صدرت قبل أيام عن "دار سائر المشرق"، الطبعة الثالثة من كتاب "على سيرة النوم" للدكتور فلاح أبو جوده. إنه كتاب ما بين أدب السيرة، والقصة القصيرة المستوحاة من واقع الحياة اليومية. والدكتور أبو جوده، طبيب تقويم أسنان وكاتب وشاعر، وهو ابن شقيق الصحافي الكبير الراحل ميشال أبو جوده. وُلد فلاح داود أبو جوده في الزلقا عام 1964، واهتمّ بقراءة الشعر وحفظه باكرًا، قبل أن يبدأ بكتابته وهو بعدُ طالب في الطب. له ديوان شعر باللغة المحكيّة بعنوان "أغاني حاصد الريح"، و"طمّنونا عنكم" الذي ضمّ فيه مجموعة مقالات .
من كتاب "على سيرة النوم" تنشر "نداء الوطن" فصلًا، ضمن صفحة "فصل من كتاب" لهذا الأسبوع.
لم أفهم يومًا ونحن صغار، سبب الانقطاع السريع لنزهة يوم الأحد مباشرةً بعد انتهاء الغداء، حتى كبرت وأصابتني المشكلة نفسها التي كان يعاني منها أبي، فنُعاني نحن من نتيجتها؛ إنّه النوم بعد الغداء.
كانت نزهة نهار الأحد تبدأ واعدة، حيث نلتزم برنامجًا غالبًا ما يكون متشابهًا: لقد كان أبي يُشبّه نفسه بصيّادي السمك في منطقة "عمارة شلهوب"، الذين كانوا يمضون كلّ أيّام الأسبوع في قواربهم يرمون شباكهم ويصارعون الموج، فإذا حلّ نهار الأحد وأرادوا التنزّه مع عائلاتهم، حملوهم وأخذوهم إلى البحر!
وهذا كان دأبنا نحن؛ فبعد أن نستيقظ نهار الأحد ونرتدي ثيابنا، كان علينا أن نمرّ بالمحطّة الأولى وهي مصنع أبي الذي كان يمضي فيه ستّة أيّام في الأسبوع من الصباح إلى المساء. ستّة أيّام في الأسبوع، من الصباح إلى المساء، ويشتاق إليه نهار الأحد!!!
هناك، كانت فرصته ليتفقّد العمل المستمرّ، إضافةً إلى فرصة أخرى، ألا وهي "عرض عضلاتِه" أمام أمّي، فيُريها ما فعل خلال الأسبوع، فتبدأ هي بمدحِهِ بطريقة غرائزيّة، فيرتفع منسوب "الأدرينالين" في دمِهِ إلى حدّ تأخذ فيه الزيارة منحًى دراماتيكيًّا، ويروح يبحث عن أيّ تقصيرٍ من أيّ من العمّال ليصبَّ عليه غضبه، ويتحوّل مزاجه إلى جنونٍ يجعلنا نرتجف رعبًا، فنلعن في قلوبنا هذه الزيارة ونلعن الصناعة.
مباشرةً بعدها، كنّا ننطلق، وكأنّ شيئًا لم يكن، في موكبٍ مؤلّفٍ من عددٍ من سيارات "الأوستين كامبريدج" من مختلف الألوان، كان أبي قد نصح أخوالي وأصدقاءه بها، إيمانًا منه بالميكانيك الإنكليزي. وغالبًا ما يكون اتّجاهُنا محدّدًا سلفًا لا يتغيّر إلّا نادرًا: "صنّين". كانت أمّي من "بسكنتا"، وكان أبي يحبّ هذه المنطقة رغم صعوبة الوصول إليها عبر "وادي الجماجم"، فنروح نلفّ الأكواع متكدّسين، أربعة في المقعد الخلفيّ، وأربعة في المقعد الأماميّ؛ ومتنزّهين على شفير الهاوية، حيث لم نكن نتجرّأ حتّى على النظر إلى الوادي السحيق.
