د. بولا أبي حنا

الغاية تبرر الوسيلة… وأنا حربوق مش فاسد

7 دقائق للقراءة

يقول الاقتصادي روبرت كلينغ إن الفساد هو: "استغلال المنصب العام لتحقيق مكاسب خاصة". تعريف بسيط لكنه يختصر كل شيء.


وقد شدد نيكولو مكيافيللي (Machiavelli) في كتابه الأمير (The Prince, 1513) إن الغاية تبرّر الوسيلة. عندنا، تحوّل المبدأ إلى دستور غير مكتوب: الوزير يسرق "لأجل الحزب"، النائب يشرّع "لأجل الطائفة"، الموظف الصغير يزوّر "لأجل رب العائلة". الكلّ يتلطّى وراء "غاية سامية" تبرّر فسادًا يوميًا.


من يغشّ في امتحان الرياضيات لا يختلف في الجوهر عن المسؤول الذي يختلس ملايين الدولارات من خزينة الدولة، لأن الفساد ببساطة هو استغلال المنصب العام أو أي سلطة لتحقيق مكاسب شخصية. لكن الدولة تبدأ بالانهيار حين يصبح هذا "الحربوق" وزيرًا أو مديرًا أو حتى رئيس مصرف. في لبنان، المشهد أشبه بـ"جولة سياحية" في جمهورية الفساد: تبدأ من غرفة الصف وتمتدّ إلى قصور الحكم، حيث كل جهة تجد فسادها الخاص.


الطالب الغشّاش هو نائب المستقبل الذي يعلن عن "خطّة وطنية" ويتموّل كشريك في الصفقة. المدرسة التي يغضّ فيها المعلم الطرف عن الغياب تفتح الباب لموظف الدولة الذي "يوقّع على المعاملة بلا واسطة" طالما تلقى قهوة قبلها. هل هو خلل في التربية؟ أم أن "المال السايب يعلّم الحرام"؟


الفاسد لا يرى نفسه فاسدًا، بل يعتبرها "شطارة". يقولها ببرودة دم:" أنا حربوق مش فاسد". هذه الجملة الصغيرة تختصر الذهنية اللبنانية والعربية في آن: كل شيء قابل للتبرير ما دام يمرّ تحت شعار الشطارة.


السياسة هي المعرض الأكبر لعرض الفساد. من شراء الأصوات، إلى التعيينات بالمحسوبيات، إلى توزيع المناقصات كما توزَّع الغنائم. عالميًا، يكفي أن نذكر فضيحة "ووترغيت Watergate" في الولايات المتحدة (ريتشارد نيكسون) أو سيلفيو برلسكوني في إيطاليا لنعرف أن المرض معدٍ. فالفساد ليس اختراعًا لبنانيًا. في نيجيريا، اشتهر الجنرال ساني أباتشا بسرقة مليارات الدولارات. في الفلبين، فردينان ماركوس جمع ثروات خيالية. وفي البرازيل، فضيحة لافا جاتو(غسيل السيارات) هزّت أركان الدولة. ما يعني أن شعار "أنا حربوق مش فاسد" له نسخ مترجمة بكل اللغات.


في لبنان، القصة أدهى وأمرّ: كل مواطن يعلم أن زعيمه فاسد، لكنّه يبرّر له ببرودة دم: "غيره عامل السبعة وعمّتها". والأسوأ أنّه يرى الطرف الآخر وحده فاسدًا، فيما "بيّ الكل" منزّه وكأنّه قدّيس. وهكذا نعيش في حلقة تبرير مفرغة: الفاسد مغطّى، الشريف مكسور، والعدالة متأرجحة بين القضاة أنفسهم، حيث يقال إنّ "السلم القضائي يعشعش فيها الفساد".


المفترض أن القضاء هو ملاذ العدالة، لكنه قد يتحوّل إلى "شركة خدمات" لمن يدفع أكثر. قاضٍ يوقف تحقيقًا، وآخر يسرّب ملفًا، وثالث يبيع حكمًا. وفي النهاية، يخرج المواطن العادي ليقول: "إذا القاضي فاسد، على مين بدنا نشتكي؟".


ومن موظف صغير يطلب "فنجان قهوة" لتمرير معاملة، إلى وزير يوزّع الوظائف على أتباعه، الفساد الإداري هو سرطان الدولة.

قد نضحك حين نسمع عن طالب يغشّ أو معلم يبيع أسئلة الامتحان، لكنّ هذه البداية هي البذرة التي تنمو لتصبح نائبًا يسرق الموازنة. لكن حين يقول الطالب: "غيري غشّ وأنا ما رح خليها عليّ"، نكون قد وضعنا أول حجر في بناء جمهورية الفساد.


من أدوية تُهرَّب في السوق السوداء إلى مستشفيات تتلاعب بالفواتير، الفساد الصحي ليس أقل خطورة، لأنه يقتل مرتين: مرة بغياب الدواء، ومرة بغياب الضمير.


في لبنان، انهارت المصارف وبقي أصحابها أحرارًا. بينما المواطن العادي لا يستطيع سحب مئة دولار من حسابه، السياسي يهرّب الملايين إلى الخارج. إنها نسخة حديثة من مثل لبناني قديم: "اللي إلو ظهر ما بينضرب على بطنو".


