جوزيف بوهيا

حزب الله بين خطاب الفتنة وحقيقة العجز: قراءة في ميزان القوة الجديد

8 دقائق للقراءة

يعيش لبنان اليوم أهم مرحلة في تاريخه السياسي منذ اتفاقية القاهرة عام 1969. الدولة تتقدم بخطوات غير مسبوقة لتثبيت قرار سيادي واضح بحصر السلاح بيد مؤسساتها الشرعية، فيما يرفع حزب الله صوته عاليًا ملوّحًا بالخراب والفتنة. لكن خلف هذا الضجيج، يختبئ واقع مغاير: حزب خرج من حرب 2024 مثقلاً بالخسائر البنيوية، عاجزًا عن الذهاب إلى مواجهة جديدة، فلا يبقى أمامه سوى لعبة الكلام والتهديد، في محاولة للتعويض عن فقدان ميزان القوة.


من "انتصارات الأمس" إلى مرحلة الدفاع

ما بدا في عامي 2000 و2006 كـ"انتصارات كبرى" لم يكن سوى صناعة إعلامية. سمح الغرب بمرورها ضمن لعبة التوازنات مع إيران، فاستفاد منها حزب الله ليبني حول نفسه هالة تفوّقٍ تتجاوز حقيقة إنجازاته المحدودة. بعد حرب 2024 تغيّر المشهد جذريًا: الضربات التي طاولت قياداته واستنزفت ترسانته أخرجته من موقع الهجوم إلى موقع الدفاع، لا عسكريًا فحسب، بل على مستوى هويته السياسية أيضًا.


بعد أن قدّم نفسه كصانع انتصارات، وجد الحزب نفسه يعلّق هويته على معارك مؤجلة لا قدرة لها على خوضها. هذه المفارقة ليست تفصيلًا في المسار، بل تحوّل بنيوي يُضعف أسطورته التأسيسية ويجعله مجرد فاعل سياسي متوتر، لا قوة ردع مقاومة كما حاول أن يظهر لسنوات.


تحييد الجيش والرئاسة: حسابات الخسارة

يدرك الحزب أن الصدام مع الجيش سيكون انتحارًا سياسيًا، فالمؤسسة العسكرية – بخلاف سائر القوى – تمتلك شرعية عابرة للطوائف، فيما تشكّل جزءًا من نسيجه الاجتماعي عبر آلاف الجنود والضباط المنتمين إلى بيئته نفسها. وأي مواجهة معها تعني صدامًا مع بيئته قبل أن تكون مواجهة وطنية. أما رئاسة الجمهورية، فيتفاداها الحزب لأنها تمثل رأس الحربة في قرار الدولة حصر السلاح. وهي تحظى بغطاء خارجي واسع من واشنطن والعواصم العربية والأوروبية. استهدافها سيُقرأ كتصادم مع الشرعية الدستورية ومع الإجماع الدولي–العربي الداعم لها، وهو خط أحمر يعرف الحزب أنه لا يملك القدرة على تجاوزه.


في المقابل، يركّز الحزب هجومه على رئيس الحكومة والقوى السيادية، ولا يتردّد في استهداف المرجعيات الروحية الإسلامية والمسيحية معًا. غايته ليست مواجهة خصوم "أسهل"، بل إعادة فتح خطوط الانقسام الداخلي وتحويل المواجهة من صراع بين الدولة والميليشيا إلى سجال لبناني–لبناني. غير أنّ هذه الاستراتيجية تكشف ضيق هامش حركته: فهو عاجز عن إشعال حرب أهلية فعلية، فيلجأ إلى افتعال توترات كلامية وسياسية لتعويض عجزه الميداني. وهكذا يظهر وكأنه يستجدي حربًا أهلية باردة لشدّ عصب جمهوره والإبقاء على صورته كـ"حامي للطائفة"، مع إدراكه المسبق أنّ كلفة انفجار داخلي كهذا تفوق قدرته على الاحتمال.


