لم يخطر في بالي يومًا أنني، أنا التي كبرتُ فَرِحة بلا ارتباط، سأجلس في الأسبوع الثاني من شهر آب، والشمس تصبّ الحمم على رأسي، وأفتح باب الشرفة كمن يفتح نافذة الأمل، وأنتظر... نعم، انتظرتُ "نواطير التلج". أولئك الحرّاس الذين ظهروا في فيلم "بيّاع الخواتم" ليأخذوا بنات القرية اللواتي بقين بلا زواج. كانوا يريدون أن نراهنّ رمزًا لمأساة اجتماعية، وها أنا اليوم أراهم فرقة إنقاذ من جحيم التغيّر المناخي.
شهر آب هذا العام ليس شهرًا، إنه "إعلان حرب" على كل ما هو حيّ! الشمس فيه ليست قرصًا من نُور، بل هي سيف ملتهب يلاحقني حتى في الظلّ. حتى المكيّف والمروحة صديقَاي الوفيَّان، صارا يتنفسان هواءً فاترًا كمن استسلم للهزيمة.
في طفولتي، كانت أمي تقول: "آب اللّهاب، بس أيام وبيجي عيد السيّدة وبيتغيّر الطقس". اليوم أخشى أن تأتي أسابيع أخرى، أشعر فيها أنّ العالم تحوّل إلى صينيّة "ضلوع كستلاتّه بالتُّوم" في فرن كَونيّ، وأننا جميعًا مكوّنات وَصْفة لم يطلبها أحد.
عودة الأبطال الغنائيِّين
صغيرة كنت أضحك خوفًا من أن أبكي وأنا أشاهد الفيلم. أشاهد الفتيات يختبئن خوفًا من النواطير، وأقول: "أية حمقاء ستذهب معهم؟". اليوم، لو سمعت صرير زلّاجاتهم من بعيد، سأركض إليهم حافيةً حتى لو ذاب طلاء أظافري على الإسفلت. أتخيّلهم يأتون من بعيد، يجرّون عربات محمّلة بقطع الجليد مثل الذهب الأبيض، يوزّعون المعاطف الصوفيّة كما لو كانوا يوزّعون الحياة، ويقولون: "هيا، أرض الثلوج تنتظر". وأنا، من دون تفكير، أصفّق وأصرخ: "خذوني قبل أن أتبخّر!".
حقيبة الطوارئ القطبيّة
إذا جاؤوا، سأحمل عباءة صوفيّة ورثتُها عن جدّتي (لم أرتدها يومًا، لكنّها الآن جواز سفري)، كتاب "النجاة في العواصف الثلجية" (لأنّني جدّية في مسألة البقاء)، صورة لفيروز وهي تغني "يا بيّاع الخواتم"، لأتذكّر أنّ الحكاية بدأت كأغنية. سأودّع أهل بيتي قائلةً: "لا تقلقوا، سأكتب لكم من القطب الشمالي"، فيردُّون: "هناك لا إنترنت". سأضحك: "وهنا ينقطع كلّ يوم بسبب الحرّ!".
جغرافيا جهنّم الحديثة
الناس يتحدثون عن الاحتباس الحراري ببرود، وكأنه تقرير مملّ للأحوال الجويّة، بينما أراه ينهش حياتنا. في طفولتي، كانت الحرارة في آب 30 درجة، وكنا نشتكي. الآن، بلغَتْ 40 درجة، وأدركتُ أنّ الأرقام الرسميّة لا تشمل حرارة الإسفلت ولا عرق الأمكنة المزدحمة. حتى جهنّم - لو أتيح لها الاختيار - لطلبت اللجوء إلى مكان أبرد.
رحلة الخلاص إلى الأبيض
أتخيّل الرحلة معهم: أركب عربة جليديّة تجرّها كلاب هاسكي، الجرس يرنّ، والريح الباردة تصفع وجهي، لكنها صفعة حياة. نعبر مدنًا تئنّ من الحرّ، نشاهد أطفالًا يركضون تحت خراطيم المياه، ورجالًا يلوّحون بالمناشف، ونساءً ينظرن إليّ بغيرة: "كم هي محظوظة ذاهبة مع النواطير".
يوميّات امرأة هاربة مع "نواطير التلج"
اليوم الأول: استقبلني النواطير بابتسامة، أو ربما كانت متجمّدة على وجوههم منذ السبعينات، أهدوني معطفًا من الفرو جعلني أشعر أنني أسكن داخل دبّ قطبي.
اليوم الثالث: شربت ماءً من جدول ثلجي. الطعم؟ كأنّني أشرب قطعة ألماس ذابت فجأة.
اليوم الخامس: اشتقت للشمس قليلًا، ثم تذكّرت آب وقرّرت شُكر الثّلج ثلاث مرّات يوميًا.
اليوم السابع: ركبت زلّاجة يجرّها كلب هاسكي، لكنّه توقّف ليأكل الثلج ونحن في منتصف الطريق. لا أعلم إن كان جائعًا أم كان يسخر منّي.
اليوم العاشر: كتبت لعائلتي رسالة، وبعثتها مع قطعة ثلج كتذكار. أدركتُ لاحقاً أنّ الطّرد سيصل فارغًا.
