الدكتور سايد حرقص

​حزب الله و فلسفة "التفكيك" عند فيليب فورست: من الفلسفة إلى الأيديولوجيا السياسية

4 دقائق للقراءة

في كتابه "التفكيك: صراع من أجل البقاء"، يقدّم المفكر الفرنسي فيليب فورست قراءةً لمسار فكرة "التفكيك" أو "Deconstruction " التي ابتكرها الفيلسوف جاك دريدا. يوضح فورست كيف تحولت هذه الأداة، التي كانت في الأصل وسيلة أكاديمية لتحليل النصوص التاريخية والعلمية وكشف تناقضاتها، لتصبح أيديولوجيا سياسية واجتماعية تهدف إلى هدم البنى التقليدية للمجتمع والسلطة.


​بإسقاط هذه القراءة الفلسفية على المشهد اللبناني، نجد أن حزب الله قد مارس على مدى عقود عملية تفكيك ممنهجة وشاملة، استهدفت الدولة والمجتمع والتاريخ والعقيدة والذاكرة الجماعية. إن ما فعله الحزب ليس مجرد صراع سياسي، بل هو مشروع تفكيكي يعيد صياغة الهوية الوطنية اللبنانية من جديد، مستفيدًا من فراغ وطني وفكري وعقائدي تركه صراع المصالح العبثي ،منذ تطبيق اتفاق الطائف، بين المكونات الطائفية والمذهبية للسلطة اللبنانية، وملأه حزب بأيديولوجيا بديلة من خلال مكينة دعائية ومالية وعسكرية قوية.


تحت شعار مقاومة إسرائيل، ​أقام حزب الله جهازاً عسكرياً وأمنياً واستخباراتيا موازياً لسلطة الدولة، مما أضعف مؤسساتها وخلق ازدواجية خطيرة في المرجعيات السياسية والقانونية. هذا التفكيك لسلطة الدولة لم يكتفِ بإفراغها من دورها، بل جعل من القرار السيادي اللبناني مرتبطاً مباشرة بالمحور الإيراني وبالتالي بقرار الولي الفقيه، فبات لبنان يعيش تحت مظلة سلطتين، إحداهما دستورية ضعيفة، والأخرى واقعية قوية تتجاوز الدستور.

​قبل صعود حزب الله، كان المجتمع الشيعي اللبناني مساحة حيوية للنقاش الحر، تتفاعل فيها القوى العائلية التقليدية والتيارات اليسارية والشيوعية مع الفكر الديني المنفتح. لكن حزب الله، عبر مشروعه العقائدي، قام بتفكيك هذا الإرث الفكري المتنوع، وأعاد تشكيل المجتمع ضمن إطار ديني قمعي مغلق يعتمد إعتمادا اساسيا على مبدأ "التكليف الشرعي" . لقد استبدل فضاء النقاش المفتوح بسلطة عقائدية صارمة، تُخضع الأفراد لقناعة "الحق الإلهي" التي تجعل الولي الفقيه أو من يمثله في لبنان مرجعًا أعلى فوق النقد والمساءلة وسلطة "التكليف الشرعي" التي تلغي حرية الاختيار وحرية الانتخاب وجميع أنواع الحريات الشخصية التي كفلها الدستور اللبناني.


​كذلك، مارس الحزب تفكيكًا للفكر الديني الشيعي اللبناني. فبعد أن كان هذا الفكر الديني يرتكز على إرث علماء جبل عامل والسيد موسى الصدر والعلامة السيد محمد حسين فضل لله، ويمثل مدرسة اجتهادية تتميز بمسافة عن السلطة السياسية المباشرة، قام حزب الله باستبدال هذا التقليد بعقيدة ولاية الفقيه المستوردة من إيران. هذه العقيدة حوّلت المذهب من فضاء اجتهادي يقوم على الاجتهاد والفكر، إلى منظومة طاعة كاملة، تخضع لسلطة دينية مطلقة ذات صلاحيات سياسية وعسكرية واسعة وغير قابلة للنقاش.


​لم يكتفِ الحزب بتفكيك الحاضر، بل إمتد مشروعه ليشمل الماضي أيضاً. لقد مارس عملية ممنهجة لإعادة صياغة التاريخ اللبناني الحديث عبر إستخدام أشخاص يدعون المعرفة التاريخية لتزوير التاريخ الأساسي للبنان. دعم حزب الله هؤلاء المؤرخين المزيفين ماليا وسلطويا وإعلاميا لتفكيك وضرب التاريخ الوطني الجامع الذي كتبه كبار المؤرخين وعلماء الآثار واستبدله بسردية جديدة قائمة على التزوير والخرافات. في هذه السردية، يُعاد تشكيل أحداث التاريخ بحيث يبدو الحزب الحارس الأوحد للسيادة والكرامة، وتتحول كل أدوار بقية المكونات اللبنانية إلى أدوار ثانوية أو مشوهة.


​إن قراءة تجربة حزب الله من منظور فيليب فورست تكشف أن ما يحدث في لبنان ليس مجرد خلاف سياسي، بل هو عملية تفكيك شاملة: للدولة، والمجتمع، والفكر الديني، والتاريخ. هذه العملية ليست نتيجة عرضية لصراع إقليمي، بل هي مشروع منظم يسعى إلى إحلال منظومة طاعة دينية–سياسية مكان الهوية الوطنية اللبنانية. وكما يحذر فورست، فإن أخطر ما في هذا النوع من التفكيك أنه يُقدَّم تحت شعارات جذابة مثل "المقاومة" أو "التحرير"، بينما هو في جوهره هدم من الداخل يهدف إلى بناء مجتمع جديد على أسس تخدم سلطة واحدة مطلقة.

هذا التحليل يجعل من الصراع مع حزب الله صراعًا وجوديًا على هوية لبنان وبقائه كدولة تعددية، لا مجرد خلاف على السلطة أو السياسة. فهل يكفي إعادة تركيب الدولة "Reconstruction "وحده الى بناء ما دمره حزب الله وتفكيك خلاياه السرطانية داخل الدولة والإدارة والتربية والمؤسسات الأمنية أو يجب اللجوء إلى حلول أكثر جرأة مما يتوقعه اللبنانيون