في زمنٍ تتحوّل فيه الحياة إلى تسليعٍ وتفريغٍ من المعنى، يُطلّ علينا كتاب "الحياة ليست رواية" للكاتب اللبناني عبده وازن، الصادر حديثًا عن "منشورات المتوسط" - إيطاليا، بوصفه شهادة حيّة من قلب الهوية المتشظيّة والموت المعنوي والاغتراب اللغوي، والحبّ غير المتحقق. ليس الكتاب رواية بالمعنى التقليدي، كما لا يمكن تصنيفه سيرةً ذاتية خالصة، بل هو محاولة سرديّة متحرّرة تعيد طرح أسئلة جوهريّة عن معنى أن تكون قارئًا، لا كاتبًا، وعن معنى أن تُولَد في بلد يتقاتل فيه الناس على الهويّة، وتُجبر فيه على حب لغةٍ ليست لغتك الأم.
منذ الصفحات الأولى، نعرف أنّ عبده وازن لا يتعامل مع "القراءة" كفعلٍ ترفيهيّ أو تثقيفيّ، بل يرفعها إلى مستوى الوجود. في اقتباس لافت يقول: "أنا القارئ، لست قارئًا فقط. أنا مجنون قراءة، مريض قراءة". هذه الجملة هي إعلان موقف وُجوديّ. أن تكون قارئًا هو أن تكون خارج التعريفات النمطيّة للمهن والهويّات الاجتماعية، الطب، الهندسة، المحاماة، كلّها وظائف تقود إلى الاعتراف الاجتماعي. أما أن تكون قارئًا، فذلك خيار يشبه العزلة، الزهد، وربما الجنون.
في مجتمع يُقاس فيه الإنسان بما يُنتجه ماديًا وبما يجمعه من المال، اختيار القراءة كمهنة (حتى ولو لم تدرّ قرشًا واحدًا) هو فعل مقاومة. إنه انتصار فرديّ على عالم استهلاكي يُنكر البُعد الروحيّ والفكريّ للوجود.
الوطن كمقبرة معلّقة
يحمل الكتاب جراح لبنان في طيّاته، وتحديدًا جراح الحرب الأهلية التي تمتدّ مثل ندبة على الجسد السرديّ للنص. عبر قصّة جيلبير، والد جوسلين، الذي يُخطف ويُقتل على الهوية الطائفيّة، يعيد النصّ تسليط الضوء على أحد أكثر وجوه الحرب قبحًا: الخطف والتصفية بحسب الانتماء: "صفّوه، كأنه خروف في مسلخ".
ليست الحرب هنا مجرّد حدث سياسي عابر، بل جريمة مستمرّة تسكن في الذاكرة وتعيد تشكيل اللغة، والانتماء، والعلاقات. حتى الحبّ في هذا السياق يظهر هشًا، عابرًا، ومُهددًا بالموت.
الحبّ في زمن الفقد
تتشكّل في الكتاب ثلاثيّة إنسانية مؤثّرة: الراوي، جوسلين وجوزف. جوسلين، الفرنسيّة - اللبنانيّة التي تعود إلى وطن والدها المقتول وتقع في حبّ صديق الراوي، لا تعيره هو ذاته انتباهًا عاطفيًا. أما الراوي، فيحبّها صامتًا، ثم يكتب عنها بعد رحيلها. هكذا يتحوّل الحبّ من تجربة حقيقيّة إلى أثر لغويّ، من علاقة جسديّة أو عاطفيّة إلى كتابة مؤجلة: "كتبتُ هذه الرواية لهما، ولكن كي لا يقرآها".
تعود جوسلين إلى فرنسا، يموت جوزف. والراوي يبقى وحيدًا مع ذاكرته، يكتب بالعربيّة على الرغم من إجادته للفرنسيّة، كما لو أنّ الكتابة بهذه اللّغة تحديدًا هي فعل تطهير أو اعتراف متأخّر بانتماء لم يُعَش.
اللغة كمختبر للهوية
يطرح وازن سؤالًا وجوديًا عبر تجربته التعليميّة في "مدرسة اللّيسيه الفرنسيّة: "الفرنسيّة لغتنا اليوميّة في المدرسة، أما العربيّة فنادرًا ما نتكلم بها". إنه صوت جيل لبناني واسع تربّى على النهج الفرنكوفونيّ، ووجد نفسه في صراع داخليّ بين اللّغة التي تعلَّمها، واللّغة التي تنتمي إليه بيولوجيًا. فهل اللّغة الأم هي التي نرضعها مع الحليب، أم التي نتعلّمها في الكتب؟ هل يمكن أن تكون لغة الآخر أكثر ألفةً من لغتنا؟
الكتابة بالعربيّة هنا ليست مجرّد قرار لغويّ، بل هي مواجهة متأخّرة مع الذات، مع الجذر، مع سؤال الوطن والهوية. وكأنّ الكاتب يقول: لا خلاص لنا من أوطاننا، حتى وإن أنكرناها.