وطول الطريق، كان أبي يخبرنا أخبارَه التي لا تنضب... عن "وادي الجماجم"، وعن تلك الحرب العظيمة التي دارت هناك، وسقط فيها من القتلى ما جعل الوادي يمتلئ بجماجم الجيشَيْن؛ وعن جدّتي "أم خليل"، وكيف قطعت الوادي سيرًا على الأقدام، بعد أن سبقتها "البوسطة"، لتوصل الزوّادة إلى خالي جورج المسجون في سجن القلعة لأسبابٍ سياسيّة؛ وعن أمين الريحاني، وكيف عَبَرَ الوادي في رحلته إلى "صنّين"، كما وصفها في "قلب لبنان"؛ وعن حالة البلد التي تبكي التماسيح؛ وعن الجدّ والعزم والحذر؛ وعن أنّ الحياة هي للّذين يستيقظون باكرًا؛ وعن المهندس الإنكليزي في "معمل العسيلي" الذي لقّبه بالساحر من فرط إعجابه به؛ وعن مقال عمّي - شقيقه ميشال - المنشور في "حقيبة النهار" كلَّ يوم، ناصحًا إيّانا بأن نقرأ بين السطور، وأن لا نكتفي بالقشور؛ وعن عاصي ومنصور، وكيف أنّك لا تستطيع استبدال أيّ كلمة بأيّ كلمةٍ أخرى في أغانيهما؛ وعن وسام اللّغة العربيّة الذي منحه الأستاذ ميخائيل نعيمه لخالي خليل، ومن ثمّ لأمّي، ثمّ عاد ومنحه بعد سنوات لأنطوان أبي حيدر الذي سيُصبح صهري، زوج شقيقتي أليسار؛ وعن عمّ أمّي، مخايل الحدّاد، ناطور كروم "بسكنتا"، الملقّب بالدرويش، وأبيات العتابا التي كان ينظمها في عرزاله وهو سكران؛ وعن هذه المقتلة الكبرى التي تُدعى الحياة!
وكنتُ وقتها، وأنا جالس في حضن شقيقي هاني، أُسجِّل ما أسمعُه كالمسجّلة، وأردّدُهُ في رأسي بإلحاحٍ سيطبع شخصيّتي، ويظلّ يلازمني طوال حياتي، فيُضجِر مَن حولي حينًا ويميّزني أحيانًا.
لقد كانت هذه النزهة مدرستَنا الحقيقيّة، تَعلّمنا فيها ما لم نتعلّمه، ولن نتعلّمه لاحقًا، خصوصًا في ما يتعلّق بالمستقبل. لم يكن أبي يأمَن للحياة، وقد نقل إلينا هذا الخوف، فأمضَينا حياتنا حذرين، خائفين، حتّى في أفضل الظروف، وحتّى حين كنّا في عين الأمان، وكأنّنا "في جفن الردى وهو نائمُ"، بحسب ما قال المتنبّي.
وكنّا نُكمل طريقَنا مرورًا بسوق "بسكنتا"، حيث بيت جدّتي، ثمّ إلى "صنّين"، وهناك تبدأ المطاعم بالانتشار يمينًا ويسارًا، فلا نختار منها سوى المطعم نفسِه في كلّ مرّة، وسبب الاختيار ليس الطعام الجيّد، ولا الموقع المميّز، ولا الخدمة اللائقة، بل غرفة النوم في الطابق العلويّ، حيث يستطيع المعلّم داود النوم بعد الغداء.
وما إن نضع اللقمة الأخيرة في فمنا، حتى يسأل أبي سؤالَه التاريخيّ: "ما هو أعظم اختراع في الكون؟"، فنجيبُه جميعًا بصوتٍ واحد: "إنّه النوم". فيضحك، وينسحب، تاركًا الجميع لأحاديثِهم العاديّة.
…وكبِرتُ، وأصابتني العادةُ نفسُها، بشكلٍ أكثر حدّة. وبما أنّه لم يعُد من السهل إيجاد مطاعم مع غُرفة للنوم، صرتُ أختار منها ما هو قريب، حيث يكون الذهاب سهلًا، والرجوع أسهل وأسرع.
وفي إحدى المرّات، سألتني ابنتي لينا: "شو قصّة هالنوم معك، ما في مرّة منكفّي نهار الأحد؟". فانتابتني حاجةٌ ملحّة لتذكّر بعض ما قرأتُه وسمعتُه عن هذا الموضوع، فقلت لها: "على سيرة النوم"...
