انتقد الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الأمم المتحدة واستهزأ بدورها في إحلال السلام، خلال خطابه الذي استغرق حوالى الساعة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك أمس. وسخر من المبنى الذي تتخذه مقرًا في نيويورك، موضحًا أن "الأمم المتحدة تتمتع بقدرات هائلة، لكنها لا ترقى حتى ولو بقليل إلى المستوى المطلوب". ورأى أن كلّ ما تقوم به المنظمة هو صياغة رسائل شديدة اللهجة، لكنها "مجرّد كلمات فارغة لا تحلّ الحروب"، مشيرًا إلى أنه أنهى "سبعة حروب حول العالم في سبعة أشهر" من دون مساعدة الأمم المتحدة، في حين كان لافتًا تشديده على أنه "معًا، دعونا ندافع عن حرّية الكلام وحرّية التعبير، دعونا نحمي الحرّية الدينية، بما في ذلك للدين الأكثر اضطهادًا على كوكب الأرض اليوم، وهو المسيحية".
واتهم ترامب، الأمم المتحدة، بتمويل أزمة الهجرة غير الشرعية، معتبرًا أن "الأمم المتحدة تموّل هجومًا على الدول الغربية وحدودها". وتحدّث عن أن مساعدات الأمم المتحدة للمهاجرين ساعدت أشخاصًا على دخول أميركا بشكل غير قانوني، مشدّدًا على أن دور الأمم المتحدة هو حماية الدول من "الغزوات" وليس خلقها أو تمويلها. وأكد أنه "بمجرّد أن بدأنا في احتجاز وترحيل كلّ من عبر الحدود، وإبعاد الأجانب غير الشرعيين من أميركا، توقفوا ببساطة عن القدوم". وحسم أن الوقت قد حان "لوضع حدّ للتجربة الفاشلة للحدود المفتوحة"، محذرًا من أن "أوروبا في ورطة خطرة، لقد تم غزوها من قِبَل قوة من المهاجرين غير الشرعيين لم يشهد العالم مثلها من قبل... وإنهم لا يفعلون شيئًا حيال ذلك". وقال: "بلدانكم تتجه إلى الجحيم"، مشيرًا إلى أن لندن تغيّرت كثيرًا وباتت مهدّدة بأن تعتمد قريبًا الشريعة الإسلامية بسبب عمدتها الفظيع.
أمّا في شأن التغيّر المناخي، فسخر ترامب مِمّا وصفه بـ "خدعة الطاقة الخضراء"، مشيرًا إلى أن مصادر الطاقة المتجدّدة أغلى من الطاقة الأحفورية. كما رفض بشكل قاطع اعتبار التغيّر المناخي تهديدًا، واصفًا إيّاه بأنه "أعظم عملية احتيال ارتُكبت في تاريخ العالم". وأوضح أن "الأثر الأساسي لهذه السياسات القاسية للطاقة الخضراء لم يكن حماية البيئة، بل إعادة توزيع النشاط الصناعي من الدول المتقدّمة التي تلتزم بالقواعد المجنونة… إلى الدول الملوّثة التي تنتهك القواعد"، لافتًا إلى مسؤولية الصين وغيرها من الدول عن الجزء الأكبر من التلوّث في العالم.
وشدّد ترامب على أن أكبر "خطر يهدّد وجودنا هو الأسلحة النووية"، مؤكدًا ضرورة عدم السماح لإيران، التي وصفها بـ "الراعي الأوّل للإرهاب في العالم"، بامتلاك سلاح نووي، في وقت أشاد فيه ببنائه علاقات ثمينة مع دول الخليج، داعيًا إلى "وقف تطوير الأسلحة النووية"، بينما فرضت أميركا قيودًا صارمة على الوفد الإيراني المشارك في اجتماعات الجمعية العامة، شملت تقييد حركته وحظر دخوله إلى متاجر الجملة والسلع الفاخرة. وكان لافتًا عدم تطرّق ترامب في خطابه إلى كوريا الشمالية، التي حاول خلال ولايته الأولى التوصّل معها إلى اتفاق حول أسلحتها النووية وعلاقتها بكوريا الجنوبية.
وأعلن ترامب أن إدارته ستقود "جهدًا دوليًا لتطبيق اتفاقية حظر الأسلحة البيولوجية" من خلال نظام تحقق يعتمد على الذكاء الاصطناعي، فيما أكد أنه "بدأنا أخيرًا استخدام القوّة العظمى للجيش الأميركي لتدمير شبكات الإرهابيين والاتجار التي تقودها فنزويلا بزعامة نيكولاس مادورو"، محذرًا مَن وصفهم بـ "كلّ بلطجي إرهابي يهرّب مخدّرات سامة إلى أميركا" من أنه "يُرجى أن تعلموا أننا سنمحوكم من الوجود".
وحول الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني، رأى ترامب أن اعتراف عدد من حلفاء واشنطن بدولة فلسطين يشكّل "مكافأة" لحركة "حماس" على "فظاعات مروّعة... حتّى بعد رفضها الإفراج عن الرهائن أو الموافقة على وقف لإطلاق النار"، مجدّدًا دعوته للحركة إلى "إطلاق سراح جميع الرهائن في غزة دفعة واحدة وليس على مراحل". وبعدما اتهم ترامب، "حماس"، بعرقلة مساعي التوصّل إلى هدنة في غزة، سارعت الحركة إلى رفض هذه الاتهامات.
