الياس دمّر

حُبّ على المكشوف

بورصة العلاقات في فيلم "Materialists"

6 دقائق للقراءة

تعود الكاتبة والمخرجة الكنديّة - الكوريّة Celine Song (صاحبة الفيلم الدراميّ الاستثنائيّ "Past Lives") بفيلمٍ رومانسيّ ‑ دراميّ، لامع في الشّكل لكن حادّ النّبرة في الجوهر، يدور حول سؤالٍ قديمٍ يتجدّد: هل يُمكن للحبّ أن يبقى صادقًا في عصرٍ تُسلَّع فيه كلّ القيم؟ يتناول الفيلم قصّة لوسي (Dakota Johnson)، وهي وسيطة وكالة مواعدة فاخرة في مدينة نيويورك (High-End Matchmaker)، بين حبيبَين متناقضَين. الأوّل هاري (Pedro Pascal)، مُتموِّل ثري يُعتبر مُمتازًا (يُلقَّب بالـ Unicorn) بحَسب معايير عالم المواعدة. أمّا الثّاني، فهو جون (Chris Evans) المُمثّل الطّامح لكن المُتعثّر ماليًا، وحبيبها السّابق. الفيلم ظاهريًّا من نوع "Romantic-Comedy"، لكنَّ المُعالجة تميل إلى الدّراما الاجتماعيّة السّاخرة، حول تسليع المشاعر وعلاقة الشّغف بالطبقيّة والمستوى الاجتماعي.

بعد بروز لوسي كوسيطة مواعدة ناجحة جدًّا، تتطوَّر الأحداث عند حضورها أحد الأعراس التي وُفّقت في إتمامها. خلال الزّفاف تتعرَّف إلى هاري، الشقيق الأنيق والأعزب للعريس، قبل أن يظهر جون النادل في قاعة الحفل. هنا تتشابك مسارات لوسي بين عالمَين: بريق "البنتهاوس" والعشاوات الفاخرة، مُقابل الشقّة المشتركة وإرهاق العمل. وعلى عكس العديد من الـ "Rom-Com"، لا يجعل الفيلم أحد الرّجلَين سيّئًا أو ماكرًا، فكلاهما صريح ومُحترم. ما يُبقي سؤال الاختيار أخلاقيًا وعاطفيًا بقدر ما هو ماديّ.


لغة الفيلم اليوميّة، مُشبعة بمُفرداتٍ اقتصاديّة: الأصول المادّية، الجدارة، الحدّ الأدنى للأجر، والأعلى للعمر. هذا الخيار المُتعمَّد في الكتابة يُحوّل مائدة العلاقات إلى منصَّة تداول، ويضعنا أمام نقدٍ واضحٍ لفكرة استعمار الرأسماليّة للقلب أي خفض الحبّ إلى حساب كلفة ومنفعة، حتّى بتنا نُقيّم الشّركاء وكأنّهم أسهم في بورصة. ورُغم بريق الرّفاهية البصري (أزياء راقية هادئة، مطاعم فخمة، شقق زجاجيّة)، فإنّ النّبرة ليست حالمة أبدًا بقدر ما هي تفكيك لسطوة الرأسماليّة على القلب.


ويعتمد السّيناريو على مشاهد حوارية طويلة وتناظر بصري بين عالمَين، ضمن مُثلّث رومانسي غير تقليدي. إضافةً إلى حبكةٍ فرعيةٍ، مع عميلةٍ لدى الوكالة اسمها صوفي (Zoe Winters)، تبدو التفافًا إيقاعيًا في وسط الفيلم، لكنَّها تكشف جانبًا رقيقًا غير متوقّع من لوسي، لكنّ توقيتها يُربك النَّفَس الدرامي.


كما أنَّ لوسي ليست شخصيّةً ساذجة، بل هي امرأة تعرف قواعد اللعبة لأنها تُديرها مهنيًا، لكنها تعي تناقضاتها. أداء جونسون يوازن بين كاريزما باردة وهشاشة تتسلّل تدريجيًا. وهاري مُجسَّد بوصفه الاختيار المثالي على الورق — ثري، جذّاب، لبق —مع سرّ شخصي يُضيف طبقة رمزيّة حول الذّكورية والثّروة (من دون إفساد التّفاصيل).


يُقدَّم جون كملجأ عاطفي صادق، بعيد من "كاريكاتور" الخاسر. أداء إيفانز هنا من الأكثر نُضجًا في مسيرته، يضخّ حزنًا هادئًا ودفئًا إنسانيًا يُعمّق الرهان الأخلاقي للفيلم. المُفارقة أنَّ لوسي التي تبني حياة الآخرين على المُطابقة المثاليّة، تواجه أعقد مُطابقة شخصية بين قلبها وحساباتها.


