الداخلية. فالمهم برأيهم، أنهم يلمسون للمرة الأولى منذ 7 أيار 2008، "جدية" في نزع سلاح "حزب الله" وكل سلاح غير شرعي، لدى الحكومة ورئيسها.
هيام التي تعرّف عن نفسها أنها ابنة ثورتي 14 آذار و17 تشرين اللتين "واجهتا السلاح غير الشرعي بوعي شعبي سلمي"، تذكّر كيف ساعد "حزب الله" برفع شعبية خصومه السياسيين تاريخيًا، بمجرد حملهم شعار نزع السلاح، "فكيف بشخصية انتقلت من الشعار إلى الإقدام على التنفيذ؟ وهذا تحديدًا ما فعله الرئيس نواف سلام".
هيام التي تفتخر بأن سلام أتى من إرادة ثورة 17 تشرين، راضية عن أدائه في ملف حصر السلاح بيد الدولة. "فقراره الجريء إنما يعكس خلفيته كرجل قانون وشرعية وقاض دولي يذهب بالملف للآخر وماض بتحقيق القرارات الدولية وفي طليعتها القرار 1701، غير مكترث بالتهديدات، ولم يسبق لنا أن رأينا رئيس حكومة تعامل في هذا الملف بكل هذه الشجاعة والقلب القوي".
وعن اتهامه بتنفيذ حصر السلاح وقرار السلم والحرب بيد الدولة "بتوقيت دولي"، تذكّر بأن القرار هو مطلب لبناني أقله منذ حرب تموز 2006، لا بل إن عدم تحقيقه يخالف المصلحة العامة والدستور اللبناني واتفاق الطائف، وهو ما حرص سلام على تبيانه بعد جلسة مجلس الوزراء، إذ اقتبس مع كل هدف من أهداف الورقة الأميركية التي أقرها المجلس في ما خص السلاح، من مواد الدستور اللبناني والطائف، ليثبت "لبنانية" أهداف تلك الورقة.
وتتساءل، لماذا عندما طبّق سلام ما وعد بتطبيقه في البيان الوزاري، وهو مدرج في اتفاقية وقف إطلاق النار بين لبنان واسرائيل، الموقعة من رئيس مجلس النواب نبيه بري، هوجم سلام ولم يهاجم بري عند التوقيع؟ وهل يوقّع "الثنائي الشيعي" تحت الطاولة وفوق الطاولة يصرخ حفظًا لماء الوجه أمام جمهوره؟ معتبرة أن "حزب الله" يأخذ سلام كـ "شماعة وكبش محرقة" لأنه لا قدرة لديه على مواجهة الجيش اللبناني وافتعال فتنة، لكنه من حيث لا يدري، أمّن له باتهامه بالعمالة ودهس صوره، قاعدة جماهيرية وازنة.
الشجرة المثمرة ترمى بالحجارة
تحت فيء شجرة في الطريق الجديدة ومن وحي "قعدته"، يختصر العم أبو محمد الهجمة على سلام بقوله "الشجرة المثمرة ترمى بالحجارة"، مضيفًا "يا في دولة يا ما في دولة". سائلًا مين قال كل الشيعة بلبنان مع "الحزب"؟ في ناس انهدمت بيوتا وراحت أرزاقا ضدّن ومتلا متلنا بدّا تبني بلد" ومش عم تسترجي تعبّر عن رأيها".
"الحريري وبس"... ولكن!
نسأل رجلين في العقد الخامس من عمرهما، يرميان النرد على طاولة زهر، عن أداء رئيس الحكومة في ملف السلاح. سرعان ما يعلق أحدهما: "بس تا خبرك، نحنا جماعة سعد الحريري، يعني شو ما سألتينا، سعد هو زعيمنا".
ولعل هذا التعليق كاف لتبيان قلق بيئة عاشت لسنوات على أطلال زعامة سعد الحريري الآفلة اليوم، وتشعر اليوم بتهديد حقيقي بملء سلام أو أي شخصية أخرى، فراغ تمثيل الشارع البيروتي.
مع ذلك، لم يغب عنهما الإقرار بإنجاز حكومة سلام. يقول الأول: "متعاطفين مع سلام أكيد بس مش يعني عمل زعامة ببيروت". ويرد الثاني: "منقلّو برافو... عملت شي جريء ما حدا سبقك عليه ورفعت رصيدك عنا، ومنعطيك حقّك عالقَطعة وفق كل قرار". وعن تبريرهما للحريري تعايشه مع سلاح "حزب الله" تحت تسوية "المافيا والميليشيا"، يريان أن "الظروف الخارجية لم تسعفه لمواجهة سلاح الحزب".