خطاب مرتفع… وقدرة متدنية

منذ عام 2000 اعتاد جمهور الحزب سماع لغة "الانتصارات"، أما اليوم فلا يسمع سوى "التهديدات بالخراب". الفارق لم يعد في الكلمات فحسب، بل في وظيفتها: ما كان يُستخدم لبثّ الثقة صار يثير القلق، وما كان وسيلة للتعبئة تحوّل إلى تبرير للعجز. وكلما ارتفع الصوت انكشف ضعف القدرة، حتى أصبح الخطاب نفسه علامة على الأزمة بدل أن يكون وسيلة لإخفائها. هكذا تحوّل الكلام من سلاح قوة إلى دليل ضعف، وهو التعبير الأوضح عن مأزق الحزب الراهن.


والمفارقة أنّ هذا الانكشاف ظهر أوضح بعد زيارة المبعوث الأميركي توماس باراك، إذ أدرك الحزب أن أي تحرّك ميداني في ظلّ الحضور الدولي سيُحسب استفزازًا مباشرًا ويستجلب ضغوطًا أكبر، فتراجع عن الشارع واكتفى بالتصعيد اللفظي. وهكذا تحوّل خطابه العالي من أداة للتعبئة إلى وسيلة لتغطية انسحابه الميداني، في اعتراف ضمني بأن زمن السيطرة بالشارع انتهى.


حتى مواكب الدراجات النارية التي تحرّكت لأيام متتالية توقفت فجأة بعد خطاب نعيم قاسم الأخير. كان خطابًا متشنجًا وعالي النبرة، امتلأ بالتحريض والعنتريات. بدا وكأن وظيفته الأساسية لم تكن الدعوة إلى التصعيد، بل العكس: رفع السقف بالكلام من أجل سحب الشارع من الشارع، أي استخدام الخطاب كأداة لامتصاص التوتر وإيقاف التحركات الميدانية. وهنا تتجلّى المفارقة: الكلمة لم تعد أداة للتعبئة بل وسيلة لضبط الجمهور، بما يكشف حدود القوة الفعلية للحزب اليوم.


ولا ينفصل ضعف حزب الله عن تضييق إقليمي على إيران، التي تواجه عقوبات خانقة وضغوطًا في ساحات نفوذها التقليدية، ما حوّل ذراعها اللبنانية من ورقة تفاوضية رابحة إلى عبء ثقيل.


التآكل الاجتماعي–الاقتصادي

إلى جانب عجزه العسكري والسياسي، يواجه حزب الله تحديًا أخطر يتمثل في تصدّع بيئته الاجتماعية. الحرب الأخيرة كانت قاسية على اللبنانيين عمومًا، وعلى الطائفة الشيعية خصوصًا. فما زال كثيرون من أبناء الجنوب والضاحية مشرّدين عن بيوتهم بلا خطط إعمار واضحة ولا أفق قريب للحل. هذا الواقع يضغط بشدة على الحزب ويسقط الشعارات التي طالما رفعها، بعدما تبيّن أنها عاجزة عن إطعام الخبز أو تأمين مستقبلٍ كريم. لعقودٍ أمسك الحزب بجمهوره عبر شبكة من الخدمات والرواتب والمؤسسات الصحية والتعليمية، أما اليوم فقد تآكلت هذه الشبكة تحت وطأة الحرب، وتفشّي الفوضى الأمنية، والعقوبات، وشح التمويل الإيراني، وانهيار الدولة.


ومع كل تهديد يطلقه الحزب، يتّضح التناقض أكثر: خطاب سياسي صاخب يقابله عجز عن حماية الناس من جوعهم وذلّهم اليومي. هذا التآكل الاجتماعي يضعف الحزب ويحرمه من ركيزة الشرعية التي طالما استند إليها لتبرير سلاحه وحروبه، ويجعله أقل قدرة على تحريك الشارع وأقرب إلى العزلة داخل خطابه المتحجر.