التّرويج للرّجل المفلس

بعد تأجيل عرض الفيلم في لبنان رغم إصداره عالميًا خلال منتصف شهر حزيران الماضي، استوقفني العديد من النّقاشات الحاصلة عبر منصّات التّواصل، مع اتّهامات بأنّه دعاية للرّجل المُفلس! ردّت حينها المُخرجة سونغ بوضوح أنَّ هذا التوصيف قاسٍ وطبقيّ وظالم، كما أوضحت أنّه يُخطِئ في قراءة الفيلم الذي ينتقد أساسًا تحميل الفقر ذنبًا فرديًا ويُذكّر بأنّ المال لا يختزل كرامة الإنسان. لذا أصبح الجدل هنا مكشوفًا حين أصاب عصبًا ثقافيًا حسّاسًا، فهو يُثبت أنّ الفيلم قرأ لحظته الثقافيّة جيدًا، فاستفزّ نقاشًا يتجاوز حدود النوع. وبعد مُشاهدة الفيلم والتدقيق، بدا لي أنه لا يُروّج للفقر بل يُهاجم تشييء البشر وفق رصيدهم. كما يُعيد الفيلم تذكيرنا بأنّ القيمة الحقيقيّة في العلاقات ليست قابلة للقياس بالرّاتب أو بدَفعَة الإيجار، بل تتجلّى في التّوافق العاطفي والدّعم المُتبادل والاحترام.


فرادة في الصّورة والموسيقى

اعتمدت المخرجة سيلين سونغ تصوير فيلمها، وللمرَّة الثّانية، على شريط 35 ميليمترًا بعدسة مُدير التّصوير Shabier Kirchner (بعد تعاونهما في فيلمها الأوّل) مع تدرُّجٍ لوني في الصورة تتصاعد حرارته مع تحوّل المواقف. ولمن ظلَّ يتساءل عن أهميّة هذا البُعد التّقني، فإنَّ التّصوير على 35 ميليمترًا يمنح كلّ مشهد إحساسًا بالمَلمَس والدّفء، حتى عندما تكون الشّخصيات في أماكنٍ باردة أو مُحايدة شعوريًا. ومع تقدُّم القصَّة، يزداد دفء الألوان بشكلٍ واضح، خاصّةً مع اقتراب الحسم العاطفي، كأنّهُ ترجمة بصريّة للانفتاح الدّاخلي الذي تمُرّ به لوسي. بمعنى آخر، الصّورة هنا ليست للزينة فقط، بل أداةً سرديةً تعكس التّحوّل النّفسي.


موسيقيًا، تحضر براعة المؤلّف البريطاني Daniel Pemberton في المزج بين البساطة والتّعقيد العاطفي، حيث أضفت موسيقاه هالة من الأناقة الدراميّة بلمساتٍ دقيقة، فمالت نغماته إلى الدّيناميكيّة بدايةً، ثمّ تسلّمت زمام التوتّر الدّرامي تدريجيًا، فأوحت بانتقال لوسي من المساحة الاجتماعيّة المُبَهرجة إلى المواقف النفسيّة الأكثر كآبة وتعقيدًا. بالمجمل، تُشكّل موسيقى بمبرتون جزءًا أساسيًا من بنية "Materialists"، في نسيجٍ عاطفي يُرافق الجمهور بجوهره من دون تشتّت، كما تعكس توتّرات الفيلم الدّاخليّة وتُضفي حيّزًا نفسيًا سمعيًا بديعًا على كُل لقطة.


أما الأغاني، مثل "Cat Power" و "The Velvet Underground"، فتستدعي ذاكرة أفلام "Rom-Com" التسعينات، لكن بوعي معاصر. هذه العناصر تُبقي الفيلم أنيق الشكل، لكن بمزاج أقسى ممّا يوحي به التّرويج.


الرومانسيّة النيوليبراليّة

لا يقدّم فيلم "Materialists" مجرَّد مثلَّث حبّ تقليدي، بل يضع يده على الجرح الأكثر إيلامًا في عصرنا: كيف حوّلت النيوليبرالية الحبّ حتّى، إلى سلعة؟ الرّومانسية، كما تُسوَّق في إعلانات الخواتم الفاخرة وتطبيقات المواعدة وطقوس الزفاف الباذخة، لم تعد وعدًا بالحميميّة، بقدر ما أصبحت وعدًا بالاستثمار في صورة اجتماعية! تُفكّك سيلين سونغ هذه الخدعة عبر شخصيّة لوسي، البطلة التي تعرف قواعد اللعبة عن كثب، لكنها تكتشف أنَّ المشاعر الحقيقيّة لا يمكن اختصارها في ملف تعريفيّ أو رصيد مصرفيّ.


الاختيار في الفيلم ليس مجرَّد مَيْل قلب، بل هو رفض ناعم لمنطق تسويق العلاقات. إنّهُ إعلان أنَّ الرومانسية الحقيقيّة لا تُقاس بما تملكه بل بما تمنحه، ولا تُبنى على استراتيجيّات استهلاكيّة بل على هشاشة بشريّة مُشتركة. بهذا المعنى، يُقدّم الفيلم بيانًا عاطفيًا وسياسيًا في آن: فضح خدعة الرّومانسية النّيوليبرالية وإعادة الاعتبار للحب بوصفه آخر المساحات التي يُمكنها مقاومة التشييء، والتصدّي لنزع الصّفة الإنسانيّة عن العلاقات.


فهل ينتصر الحب ويَصفع الرّأسماليّة على وجه دولاراتها؟ لمُتعة الاكتشاف، زوروا صالات السّينما اللّبنانيّة.