في وقتٍ تتخبّط فيه الإدارات اللبنانية في البيروقراطية وتعاني من غياب الاستدامة في المشاريع الإصلاحية، برز اقتراح قانون إنشاء "الهيئة اللبنانية للرقمنة" الذي تقدّم به عضو تكتل "الجمهورية القوية" النائب رازي الحاج في كانون الأول 2022، ليشكّل محطة مفصلية في مسار تحديث الإدارة اللبنانية.
الاقتراح، الذي يناقَش اليوم بجدية في اللجان النيابية، يضع لبنان أمام فرصة الانتقال من التنظير حول "التحوّل الرقمي" إلى التنفيذ الفعلي عبر إنشاء جهة تنفيذية متخصصة، تتمتّع بالقدرات التقنية والإدارية، وتعمل وفق أفضل المعايير العالمية. فالتجارب السابقة، سواء مع استراتيجية التحوّل الرقمي التي قدّمتها الوزيرة مي شدياق عام 2019 أو تلك التي أعادت طرحها الوزيرة نجلا الرياشي عام 2022، اصطدمت بعدم قبول الحكومات المتعاقبة بمرجعية تنفيذية واضحة.
القانون الجديد يملأ هذا الفراغ من خلال إنشاء هيئة مرتبطة بالحكومة مباشرة عبر رئيسها، على أن تكون مسؤولة عن وضع سياسات الرقمنة وتنفيذها، من دون أن تلغي دور الوزارات المعنية مثل التنمية الإدارية أو وزارة التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. هذه الصيغة تعكس فهماً حديثاً للحوكمة، إذ توفّر إطاراً مؤسساتياً مستداماً يمنع ضياع الجهود أو توقفها عند كل استحقاق حكومي أو انتخابي.
أهمية القانون لا تقتصر على إعادة تنظيم الإدارة، بل تتعداها إلى الأبعاد الاقتصادية والشفافية. فإطلاق حكومة رقمية متكاملة من خلال منصة موحّدة ومعاملات إلكترونية سيضع حداً لمساحات واسعة من الفساد والزبائنية التي ترافق العمل الورقي، كما سيخلق بيئة أعمال مؤاتية تشجع الاستثمارات وتدعم النمو المستدام.
إلى ذلك، فإن إقرار القانون يشكّل خطوة إصلاحية كبرى تواكب التحوّلات التي سبقتنا إليها دول كثيرة في المنطقة والعالم. فالحكومة الرقمية لم تعد ترفاً، بل باتت شرطاً من شروط الاندماج في الاقتصاد العالمي ومقاربة ضرورية لتسهيل حياة المواطنين وتخفيف الأعباء عنهم.
من هنا، يمكن القول إن اقتراح "الهيئة اللبنانية للرقمنة" يقدّم للبنان فرصة نادرة للخروج من دوامة المشاريع غير المكتملة، والانتقال نحو إصلاح مؤسساتي حقيقي يضع رقمنة الدولة على السكة الصحيحة، ويعطي اللبنانيين حقهم في إدارة عصرية وشفافة، طال انتظارها.