لم يكن مستغربًا أن يخرج المفتي أحمد قبلان، المفتي الجعفري الممتاز، بردّ عالِ النبرة على دعوة البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، الذي لم يفعل سوى أن ذكّر بالثوابت الوطنية ودعا إلى ما ينص عليه الدستور: قيام الدولة الواحدة، واحتكارها للسلاح والقرار. لكن المستهجن أن يتجرأ مفتي على أعلى مرجعية مسيحية، فيستعمل خطاب التهديد والوعيد، مستعيدًا مشاهد سوداء من تاريخ اللبنانيين كـ"6 شباط"، ليرهب ويكمّ الأفواه.
ما هكذا يكون الخطاب الديني. وما هكذا تُصان المرجعيات. البطريرك الراعي لم يدعُ إلى حرب، ولم يدعُ إلى فتنة، بل قال كلمة حق باسم كل لبناني مؤمن بكيان الدولة. أما المفتي قبلان فحوّل موقعه الروحي إلى متراس سياسي، وصار لسان حال حزب الله وسلاحه غير الشرعي، متخليًا عن رسالته الدينية التي يجب أن تكون جامعة وموحِّدة.
بكركي لم تغيّر موقفها منذ تأسيس الكيان اللبناني. هي حمت لبنان الكبير، وصانت الميثاق الوطني، ودافعت عن الحريات والسيادة في أحلك الظروف. ومن بكركي انطلقت الدعوات إلى الحياد الإيجابي، وإلى مؤتمر دولي من أجل لبنان، وإلى مصالحة داخلية حقيقية. واليوم، حين يرفع البطريرك صوته بضرورة استعادة الدولة لقرارها، فهو يعبّر عن ضمير وطني جامع، لا عن نزعة فئوية أو طائفية.
أما أن يُقابل هذا الموقف بتهديدات ومقاربات عنفية، فهذا يكشف حقيقة التورط في الدفاع عن السلاح غير الشرعي، بدل الدفاع عن الدولة اللبنانية ومؤسساتها. فهل يُعقل أن يُختزل موقع ديني رفيع بكونه بوقًا لفئة مسلّحة؟ وهل المطلوب أن يُكمّ صوت بكركي ليعلو فقط صوت الميليشيا؟
الردّ على هذا المنطق هو بكل بساطة: لا. لن تسكت بكركي، ولن يُخيفها أي تهديد. الراعي سيبقى صوت لبنان الحر، ومواقفه ستظل نابعة من وجدان وطني صادق، لا من حسابات حزبية ضيقة. وإذا كان هناك من يراهن على إخضاعها بلغة الوعيد، فإنه واهم، لأن بكركي كانت وما زالت صرحًا وطنيًا عصيًّا على الترهيب.
إن مستقبل لبنان لا يُرسم بلغة التهديد ولا بمنطق الانقلابات. المستقبل يُبنى بدولة واحدة، بجيش واحد، بقضاء واحد. وكل ما عدا ذلك هو مغامرة بكيان لبنان وبشراكة أبنائه. وإذا كان المفتي قبلان ومن يمثل، يرون في السلاح ضمانة، فنحن نرى في الدولة وحدها الضمانة. وإذا كانوا يرون في الفوضى وسيلة ضغط، فنحن نرى في الدستور المرجع والحَكَم.
وليعلم الجميع: بكركي ستبقى، بصوتها الواضح، حامية للميثاق والدستور. وستبقى شوكة في خاصرة كل مشروع يرمي إلى تحويل لبنان رهينة. والذين يلوّحون بالماضي لن ينجحوا في إلغاء المستقبل.
باختصار، مجد لبنان أُعطي له، ولبكركي، وللدستور والشرعية، أمّا البقية الباقية فقد أُعطي لها أمجاد وهمية، قائمة على فوهات البنادق غير الشرعية، وعلى لغة التهديد والوعيد، وعلى معامل الكابتاغون، وعلى معابر التهريب وتجارة الممنوعات، وعلى منابر حزبية متنكّرة بلباس ديني. مجد لبنان حقيقي، متجذّر في التاريخ والميثاق والدستور، أما مجد السلاح فهو سراب لن يصمد أمام أول امتحان للدولة والشرعية والأكثرية... والسلام
رئيس دائرة الإعلام الداخلي وعضو المجلس المركزي في حزب "القوات اللبنانية"