وفي ما يتعلّق بالغزو الروسي لأوكرانيا، أكد ترامب أنه "كنت أعتقد أنها أسهل حرب سأوقفها بسبب علاقتي ببوتين... لكن الأمور صعبة، كان يمكن لهذه الحرب أن تكون قصيرة، ولكنها شوهت صورة روسيا"، مشيرًا إلى أن "آلاف الجنود الشباب يموتون أسبوعيًا". ودعا ترامب، الدول الأوروبّية، إلى "الكفّ فورًا" عن شراء النفط من روسيا، متهمًا الصين والهند بأنهما أكبر مموّلين لغزو أوكرانيا. وحسم أنه "في حال لم تكن روسيا مستعدّة للتوصّل إلى اتفاق لإنهاء الحرب، فإن أميركا مستعدّة تمامًا لفرض جولة قوية جدًا من الرسوم الجمركية الصارمة… لكن لكي تكون هذه الرسوم فعّالة، يجب على الدول الأوروبّية الانضمام إلينا في اعتماد نفس الإجراءات بالضبط".
لاحقًا، التقى ترامب على هامش الجمعية العامة، الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، حيث خفف ترامب من لهجته تجاه الأمم المتحدة، مؤكدًا أن بلاده تقف خلف الأخيرة مئة في المئة. واعتبر أن "إمكانيات الأمم المتحدة مذهلة، حقًا مذهلة، يمكنها أن تفعل الكثير، لذلك أنا معها". كما اجتمع ترامب بالرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي، معربًا عن دعمه الكامل للأخير في معركته الانتخابية المقبلة.
بعد ذلك، التقى ترامب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، حيث أكد ترامب أن الأخير "رجل شجاع، ويخوض قتالًا شرسًا… لدينا حوالى 30 اجتماعًا مجدولًا اليوم (أمس)… لكن هذا الاجتماع مهمّ، ونحن نحترم كثيرًا الكفاح الذي تخوضه أوكرانيا". وعند سؤاله من قِبل صحافي "هل تعتقد أن دول "الناتو" يجب أن تسقط الطائرات الروسية إذا دخلت مجالها الجوي؟"، أجاب "نعم، أعتقد ذلك"، لكنه لم يوضح ما إذا كانت بلاده ستنضمّ إلى الجهود لإسقاط الطائرات الروسية المخترقة، لافتًا إلى أنه "يعتمد الأمر على الظروف… لكن كما تعلمون، نحن حازمون جدًا" تجاه "الناتو". وذكر أن "أكبر تقدّم هو أن الاقتصاد الروسي سيّئ جدًا في الوقت الحالي… وبصراحة، أوكرانيا تقوم بعمل جيّد جدًا في إيقاف هذا الجيش الكبير… كان من المفترض أن تكون العملية سريعة، لذلك لا تبدو روسيا متميّزة جدًا بعد مرور ثلاث سنوات ونصف" على بداية الغزو.
ليعود ترامب وينشر على منصّته "تروث سوشال" أن "أوكرانيا، بدعم من الاتحاد الأوروبي، في موقع يمكنها من القتال واستعادة كامل أراضيها بالشكل الأصلي، مع الوقت والصبر والدعم المالي من أوروبا، خصوصًا من "الناتو"، فإن استعادة الحدود الأصلية التي بدأت عندها هذه الحرب خيار وارد جدًا"، مشيرًا إلى أن روسيا "خاضت حربًا بلا هدف لمدّة ثلاث سنوات ونصف، وهي حرب كان من المفترض أن تنهيها قوّة عسكرية حقيقية في أقل من أسبوع، هذا لا يميّز روسيا، بل يجعلها تبدو إلى حدّ كبير نمرًا ورقيًا". وتحدّث عن أن "أوكرانيا ستكون قادرة على استعادة بلدها بالشكل الأصلي، ومن يدري، ربّما تتقدّم أكثر من ذلك"، حاسمًا أنه "سنواصل تزويد "الناتو" بالأسلحة ليتمكّن من استخدامها كما يشاء".
في السياق، اجتمع ترامب مع رئيسة المفوضية الأوروبّية أورسولا فون دير لاين، التي أكدت أن ترامب "على حق تمامًا" بعد انتقاده أوروبا خلال خطابه أمام الجمعية العامة في شأن استخدامها للنفط الروسي، مشدّدة على أن أوروبا تعمل على الابتعاد من الطاقة الروسية بأسرع ما يمكن. وأفادت بوجود عقوبات أوروبّية ضدّ روسيا على الطاولة، في إشارة إلى الحزمة الـ 19 المقترحة من العقوبات الأوروبّية على صادرات الطاقة الروسية، في وقت ألمح فيه ترامب إلى أنه قد يتدخل شخصيًا لإقناع رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان بوقف بلاده شراء النفط الروسي.