واشنطن
بعد مرور ٧٢ ساعة فقط على قمة ألاسكا التي جمعت الرئيسين الأميركي دونالد ترامب والروسي فلاديمير بوتين، وصل قادة أوروبا إلى البيت الأبيض في مشهد عكس بوضوح أن ميزان الدبلوماسية في القارة العجوز بات يتأثر مباشرة بالخطوات التي تقودها واشنطن وكييف. فقد قاد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي الحراك الأوروبي باتجاه العاصمة الأميركية، في زيارة أُحيطت باهتمام استثنائي، لتكون بمثابة اختبار جديد للعلاقات بين ضفتي الأطلسي.
القادة الأوروبيون، وعلى اختلاف انتماءاتهم السياسية، أجمعوا على ضرورة فرض وقف لإطلاق النار كمدخل أساسي لإطلاق مسار التفاوض. ميرتس قال: "لن يكون هناك أمن للقارة ما لم يتوقف نزيف الدماء فوراً".
دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى عقد لقاء رباعي بين أوكرانيا وروسيا والولايات المتحدة والأوروبيين، ردا على نية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب جمع رئيسي أوكرانيا وروسيا على طاولة المفاوضات.
وقال ماكرون "أعتقد أنه كخطوة تالية ربما نحتاج إلى اجتماع رباعي، لأنه عندما نتحدث عن الضمانات الأمنية فإننا نتحدث عن أمن القارة الأوروبية بأكملها".
ودعا المستشار الألماني فريدريش ميرز إلى وقف إطلاق النار في أوكرانيا قبل قمة زعماء الاتحاد الأوروبي، وهو ما يتناقض مع دعوة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للعمل من أجل التوصل إلى اتفاق سلام مع روسيا.
وقال ميرز "لا أستطيع أن أتخيل انعقاد الاجتماع المقبل دون وقف إطلاق النار، لذلك دعونا نعمل في هذا الاتجاه ونحاول الضغط على روسيا".
وقال الأمين العام لحلف شمال الأطلسي روته لترامب إن استعداده للمشاركة في الضمانات الأمنية يشكل "تقدما كبيرا" وأنه "يحدث كل الفارق".
دعت رئيسة المفوضية الأوروبية فون دير لاين إلى العمل معًا من أجل "سلام عادل ودائم"، في حين وصفت رئيسة الوزراء الإيطالية ميلوني الاجتماع بأنه "يوم مهم ومرحلة جديدة".
قال رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر إنه يعتقد أنهم قادرون على تحقيق "تقدم حقيقي" لإنهاء الحرب في أوكرانيا، وخاصة فيما يتعلق بالضمانات الأمنية.
وقال إن الاجتماع الثلاثي هو "الخطوة المنطقية التالية".
وقال إنه مع هذا اللقاء المحتمل ومع الضمانات الأمنية، سيكون ذلك بمثابة خطوة "تاريخية" إلى الأمام.
"نحن نتحدث عن الأمن ليس فقط لأوكرانيا، بل أيضًا لأوروبا والمملكة المتحدة، لذا فهذه قضية مهمة للغاية".
وقال الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب إن حقيقة جلوسهم حول الطاولة كانت ذات أهمية كبيرة - فهي تُظهر أن "الفريق الأوروبي وفريق الولايات المتحدة يساعدان أوكرانيا".
وقال إن فنلندا لديها حدود طويلة مع روسيا وشهدت تحدياتها خلال الحرب العالمية الثانية.
وأضاف ستوب "لقد وجدنا حلاً في عام 1944، وأنا مقتنع أنه حتى في عام 2025 يمكن العثور على حل لإنهاء الحرب العدوانية الروسية وتحقيق سلام عادل ودائم"
ما خرجت به القمة لم يقتصر على المواقف. بل تم التوصل إلى مجموعة من النتائج أهمها:
1. توحيد الخطاب الغربي بعد أشهر من التوتر بين ترامب وأوروبا، حيث تم التفتق على صياغة خطاب مشترك عنوانه "إنهاء الحرب" دون التفريط بالخطوط الحمراء الأوكرانية.
2. فتح الباب أمام لقاء تاريخي محتمل بين زيلينسكي وبوتين، يجري التحضير له خلال أسابيع، برعاية مباشرة من ترامب. خطوة كهذه، إذا تحققت، قد تكون نقطة تحوّل في مسار الحرب.