المعاق هو الكامل فينا
في القسم الثاني من الكتاب، يقدّم عبده وازن واحدًا من أجمل تأمّلاته، حين يحدّثنا عن فلور، ابنة عمّه المعاقة، التي يرى فيها ملاكًا على الأرض: "فلور لا تحتاج أن تصعد إلى الجنة، لقد حملتها معها إلى الأرض".
فلور ليست فقط ابنة عم، بل مرآة روحيّة يرى فيها الراوي ذاته الخفيّة. حضورها الصامت، جسدها الصغير، فمها غير القادر على النطق، كلّها علامات الكمال في النقص. وازن لا يشفق عليها، بل يقدّسها، يجعلها معيارًا للنّقاء، ويعترف أنه حاول أن يقلّدها في صمتها وابتعادها عن العالم، وفشل.
في مجتمع يعبد الكمال الجسدي والعقلي، تأمُّل الراوي في جسد فلور، في تفاصيله الطفولية والبريئة، هو دعوة لإعادة تعريف الجمال والاكتمال.
الكتابة كخلاص
وعلى الرّغم من أنّ الراوي يصرّ على أنه "قارئ وليس كاتبًا"، إلا أنّ النص يكذّبه. بين تأمّلاته العميقة ووصفه الدقيق واعترافاته المؤلمة، نجد أنفسنا أمام كاتب حقيقي، ليس فقط لأنه يبدع لغة فخمة، بل لأنه صادق. يكتب لأنّه لا يملك سبيلًا آخر للخلاص: "لم أكتب لأصنع رواية، بل لأتخلّص من العبء الذي يربض عليّ".
ليست الكتابة هنا أداة شهرة أو وسيلة اعتراف. إنها فعل شفاء ذاتي، مقاومة للغياب، للبتر، للفقد. كل فصل هو قطعة مرمّمة من نفس متكسّرة، وكلّ شخصية هي محاولة لإنقاذ شيء من الضياع.
اللغة والهوية في زمن الاغتراب
من أكثر ما يلامس القارئ في "الحياة ليست رواية"، التوتُّر المؤلِم بين اللّغتَين: الفرنسية والعربية. الراوي تربّى في مدرسة فرنسية في بيروت، وتعلّم أن يحبّ لغة الآخر أكثر من لغته الأم. هذا الاغتراب اللغوي، يصبح تمثيلًا لأزمة هوية أوسع يعاني منها جيل كامل من اللبنانيين. فالفرنسية، رغم أناقتها وقدرتها على التعبير، تظل غريبة، قد تحرم الكاتب من جذوره. أما اللّغة العربيّة، فهي الأم التي نسي صوتها، فصار يستعيدها بتلعثم وحياء. عندما يقرّر أن يكتب روايته بالعربيّة، على الرغم من صعوبتها عليه، فهو لا يكتب فقط بل يُعيد بناء نفسه. هو يقول للعربية: "أنا عائد، وإن كنتُ ضعيفًا فيكِ". إنها لحظة مصالحة متأخّرة لكنها صادقة. وبهذا، تصبح الكتابة بالعربية ليست خيارًا أدبيًا بل موقفًا أخلاقيًا، ومحاولة لاستعادة ما سُلب قسرًا. إنها خطوة نحو الانتماء الحقيقي، لا الجغرافي فقط، بل اللساني والروحي والثقافي.
من قلب الشرخ
"الحياة ليست رواية"، كتاب عن الهويّة المهشّمة والحب المفقود والقراءة كخلاص، لكنه أيضًا صرخة هادئة في وجه زمن فَقَدَ روحه. إنه دعوة للتأمّل، وللمصالحة مع لغتنا وذاكرتنا وطفولتنا، حتى حين تكون معاقة. هو عمل صادق، موجِع أحيانًا، لكنه مشعّ بالإنسانية.
هل الحياة رواية؟
في النهاية، يُنكر الراوي فرضيّته ويعترف: "الحياة ليست رواية". الحياة لا تمنحنا "حبكة"، ولا "ذروة"، ولا حتى "خاتمة منطقية". إنها فوضى، جمال، خيبة، ألم… وهي تستحقّ أن تُعاش حتى لو لم تُفهم لأنّ الرواية تُكتب وتُنقّح، أما الحياة فتفلت وتؤلم وتخذل، بلا منطق ولا خاتمة. لكنها، على الرغم من كلّ شيء، تستحق أن تُعاش. "الحياة ليست رواية"، لكنها أحيانًا تُكتب. لا للخلود، بل للخلاص. وعبده وازن هو القارئ، كما أراد. لكننا نراه شيئًا آخر، نراه الكاتب الذي كتب لأنه لم يجد خلاصًا آخر. وكتابه؟ ليس رواية تقليديّة نعم، لكنّه اعتراف لا يليق إلا بالأدب الحقيقي.
