أنطوني سعد

برّاك في بيروت: بين الضغط على إسرائيل والتشديد على سلاح الحزب

3 دقائق للقراءة

 زيارة الموفد الأميركي توم برّاك إلى بيروت لم تكن بروتوكولية أو عابرة. جاءت محمّلة برسائل سياسية وأمنية واضحة، ورسمت ملامح مرحلة جديدة عنوانها الحسم في ملف سلاح حزب الله، مع محاولة تثبيت معادلات جديدة في الداخل والخارج.



أولًا، أراد برّاك أن يمنح دفعًا قويًا لقرار الحكومة اللبنانية الأخير بحصر السلاح بيد الدولة. القرار الذي وُصف بالتاريخي، سعى الأميركيون إلى تثبيته كمرجعية دولية لا عودة عنها، بحيث يشكّل الموقف الدولي سندًا مباشراً للحكومة في معركتها مع الحزب.



ثانيًا، طرح ملف التجديد للقوات الدولية العاملة في الجنوب (اليونيفيل) من زاوية مختلفة. واشنطن تسعى لتوسيع صلاحيات هذه القوات، بحيث لا يقتصر دورها على مراقبة الحدود مع إسرائيل، بل تصبح عامل ردع مزدوج: تجاه أي خرق إسرائيلي، وأيضًا تجاه أي محاولة من الحزب لتعطيل مسار القرار الحكومي.



ثالثًا، حمل برّاك معه مفهوم "خطوة مقابل خطوة". فبعد أن خطت الحكومة اللبنانية خطوة غير مسبوقة بإقرار نزع السلاح، جاء الدور – وفق الرؤية الأميركية – على إسرائيل للانسحاب من النقاط الخمس المتبقية على الحدود. لكن السؤال يبقى: هل ستلتزم تل أبيب؟



الجواب الواقعي: لا. إسرائيل لن تنسحب قبل أن ترى الحزب يتخلى فعليًا عن سلاحه. بالنسبة لها، هذه النقاط الخمس ورقة ضغط استراتيجية، تربط مصيرها بمصير قرار نزع السلاح. فهي تعتبر أن وجود الجيش الإسرائيلي في هذه المواقع يطمئن سكان شمالها، ويمثل خط دفاع متقدّمًا يحمي المستوطنات من أي تهديد محتمل. لذلك، فإن أي انسحاب مسبق سيُعتبر تنازلًا مجانيًا، وهو ما ترفضه القيادة الإسرائيلية بشكل قاطع.



في الداخل اللبناني، يدرك حزب الله أن مسار نزع السلاح قد انطلق ولا مجال للتراجع عنه. لكنه، كما جرت عادته، لن يسلّم بسهولة. الحزب يسعى إلى تحويل خسارته العسكرية المحتومة إلى مكاسب سياسية، سواء عبر التمسك بحضوره البرلماني والوزاري، أو عبر محاولة فرض نفسه لاعبًا إلزاميًا في أي تسوية داخلية.



لكن المفاوضات التي سرّبت من بعض الأوساط تكشف أن الحزب وضع شروطًا مقابلة، أبرزها استحداث منصب “نائب رئيس الجمهورية” بما يمنحه حق الفيتو في الاستحقاقات الكبرى، إلى جانب تعديل تركيبة البرلمان ليصبح ثلاثي التوزيع: ثلث مسيحي، ثلث سني، وثلث شيعي، بدلًا من الصيغة الحالية القائمة على المناصفة بين المسلمين والمسيحيين. وهي طموحات حاول فرضها بالسلاح طوال السنوات الماضية، لكنه فشل في تحقيقها لا عسكريًا ولا سياسيًا.



وهنا يبرز اتفاق الطائف كمرجعية ثابتة. الطائف الذي رعته المملكة العربية السعودية ما زال يشكل الأساس للنظام اللبناني، والرياض باعتبارها “عرّاب” الاتفاق ترفض إدخال أي تعديلات جوهرية عليه. فالمجتمع الدولي ومعه الإقليمي يصرّ على تطبيق القرارات الدولية ضمن الإطار القائم، من دون المساس بميزان الطائف ولا فتح الباب أمام إعادة تشكيل النظام اللبناني من أساسه.



وعليه، فإن الحزب سيجد نفسه أمام معادلة صعبة: حل جناحه العسكري وتسليم سلاحه من دون مقابل، سواء طائعًا أو مُرغمًا. المجتمع الدولي لا يريد أن تتحول هذه الخسارة العسكرية إلى مكاسب سياسية، بل يسعى بالعكس إلى أن ترافقها خسارة في النفوذ السياسي داخل مؤسسات الدولة.



هكذا، تكتمل الصورة: لبنان الرسمي يضغط عبر قرارات الحكومة، واشنطن ترفع السقف بالدبلوماسية، إسرائيل تلوّح بالتعطيل ما لم يُنفّذ النزع فعليًا، حزب الله يحاول التمسك بدوره عبر شروط سياسية كبرى، فيما المجتمع الدولي يخطط لتقليص هذا الدور لا تكريسه.