شربل صفير

الأمل ينتصر: اللبنانيون الذين يقهرون اليأس بالعطاء

كيف يحوّل العطاء مصاعب الحياة إلى أمل؟

4 دقائق للقراءة
قالت ليلى في حديث لـ "نداء الوطن": "كل وجبة نوزّعها ليست مجرّد طعام، بل رسالة أمل"

في قلب الأزمات التي تحاصر لبنان من كلّ جانب – كهرباء مقطوعة، ارتفاع جنوني للأسعار، وشحّ في المياه – يظهر نوع من اللبنانيين يرفض الاستسلام، ويختار أن يكون شعاعًا من الأمل في حياة الآخرين. قصصهم الإنسانية ليست مجرّد أخبار عابرة، بل دفعات حياة وسط ظلال الأزمة.


وجبة تُغيّر يومًا

مع تزايد الحاجة الغذائية، قرّرت بعض المبادرات الصغيرة أن تتحوّل إلى شعاع أمل للأطفال والأسر المحتاجة. من بين هؤلاء، ليلى خوري، شابة لبنانية أسّست مشروعًا لتوصيل وجبات للأسر في بيروت.

وقالت ليلى في حديث لــ"نداء الوطن": "كل وجبة نوزّعها ليست مجرد طعام، بل رسالة أمل. في البداية لم نتوقع أن يكون الأثر كبيرًا، لكن اليوم نوزع أكثر من ألف وجبة يوميًا". وأضافت: "أحيانًا أركض في شوارع بيروت بين الطوابير والمباني المتهالكة، ومع كل وجبة أضعها في يد طفل، أشعر بأن التعب يزول. مرّة دخلت شقة عائلة من خمسة أطفال لم يأكلوا منذ الصباح، ورؤية ابتساماتهم كانت كأشعة شمس وسط ظلام الشتاء".


تعليم مهارات جديدة… حياة جديدة

في المقابل، ركّز آخرون على تمكين الشباب من خلال التعليم وبناء المهارات. من جهته، أسّس مروان صباغ في حي شعبي بصيدا ورشة لتعليم الحرف اليدوية والبرمجة البسيطة، بهدف منح الشباب ثقة بالنفس وفرصًا لمستقبل أفضل.

وتابع مروان في حديثه لــ "نداء الوطن": "أحد الطلاب كان على وشك الاستسلام وفقد الأمل في مستقبله. بدأ معنا تعلم صناعة تطبيقات بسيطة، واليوم يبيع أول تطبيق له على الإنترنت. لم يعد فقط يمتلك مهارة تقنية، بل اكتسب الثقة بالنفس والشعور بأنه قادر على صناعة تغيير في حياته".

وأضاف: "الأجمل أن الطلاب بدأوا يساعدون بعضهم بعضًا، ويتبادلون المعرفة، ويشعرون بأنهم جزء من شيء أكبر منهم. هذا التبادل أصبح يخلق شبكة دعم صغيرة داخل الورشة، حيث كل نجاح فردي يتحوّل إلى حافز للآخرين. أحيانًا، مجرد مشاركة فكرة بسيطة بين الطلاب تُحدث فرقًا كبيرًا في حياتهم اليومية ومستقبلهم المهني".


دعم الأسر المحتاجة بطرق مبتكرة

ليس كل دعم مادي كبيرًا، فبعض المبادرات تركز على تلبية الاحتياجات الأساسية بطرق مبتكرة. على سبيل المثال، بدأت رنا عطوي من جبل لبنان مشروعًا لجمع الملابس المستعملة النظيفة وتوزيعها على العائلات المحتاجة.

وقالت رنا لـ "نداء الوطن": "في البداية، ظننت أن الملابس الصغيرة لن تُحدث فرقًا كبيرًا، لكن رؤية الأطفال يبتسمون عند استلام ملابس جديدة جعلتني أدرك أننا نصنع معجزات صغيرة يوميًا. هذه الابتسامات ليست مجرد لحظات فرح عابرة، بل تمنح الأطفال شعورًا بالأمان والاعتزاز بأنفسهم وسط صعوبات الحياة".

وأضافت: "هناك دائمًا أسر لا تستطيع شراء معاطف أو أحذية، ومبادرتنا تمنحهم شعورًا بالكرامة والاهتمام. أحيانًا تصلنا رسائل من الأهالي تقول إن أطفالهم باتوا أكثر حماسة للذهاب إلى المدرسة، وأن هذه المبادرة جعلتهم يشعرون بأن المجتمع لا ينسى أبناءه، حتى في أصعب الأوقات".


صدى الأثر: لحظات تغيّر الحياة

هذه المبادرات الإنسانية لا تقتصر على فعل الخير فقط، بل تترك أثرًا ملموسًا في حياة المستفيدين.

فمن جهتها، تحدثت سعاد، أم لطفلين: "لم أتخيل أن وجبة واحدة يمكن أن تمنحنا شعورًا بالأمان وسط هذا الشتاء القارس وفقدان الأمل. لحظة رأيت طفلي يأخذ لقمة ويبتسم، شعرت بدموع الفرح في عينيّ. أحيانًا يكون العطاء من شخص غريب أثقل أثرًا من أي وعد حكومي".

وفي السياق نفسه، قال علي، شاب تعلّم البرمجة: "مروان أعاد لي ثقتي بنفسي التي كنت أعتقد أنني فقدتها. اليوم أستطيع أن أصنع شيئًا يخصّني، وأن أكون فاعلًا وليس مجرّد متفرّج على الأزمات. شعور السيطرة على حياتي لا يوصف بالكلمات".

أما أمينة، طفلة تتلقى الملابس، فقالت: "هذا المعطف ليس مجرد قطعة ملابس، إنه شعور بالأمان والدفء، شعور بأن هناك من يهتم بي. لأول مرة منذ أسابيع، أستطيع الذهاب إلى المدرسة بلا خوف من البرد".


تؤكد هذه القصص الإنسانية أن الأمل ما زال موجودًا في لبنان، في كل وجبة، كل درس، وكل ابتسامة تُهدى للآخرين. في زمن يختنق فيه الناس بالأزمات، وسط تحدّيات سياسية واقتصادية مستمرّة، يصبح كلّ عمل صغير من المبادرات المجتمعية بمثابة ثورة صامتة، وتذكير بأن روح العطاء والمبادرة الشعبية قادرة على إشعال الأمل حتى في أصعب الظروف.