الدولة بين اختبار الصبر وبناء الشرعية

لم يعد يكفي أن تكتفي الدولة بمسار طويل النفس يقوم على ضبط السلاح المتفلّت وبناء وقائع تدريجية تُرسخ فكرة الحصرية، بل عليها أن تعيد النظر في شبكة التسهيلات التي استفاد منها حزب الله لعقود تحت عنوان "التعاون الأمني" أو "خدمة المقاومة". فاستمرار هذه الامتيازات يكرّس ازدواجية السلطة، فيما وقفها يحوّل الدولة من شريك ضمني إلى مرجع حصري ويفرض على الحزب مواجهة واقعه بلا غطاء رسمي.


بهذا يصبح الصبر السياسي مقرونًا بالفعل المؤسساتي: تحييد الجيش عن السجالات، حماية الشرعية الروحية والمدنية من التشهير، ووقف الامتيازات التي مكّنت الميليشيا من التنفس داخل جسد الدولة. لكن أبعد من هذه الخطوات الإجرائية، ما يجري اليوم هو عملية أعمق: إعادة تعريف لمعنى الدولة اللبنانية بعد الطائف. فالسؤال لم يعد تقنيًا بل وجوديًا: هل تبقى الدولة رهينة "معادلة الميليشيا" أم تتحوّل إلى دولة سيادة تحتكر وحدها قرار الحرب والسلم؟


إن حصر السلاح بيد الدولة ليس سوى المحطة الأولى في الصراع الحقيقي. فبعد إنجازه سيتحوّل المسار إلى معركة كبرى على صياغة العقد الاجتماعي الجديد للبنان. وما الكباش الدائر اليوم حول السلاح إلا بداية لمسار طويل تتكدّس فيه أوراق القوى المحلية والدولية تمهيدًا للحظة الحسم التي ستقرّر هوية الدولة لعقود مقبلة.


بين الضغط والدعم

في موازاة التصدع الداخلي، يحظى مسار الدولة بدعم خارجي متزايد. العواصم الكبرى – من واشنطن وباريس إلى العواصم الخليجية – تقرأ ضعف الحزب كنافذة لإعادة بناء الدولة اللبنانية وتثبيت سيادتها. صحيح أن الدعم الخارجي يقتصر على الضغط السياسي والاقتصادي، لكنه يوفّر للبنان غطاءً دوليًا يسهّل خطواته. وهذا العامل الخارجي لا يلغي مركزية المواجهة الداخلية، بل يعزّزها. حيث يصبح العامل الخارجي رافعة لمسارٍ يظلّ جوهره لبنانيًا خالصًا.


سيناريوهات مفتوحة

المشهد أمام لبنان يفتح على ثلاثة مسارات متداخلة: الأول، التعطيل المنظم عبر التصعيد الكلامي وتحريك الأدوات السياسية والإعلامية من دون مواجهة مباشرة. لكن هذا الخيار، إن استمر طويلاً، قد يضعف صدقيته أمام جمهوره ويُظهره في موقع المربك. الثاني، التصعيد الموضعي المحدود لرفع سقف التفاوض، مع إدراك الحزب أنّ حربًا واسعة تتجاوز قدرته على الاحتمال. الثالث، التفاهم المرحلي على "الحصر التدريجي" للسلاح مقابل ضمانات سياسية واقتصادية تحفظ له دورًا أصغر مما اعتاد.


تختلف السيناريوهات بين تعطيل منظم أو تصعيد موضعي أو تفاهم مرحلي، لكن الثابت واحد: سلاح الحزب يتآكل وقدرته تنكمش؛ فزمن الميليشيا–المعجزة انتهى، وزمن الميليشيا–العبء قد بدأ.


لبنان اليوم أمام مشهد غير مسبوق: حزب الله الذي اعتاد فرض المعادلات بالسلاح يجد نفسه مضطرًا إلى الاحتماء بالكلام. الدولة تخطو ببطء، لكنها تخطو في الاتجاه الصحيح، فيما الحزب يعلو صوته بقدر ما يضعف موقعه. إنها لحظة مفصلية: دولة تبني شرعيتها خطوة بخطوة، وحزب تنهار هيبته كلمة بكلمة.