3. تعزيز الالتزام بدعم الجيش الأوكراني مادياً وتسليحياً. فالقادة الأوروبيون شدّدوا على أن أي وقف لإطلاق النار لن يكون قابلاً للاستمرار ما لم تُحافظ أوكرانيا على قوتها العسكرية. الدعم المالي والتسليحي بات الآن جزءاً من "معادلة السلام"، وليس مجرد مساعدة ظرفية.
الأهمية الكبرى لهذه القمة أنها بدّلت صورة زيلينسكي الذي لم يعد الرجل رئيس دولة محاصَرة يقاتل من أجل البقاء، بل بات الزعيم الوحيد الذي يوحّد أوروبا، ويقود خطابها السياسي والأمني. هو الذي استدعى القادة بوقت قياسي، وهو الذي فرض شروطه بالحوار، وهو الذي أجبر ترامب وأوروبا معاً على الاعتراف بأن مصالح أوكرانيا خط أحمر وان أوكرانيا تقرر مصير اراضيها.
خرج زيلينسكي من البيت الأبيض وقد فرض نفسه "زعيم أوروبا الجديد"، فيما بدا ترامب كراعي للسلام وشريك اساسي في معادلة دولية مع الرئي الأوكراني الذي يدير المرحلة بذكاء سياسي لافت فبعدما كان تخت الضغط استطاع إعادة شرط وقف اطلاق النار الى الواجهة كبزاية للمفتوضات وبلسان الزعماء الاوروبيين عارضاً موافقته عاى لقاء بواين بحضور ترامب، الذي ابلغ بوتين فورا بالعرض في اتصال هاتفي أثناء اللقاء ناور خلاله الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
اللافت أيضاً الخرائط التي احضرها الوفد الأوكراني حيث شرح زيلينسكي بشكل مفصل الرؤية الأوكرانية لوضع الأراضي التي سيطر عليها الجيش الروسي خلال القتال والتي أوضحت مكامن القوك والضعف للطرفين على طول خط القتال.
وذكرت مصادر من الوفد الاوكراني ان زيلينسكي شرح رؤيته للضمانات الأمنية التي تحتاجها أوكرانيا بعد انتهاء القتال واهمها الحفاظ على قوة الجيش الأوكراني، تحديث الدفاعات الجوية، إضافة الى دور كل حلفائه في استمرار الدعم الكامل لأوكرانيا.
القمة لم تكن مجرد اجتماع دبلوماسي، بل لحظة إعادة ولادة لأوروبا الموحدة. بعد سنوات من الانقسامات حول قضايا الهجرة والاقتصاد والدفاع، نجح زيلينسكي في إعادة تعريف وحدة القارة عبر حرب بلاده. أوروبا، التي دخلت الاجتماع بقلق من تقارب أميركي –روسي، خرجت أكثر تماسكا، وبخطاب واحد يقوده الأوكرانيون أنفسهم.
لقد أظهرت قمة البيت الأبيض أن الحرب في أوكرانيا لم تعد مجرد نزاع إقليمي، بل معركة على مستقبل القارة الأوروبية كلها. والنتيجة الأوضح أن زيلينسكي، بفضل هذه القمة، صار عنوان وحدة أوروبا ورمزها، بينما بات لقاؤه مع بوتين أقرب من أي وقت مضى. لكن الجميع يدرك أن أي اتفاق سلام لن يُكتب له النجاح إلا إذا حافظ على قوة أوكرانيا، جيشاً واقتصاداً وأمناً.
وبينما برزت إشارات مشجعة من البيت الأبيض عن إمكانية عقد لقاء مباشر بين الرئيسين بوتين وزيلينسكي خلال الفترة المقبلة، بدا أن هذا الاحتمال بات أقرب من أي وقت مضى. لكن في الوقت ذاته، بقيت الشكوك قائمة حيال استعداد موسكو لتقديم تنازلات جدية تتجاوز الإطار التكتيكي نحو حلول استراتيجية.
هذا الاجتماع في واشنطن أعاد قدراً من الانتظام إلى العلاقات بين ترامب وأوروبا، بعد مرحلة من الارتباك سببتها سياسات الإدارة الأميركية السابقة تجاه حلفائها.
فالرسالة التي خرجت من البيت الأبيض اليوم أوضحت أن زيلينسكي لم يعد مجرد رئيس لدولة محاصرة، بل أصبح جزءاً من القرار الأوروبي – الأطلسي، يقود معه مساراً جديداً يجعل من أوكرانيا لاعباً محورياً في صياغة مستقبل الأمن الأوروبي.


