محمد دهشة

صيدا خالية من المتسوّلين... بمبادرة إنسانية لافتة

3 دقائق للقراءة

حتى الأمس القريب، كانت إشارات السير في صيدا، ولا سيّما عند تقاطعي "إيليا" و "سبينس" – الأوستراد الشرقي، تتحوّل إلى مشهد يومي مقزز يثقل أعصاب المارّة وأبناء المدينة: عشرات المتسوّلين يتوزّعون وسط الطرقات وبين السيارات، يمدّون الأيادي طلبًا للمساعدة، وأحيانًا يفرضون وجودهم بالقوة.



ورغم أن التسوّل ليس ظاهرة جديدة على المدن الكبرى، فقد سبق لبلدية صيدا، بالتعاون مع القوى الأمنية وتجمّع المؤسسات الأهلية، أن أطلقت حملات منظمة للحدّ منها. تلك الحملات نجحت لوقت قصير وتركت شيئًا من الارتياح، قبل أن تعود الظاهرة بشكل أكبر، متخذة أشكالًا متعدّدة، لكنها في النهاية تنتهي إلى عنوان واحد: مدّ اليد تحت التظاهر بالحاجة.



ومع اشتداد الأزمة الاقتصادية والمعيشية في لبنان، تحوّلت الظاهرة إلى مهنة منظمة، لا سيّما أن المتسوّلين يُستقدمون من خارج المدينة، ليتمركزوا عند الإشارات الضوئية ويلاحقوا المارّة وسائقي السيارات. بعضهم ينظف زجاج السيارة دون استئذان، ثم يطلب المال، وإن لم يستجب السائق تنهلْ عليه الشتائم. فيما يلجأ آخرون إلى أساليب تستدر العاطفة، كأم تحمل طفلها تحت لهيب الشمس، أو فتاة ترفع لافتة تتحدّث عن مرض أو عجز عن دفع الإيجار أو إطعام الأولاد.



وسط هذا المشهد المقلق، جاءت مبادرة مؤسسة أبو مرعي الخيرية لتضيء شمعة في العتمة، عبر إطلاق حملة إنسانية بالتنسيق مع بلدية صيدا، تهدف إلى مكافحة ظاهرة التسوّل المسيئة لوجه المدينة وأهلها. المبادرة شملت تقاطعي "إيليا" و "سبينس" وعددًا من الشوارع والكورنيش البحري، على أن تستمرّ لعدة أشهر.



وتقوم المؤسسة بتخصيص متفرّغين يتواجدون بشكل دائم عند الإشارات، تتحمّل نفقاتهم بالكامل، لمنع ممتهني التسوّل، وغالبيتهم من القاصرين، من مضايقة السائقين والمارّة. خطوة رأت فيها الأوساط الصيداوية بارقة أمل، ورسالة إنسانية تعكس حرص المؤسسة على حماية صورة المدينة وصون كرامة أبنائها.



رئيس اتحاد بلديات صيدا – الزهراني ورئيس بلدية صيدا المهندس مصطفى حجازي، نوّه بالمبادرة "المشكورة" من مؤسسة أبو مرعي، معربًا عن أمله بأن تنجح الحملة في وضع حدّ نهائي لهذه الظاهرة المستقدمة من خارج المدينة. وأكد أن شرطة البلدية وأعضاء من المجلس البلدي يواكبون الحملة ميدانيًا، بالتنسيق مع محافظ الجنوب منصور ضو والقوى الأمنية، لضمان نجاحها واستدامتها.



في مدينة أنهكتها الأزمات الاقتصادية، وجعلت أبناءها يئنّون تحت وطأة الغلاء والبطالة، تبرز هذه المبادرة كرسالة تضامن إنساني. فهي لا تقتصر على مواجهة ظاهرة اجتماعية مقلقة، بل تعكس إرادة بأن تبقى صيدا، رغم كلّ الصعاب، مدينة تصون كرامتها وتبحث عن الأمل وسط الأزمات.