بدل أن يكون الإعلام سلطة رقابية، يتحوّل أحيانًا إلى شركة علاقات عامة للزعماء. مقالات مدفوعة، أخبار مفبركة، وتلميع صور مقابل شيكات سخية. وهكذا يصبح الصحفي شريكًا في صناعة الوهم.


حتى الملاعب لم تسلم: حكّام يشترون، أندية تبيع نتائج، واتحادات رياضية تتقاسم الأرباح. الفساد في الرياضة يُفسد المتعة ويحوّل المنافسة إلى صفقة.


لا نزال نتذكّر ملف المرفأ الذي أودى ببيروت، وكيف تحوّلت التحقيقات إلى لعبة شطرنج بين قضاة ومسؤولين. لا أحد حوسب حتى الآن، رغم أن المسؤوليات تصل إلى وزراء ورؤساء أجهزة أمنية. اللبنانيون يدركون أن العدالة عندنا انتقائية: الضعيف بيأكلها، والكبير ما بينهزّ.


الحل يبدأ من التربية في المنزل، ويمرّ بالمدرسة والجامعة، ويكتمل بالقوانين الواضحة وتطبيقها على الجميع دون استثناء. لا كبير أمام القانون. التعيين يجب أن يكون بالكفاءة لا بالمحسوبية. والموظف، مهما كان منصبه، يجب أن يواجه ضميره قبل أن يواجه القضاء.


لكن، ماذا لو "القاضي فاسد والزعيم محمي"؟ عندها، نعود إلى سؤال المواطن البسيط: هل نحلم بدولة نظيفة أم نعيش في وهم الإصلاح؟


الفساد ليس قدرًا، بل صناعة بشرية يمكن وقفها. يكفي أن نضع المرآة أمامنا ونعترف: "نعم، نحن فاسدون بدرجات مختلفة". عندها فقط، نبدأ العلاج. لأن الدولة التي ينهشها الفساد من غرفة الصف حتى قصر الحكم ليست دولة، بل مسرحية كوميدية سوداء، شعارها الأوحد: "أنا حربوق مش فاسد".


وهنا لا بدّ أن نستذكر عهد الرئيس فؤاد شهاب، الذي شهد وضع قانون للتطهير الإداري، بمشاركة جان باز في صياغته. المفارقة الساخرة أن أول من طُبّق عليه هذا القانون كان جان باز نفسه، ليكون المثال الأوضح على أن الإصلاح الحقيقي يبدأ حين يطبّق القانون بلا استثناء، حتى على واضعيه. فهكذا وحده تُبنى الدولة المتماسكة غير الفاسدة، لا بشطارة "الحربوق"، بل بصرامة العدل.


لكننا اليوم نعيش على أمل أن العهد الجديد قد يفتح نافذة أمل: نرى تحقيقات، توقيف وزراء ومسؤولين، ملاحقات في ملفات مثل "النافعة" وغيرها. لأول مرة يُقال إنّ "رؤوسًا كبيرة قد تُمسّ".


لكن، هل يكفي ذلك؟ الحقيقة أن الفساد ليس قضية "أشخاص" فقط، بل منظومة كاملة من التربية، الثقافة، والفرص الضائعة. الطالب الذي يغشّ في الصف، المعلّم الذي يتغاضى، الشرطي الذي يقبض، الموظف الذي يوقّع لمصلحته، كلّهم يساهمون في سلسلة فساد صغيرة تنتهي بكارثة وطنية. التربية في البيت هي الحصن الأول: أن يعرف الفرد أنّ المركز ليس للسرقة، وأنّ "المال السائب يعلّم الحرام"، وأنّ الضمير أثمن من أي منصب.


فكيف نصل إلى دولة غير فاسدة؟ ليست يوتوبيا، بل مشروع ممكن إذا توافرت الحلول التالية من تربية مدنية وأخلاقية تبدأ من المدرسة والعائلة، إصلاح القضاء عبر محاسبة القضاة الفاسدين أولًا، تطبيق مبدأ الكفاءة لا الولاء في التعيينات، ثقافة محاسبة تبدأ من أصغر وظيفة إلى أعلى موقع، إلغاء الحصانات السياسية التي تجعل الفاسد فوق القانون، شفافية مطلقة في العقود العمومية.


نعم، قد يكون الحلم بعيدًا، لكن ليس مستحيلًا. العالم مليء بأمثلة دول كانت غارقة في الفساد ونجحت في الإصلاح: من سنغافورة مع لي كوان يو (Lee Kuan Yew) إلى رواندا بعد الحرب الأهلية. فلماذا لا يكون لبنان؟


يبقى السؤال الذي يطاردنا: لماذا حين يدخل المسؤول كرسي السلطة يصبح فاسدًا؟ أهو ضعف التربية؟ أم ضغط النظام؟ أم أن المنصب يغري ويكشف المعدن الحقيقي؟ مهما كان الجواب، فإنّ العلاج يبدأ من الفرد: من بيتنا، من صفّ المدرسة، من البلدية، من الجامعة. لأنّنا إن لم نحكم ضميرنا، سنبقى نغنّي مع علي بابا ورفاقه: "افتح يا سمسم"، لندخل خزائن الدولة بلا رقيب ولا حسيب.