كانت أولى مقالاتنا، التي تتكرّم جريدة "نداء الوطن" بنشرها في صفحة "آراء"، بعنوان "فعل ثم تكلّم" وذلك بالاشارة إلى دولة رئيس الحكومة القاضي الدكتور نواف سلام. حملت تلك المقالة تفاعلاً ايجابياً مع زيارته الأولى لمسقط رأسي، مدينة طرابلس، في 27 آذار 2025. كما أنها لفتت الى "دلالات على أن نهج عمله وعمل فريقه الوزاري يختلف عما عهدناه في زمن العديد من الحكومات السابقة."
هذا الجو الايجابي لم يتبدّد منذ ذلك الوقت الذي شهد على عدة محطات وطنية كبرى وحرجة، لا بل هو تعزُز اثر زيارة الرئيس نواف سلام الثانية إلى طرابلس بتاريخ 18 آب 2025. والسبب هو أن الزيارة الحديثة قد تجلّت فيها سمتان أساسيتان للعمل الجاد، وهي المتابعة والتنفيذ.
في باب المتابعة، ظهر جلياً أن دولة الرئيس نواف سلام كلّل بمتابعته الخاصة المتابعات التي قام بها وزراء من حكومته في الأشهر الخمسة الماضية، خلال زياراتهم إلى الفيحاء الحبيبة، عاصمة الشمال.
وهذا تجلّى في أنه التقى مجدداً مع كافة الفعاليات المختصّة، وجال في المرافق الاقتصادية المعنيّة لتأكيد حاجات المدينة الانمائية، كما أنه عرض لركائز أربع تقوم عليها خطة الحكومة النهضوية لطرابلس والشمال، وهي: المعرض كمدماك أساس، ومطار القليعات/رينيه معوُض كحاجة تشغيلية استراتيجية، والمرفأ "ليصبح على مستوى الشرق الأوسط" والمنطقة الاقتصادية الخاصة لجذب الاستثمارات. ونضيف للشعر بيتاً هنا لنقول "رجاءً لا تنسوا إعادة تأهيل وتشغيل مصفاة طرابلس للبترول، اذ كانت لؤلؤة المدينة ومصدر خيرات جمّة لقاطنيها واقتصادها إلى حين اندلاع حرب ١٩٧٥ المشؤومة، والتي لم يقم للمصفاة بعدها قائم".
أما في باب التنفيذ، وهو يختص بوضع الخطط المدروسة في هذه المرحلة الأساس، فلقد برزت نقطتان مهمّتان، احداها من دولة رئيس الحكومة والثانية من معالي وزير النقل الأستاذ فايز رسامني.
ففي أثناء تفقُده لمنشآت معرض رشيد كرامي الدولي، شدّد الرئيس نواف سلام في كلمة له على أن حكومته "تعمل على فتح الباب أمام استثمارات جديدة". كما في زيارته الأولى، لم يقل "ستعمل" بل "تعمل"، وفي هذا إشارة واضحة إلى أن هناك عملاً جارٍ في هذا المجال، وكأنه أيضاً يبشّرنا بأن نتحضّر لسماع أخبار طيّبة في هذا الخصوص لاحقاً.
أما الوزير رسامني فلقد أوضح في تصريح له أن "دراسة الجدوى الاقتصادية الخاصة بالمطار [القليعات/رينيه معوّض] أُنجِزَت" وأن "المشروع بانتظار الخطوات التنفيذية لاعادة تشغيله".
للتذكير، فإن هذه الدراسة هي بالذات التي كان الرئيس نواف سلام قد أعلمنا في شهر آذار الماضي بأن الحكومة قد كلّفت شركة دار الهندسة باعدادها. اذن، فلقد صَدَقَ، وفي هذا احترام كبير للذات وللناس يُحسَب له في ميزان الوفاء بالوعد واستقامة العمل.
زد على ذلك أن الوزير رسامني أضاف قائلاً "ان طرابلس ستكون على موعد مع مشاريع جديدة قيد التحضير ستسهم في دفعها نحو مستقبل أفضل". لاحِظ أيضاً "قيد التحضير " وليس "ستُحَضّر"، أي أن دراساتها قائمة في الحاضر، وهي ليست في غياهب مستقبل مبهم لم تتحقق فيه أي من الوعود التي أغدقها علينا لعقود من الزمن المهدور ذلك النهج السياسي البائد الفاشل وعديم الرحمة والشفقة على أحوال الناس ومصائر الأجيال، ناهيك عن نهبه للبلد وافلاسه واثقاله بالديون الداخلية والخارجية.