اليوم الثاني عشر: حضرتُ حفلًا حول النار. واكتشفتُ أنّ النار ليست عدوّة، بل صديقة إذا كانت محاطة بالثلوج.
اليوم الخامس عشر: شاهدتُ شروق شمس قطبيّ. خمس دقائق من النُّور الباهت أقنعتني أنّ الجمال لا يحتاج حرارة.
اليوم العشرون: لم أعد أفكّر بشيء. لا آب ولا الاحتباس الحراري. كلّ ما يشغلني: هل أستطيع شراء كوخ صغير للبقاء هنا؟
الحل النهائي لحرّ آب
بعد المعاناة، وأنا عند النواطير قرّرت أن أخترع جهازًا ثوريًّا: "ثلّاجة المشي". لا هي حقيبة ولا سيارة، بل ثلّاجة حقيقيّة بحجم كشك الجرائد، مزوّدة بعجلات ومقعد داخلي، بحيث أجلس أنا في داخلها بينما تتحرك هي ببطء في الشارع.
أتخيّل المشهد: أخرجُ من البيت في ظهيرة آب، أفتح باب الثلّاجة، أجلس على الكرسي المبطّن بالثلج، وأغلق الباب. عبر نافذة صغيرة في المقدّمة، أشاهد العالم الخارجي وهو يذوب، بينما أتنقَّل أنا في جنّتي الجليديّة الخاصة. هذه الثلّاجة تعمل بِطاقة الشمس… نعم، الشمس التي كانت عدوّي اللّدود صارت تموّل برودتي. كلّ شعاع حارق يتحوّل فورًا إلى طاقة تُشغّل "الكومبريسور"، فينتج هواءً قارسًا لدرجة أنّ أنفاسي تتحوّل إلى سحابة صغيرة وأنا أضحك. وأجمل ما في الاختراع أنّه مجهّز بموزّع "آيس كريم" داخلي لأنني لا أستطيع أن أكون في ثلّاجة وأنا صائمة عن المثلّجات. كما أنّ فيه نظام "صوت خارجي" يسمح لي بمخاطبة الناس وأنا في الداخل، فأقول مثلًا لشخص يتصبّب عرقًا: "هل تريد أن تركب؟ لدينا مقعدان إضافيّان، والتذكرة قطعة شوكولا مجمّدة". أوّل تجربة ميدانيّة كانت ناجحة لدرجة أنّ القطط في الحيّ بدأت تلاحقني، لا حبًّا بي، بل لأنّها ظنّت أنني شاحنة سمك مجمّد.
تحدّيات لوجستيّة
أطمح لتوسيع المشروع ليشمل "ثلّاجة عائليّة للمشي". يمكنني أخذ أصدقائي معي إلى العمل، إلى السوبرماركت، أو حتى إلى عرس، حيث سأكون الوحيدة التي تحتفظ بمكياجها سليمًا بعد ثلاث ساعات من الرّقص.
لكن لا أخفيكم، "ثلّاجة المشي" تواجه بعض التحدّيات اللوجستيّة. في التجربة الثانية، حاولتُ دخول المصعد بها، فاكتشفت أنني الآن جزء من إحصائيّة "الأشخاص العالقين بين الطابقَين"، مع فارق أنني كنت العالقة الوحيدة التي ترتدي بطّانيّة قطبيّة وتأكل "آيس كريم" بالفستق. الجيران نظروا من خلال الفتحة الصغيرة في الباب، فظنّوا أنني أحضّر برنامج "نجوم الثلّاجات". أمّا الشرطة، حين وصلت، فسألتني إن كنت أهرّب شيئًا، فأجبت: "نعم أهرب من آب". الأكثر إحراجًا كان عندما توقّفت عند إشارة المرور، فوقف بجانبي بائع ذرة مشويّة، وصارت رائحة الذّرة الساخنة تدخل من فتحة التهوئة، وبدأت أشكّ أن "الكومبريسور" يخطّط للانشقاق والانضمام لمعسكر الصيف، ومع ذلك، ما زلت أؤمن أنّ المستقبل باردٌ وباردٌ جدًا.
نداء من قلب الحلم
أيها النواطير، إن كنتم تسمعونني، لا تتأخروا. خذوا كلّ اللواتي كبرن ولم يتزوّجن، وخذوا اللواتي تزوّجن إذا أردن، وخذوا الرجال الذين صاروا مثلنا يحلمون بالثلج أكثر من الحبّ، خذونا جميعًا قبل أن يصبح آب حالة طوارئ دائمة، وقبل أن نصحوَ يومًا فنجد البحر قد تحوّل إلى حساء يغلي.
ربّما لن يأتوا، وربما سيظلّ ندائي هذا عالقًا في الهواء الساخن.لكن مجرّد تخيّل الرحلة معهم يمنحني جرعة أمل تكفيني حتى نهاية الصّيف. فإلى أن يرنّ جرس الباب وأفتح، فأرى رجلًا بمعطف ثقيل في منتصف آب، سأواصل الكتابة وأنا أضع قطعة ثلج على جبيني وأقول: "اللّهم أرجوك، فليأتِ "نواطير التلج" سريعًا، بل سريعًا جدًا".