وعن تعامل الشارع البيروتي مع حملة "حزب الله" وجمهوره ضد سلام وحكومته وخطر ذهابها لما هو أبعد كالتهديد الأمني، يقول أحدهما "سنكون حاضنة لسلام إن احتاجت الحكومة حاضنة شعبية"، ويضيف الآخر "أكيد الشارع سيقابله شارع، مش رح نشوف رئيس الوزراء السني يهان لأن مطلبه حصر السلاح ووقف الحروب الدائمة التي لا دخل لنا بها، ولن نسكت عن أي تهديد يمس موقع رئيس الحكومة".
أما الحاج يوسف فليفل، فيحسمها دونما أبعاد سياسية. يقول "إيه... أسهم سلام ارتفعت في الشارع البيروتي ولدى الطائفة السنية تحديدًا"، واضعًا الهجمة على الحكومة في خانة محاولة ضرب الإصلاح ومنعه، لكن في النهاية "لازم يكون السلاح بيد الدولة وبس، لأنه ما بيصح إلا الصحيح، وفي دولة وحدة مش دولتين"، خاتمًا حديثه "نحنا مع الرئيسين نواف سلام وجوزاف عون، ونعول على حلهما الدبلوماسي فنحن لسنا دعاة فتنة".
اغتيال معنوي
ننتقل بجولتنا نحو المتحف والرميل والسوديكو. الناشط والباحث السياسي عبد بحصلي، يضع "حملة جمهور الثنائي الشيعي" على سلام في خانة استسهال تغيير الحكومة الذي يفرضه نظامنا الدستوري، فيما حصر السلاح بيد الدولة متفق عليه من قبل رئاسة الجمهورية والحكومة ما عدا وزراء "الثنائي".
ويشدد بحصلي على أن قرار الحكومة، إن طبّق، فسيحصر السلاح بيد الدولة لتستفيد منه السلطة الشرعية، وإلا فالسيناريو الوحيد أمامنا هو أن تجهز إسرائيل على ما تبقى منه في حرب إسرائيلية قادمة"، مستخلصًا أن تسليم سلاح "حزب الله" وكل سلاح غير شرعي، لا يحمي فقط سكان بيروت وجبل لبنان من 7 أيار جديد بل أيضًا يحمي أهالي الضاحية والجنوب والبقاع من 23 أيلول جديد".
والمطلوب اليوم برأيه، التفاف شعبي وسياسي حول الجيش ورئيس الحكومة، الذي يتعرض لحملة "اغتيال معنوي"، كي لا تتطور الأمور بشكل لا تحمد عقباه.
ريان طيارة، وإن كانت توافق بحصلي في أن هناك "اغتيالًا معنويًا" لسلام وواجب دعمه، لكنها في المقابل تشدد على "الحرص على أن تمثل قرارات الحكومة كل المكونات اللبنانية وتتحلى بالدبلوماسية كي لا يشعر أي مكون بأنه مغبون، وبأن تأتي تلك القرارات بتوقيت لبناني لا بإملاءات خارجية".
أما برنارد عساف، فيثني على سلام والحكومة "تركيبة" و"أداء"، فهي حكومة تكنوقراط من ذوي الكفاءات والكف النظيف والرؤية السياسية، وحتى وزراء "الثنائي الشيعي" فيها، أظهروا تباينًا عن "أسلافهم" برأيه. "فصحيح أنهم قاطعوا جلسة الحكومة، لكنهم لم يستقيلوا ولم يجرّوا الشارع إلى فتنة جدية، وموقفهم متوقع لإرضاء جمهورهم.
أما في موضوع حصرية السلاح، فيرى عساف المؤيد للبيان الوزاري وخطاب القسم، بأنه على الدولة، البدء بالمجموعات غير اللبنانية قبل سلاح "الحزب" إذ "مش مظبوطة نكون قشّطنا كل اللبنانيي سلاحن وبعد في أجانب على أرضنا معن سلاح".
موقع رئيس الحكومة
ولعلّ أكبر إنجاز لسلام هو تكريسه نهجًا لم يعتده أهل بيروت في رئاسة الحكومة منذ سنوات: مواجهة اللاشرعية من خلال الدستور والشرعية والتصويت الأكثري في الحكومة التي تمثل الشعب اللبناني وقراره. نهج فرض نفسه على أهل بيروت الموالين للزعامة، فكسر احتكار تمثيل طائفة برمتها من بوابة رئاسة الحكومة، وفرض نفسه من البوابة ذاتها، حليفًا للدستور والشرعية، لا للمافيا والميليشيا!