يحبّ الأولاد، عادةً، النوم خارج المنزل وخاصّة عند الأقرباء، طبعًا إذا كان لهؤلاء الأقرباء أولاد من العمر نفسه. ومن جهتنا أحببنا ونحن صغار النوم عند أخوالي، حيث كنّا نمضي أوقاتًا ممتعة مع أولادهم. وفي إحدى المرّات غيّرتُ المعادلة وقرّرتُ النوم عند جدّتي، في "بسكنتا"، حيث كانت تعيش وحيدة بعد وفاة جدّي. حاولَتْ أميّ ثنيي عن هذا الموضوع، لكنّ عنادي الطفوليّ أبى أن يقتنع، فجهّزتُ أغراضي وثيابي... وهناك، وقفت على باب منزل جدّتي، وأنا ألوّح لأبي وأمّي المغادرَيْن نحو منزلنا الصيفيّ في الزغرين. ما إن بدأت الشمس تغيب حتى بدأتُ أشعر باضطرابٍ غريب، حاولت أن أخفيه دون جدوى.
بعد العشاء، طلبَت منّي جدّتي ارتداء ثياب النوم، ودَخَلت بدورها إلى غرفتها لتعود بعد عشر دقائق وقد أرخت شعرها الفضّيّ على كتفيها؛ لم أكن قد رأيت جدّتي من قبل بدون عصبة شعرها السوداء، فانتابني رعب لم أعهده في حياتي! من هي هذه المرأة؟! وماذا أفعل هنا في هذه الغرفة ذات السقف الخشبيّ المرتفع؟!
نظرتُ من الشبّاك، فما زادني منظر الوادي السحيق والشجر العالي المحيط بالمنزل سوى رعبٍ فوق رعب. وانتابني بكاءٌ هو أقرب إلى الصراخ، وحاولَت جدّتي عبثًا تهدئة خاطري، ولكن من دون جدوى؛ فالولد مصاب بحالة من الهلع لم تستوعب سببها، ولا هو قادر على تبريرها.
لبست جدّتي ثيابها وألبستني ثيابي، وذهبنا مشيًا نحو منزل خالي القريب، فاستودعتني هناك غير آسفة، لا بل مسرورة ضمنًا، لخلاصها من بكاء هذا الحفيد المزعج.
وللنوم غُرفٌ في البيوت؛ وللنوم أثاثٌ بين الأثاث، وهو السرير الذي قد يكون متواضعًا أو قد يكون فخمًا، إشارةً إلى ثراء النائم، ويُقال للسرير "مَخْدَع" لأنّ الكلمة في اللّغة العربيّة تعني المكان الخاصّ الذي يُختلى فيه للنوم، والكلمة مشتقّة من الجذر "خَدَعَ" الذي يحمل معنى التخفّي والتواري. وبحسب الصديق سيمون نجم يقال له "المخدع"... لأنّ الخديعات الكبيرة... تحصل هناك.
وفي قصّتنا الخاصّة، فإنّ أبي سارع، بعد ولادة شقيقتي ندى، إلى استنباط فكرة تقضي بأن يقرّب طاولتَيْن صغيرتَيْن وضع فوقهما فرشة من القطن، وصنع لها هكذا سريرًا كي تنام عليه بانتظار أن يشتري لها سريرًا شرعيًّا. ويوم كبِرت قليلًا واكتشفت أصل سرير طفولتها وفصله، نظرت إلى أبي بعينَيها المدوّرتَين وسألت سؤالها التاريخيّ الذي سنظلّ نردّده ضاحكين: "بابا؟ نحنا شي "فقيرين"؟". وقد يُخفي أحدهم عن الناس حقيقة امتلاكه ثروة مادّيّة، فيُقال حينها إنّ الشخص "نايم على ثروة". وقد يُخفي خبرًا ما، فيُقال إنّه "نايم على خبريّة". وهناك الذين يموتون أثناء نومهم، فيُقال حينها إنّ الشخص "نام ما قام"، وتُعتبر هذه الميتة ميتةً صالحة وقد ذكرها العرب في أمثالهم إذ يقال: "نام نومة عبّود". وأصل ذلك، أنّ عبّودًا هذا كان تماوت على أهله وقال: "اندبوني لأعلم كيف تندبونني ميتًا"، فندبوه، ومات على تلك الحال، من شدّة تأثّره!