من هنا، ليسمح لنا دولة الرئيس أن نشدّ على يده وأيادي وزراء حكومته الرشيدة بأن يمضوا في مسعاهم المذكور لإخراج مشاريع تنمية طرابلس والشمال إلى حيُز الوجود، أي جعلها حقيقة واقعة ماثلة للعيان، مع الرجاء أن يكون هذا في أقرب وقت ممكن. وليسمحوا لنا لنقول لهم وبالصوت الملآن "لا تأبهوا بأية عراقيل يمكن أن تصادفوها أو يضعها أحد في طريقكم، فالمتضرّرون من نجاحكم كثر، بل تجاوزوها بكل تصميم وعناد لأن في احقاق مشاريع مرافق طرابلس والشمال منافع جمّة سترتدّ بالخير على الدورة الاقتصادية للبلد ككل".
فضلاً عن ذلك نتوجّه إلى دولة الرئيس بالقول "لقد ربطتم، وبحق، موضوع التنمية باستتباب الأمن و باستكمال استرداد السيادة أيضاً، وهذين الشأنين لن يستعصيا عليكم، خاصة أن هناك دعم شعبي عارم، ظاهر ومستتر، لكم لتحقيقهما على أرض الواقع. فشعبنا قد تعب من الاستلشاق بمصالحه والمقامرة بجهده وماله ورزقه وكرامة عيشه خدمةً لقوى داخلية وخارجية مختلفة ضغطت، وللأسف لا تزال، على أنفاسه مثل أحجار ثقيلة جاثمة على صدره".
ونقول "بأقرب وقت" إذ أن فرصة استفادة لبنان من الاشتراك بإعادة اعمار سوريا قد ضاقت كثيراً عما كان متوقعاً لها (وهذا ليس ذنبكم، دولة الرئيس). فها هو مرفأ طرابلس قد فقد بعضاً من امكانية اتساع نطاق أعماله جراء التأكيد الرسمي الذي صدر حديثاً من قبل القيادة في سوريا للهيئة العامة للمنافذ البرية والبحرية لديها للبدء المبكر في بناء رصيف جديد في مرفأ اللاذقية. وها هو مطار القليعات مُرشحّ لفقدان أعمال كانت لتصبُ عنده، جراء الاتفاق الذي أُعلِن بالتزامن عنه على اعتماد موانىء جافة ونقل البضائع عبر مطار دمشق الدولي.
طبعاً التركة ثقيلة، وموجودات خزينة الدولة شحيحة مقارنةً بالأشغال العملاقة التي يتوجّب تنفيذها، ناهيك عن أن كل تأخير في الجدول الزمني لاسترداد السيادة الشاملة داخلاً وخارجاً يُبقي حنفية المساعدات المالية والاستثمارات العربية والدولية مُغلقة.
في هذا نشدّ أيضاً على يد دولة رئيس الحكومة لذكره موضوع جذب الاستثمارات، خاصةً من باب المجال المفتوح لاقامة شراكات مثمرة بين القطاعين العام والخاص، مثل ما أعلن دولة الرئيس نواف سلام عنه سابقاً، خلال زيارته الأولى لطرابلس.
نختتم بنصيحة من عالم إدارة الأعمال الذي تمرُسنا به في حياتنا المهنية الا وهو عدم مهابة المشاريع الضخمة، إذ أنه غالباً ما تتيسّر حلول لتنفيذها عن طريق تقسيمها بطريقة مدروسة إلى مشاريع أصغر و تنفيذ كل منها تلو الآخر أو بالموازاة، بحيث أن المنهجية المتبّعة تجعل تلك الأجزاء تتكامل مع بعضها البعض في نهاية المطاف. وهل هناك بيئة أخصب من هذه لتشجيع رواد الأعمال الشباب على انشاء الشركات الصغيرة والمتوسطة وافادة المجتمعات المحلّية من وجودها وعملياتها؟
والجميل في ذلك أنه مع اكتمال أي جزء وتشغيله، تُخلق وظائف جديدة وتتحرك قطاعات اقتصادية مترابطة، وتتكوُن ثقة منشٍِّطة ودافعة من جراء تحسُن الأحوال الناتج والملموس حسّياً. كل النظريات والتطبيقات الاقتصادية تلحظ مقاماً لعامل الثقة وتعتبره العنصر الأهم لتحريك العجلة الانمائية، أن على صعيد بلد فردي أو على نطاق العالم أجمع. والثقة هي أيضاً من عناصر استدامة التقدّم والترقّي للأمم.
هناك قطار قد انطلق في 9 كانون الثاني 2025 غداة انتخاب العماد جوزاف عون رئيساً للجمهورية، وانضم اليه في قمرة القيادة في الشهر اللاحق دولة رئيس الحكومة نواف سلام، والشعب بغالبيته المعلنة والصامتة قد اعتلى عرباته معهما وكله ثقة في قيادتهما الآمنة والأمينة. فلنجعل هذه الرحلة تسطِّر ملحمة من النجاح والعلو والإنجاز المُبين.
صاحب رأي سيادي مستقل