رمال جوني

فاتورة الاستشفاء تقصم ظهر الفقير اليوم

4 دقائق للقراءة

هو واقع فرضته الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعصف بلبنان. فقد باتت الطبابة لمن استطاع إليها سبيلًا، في ظل غيابٍ كليّ لدعم الدولة. تغطية وزارة الصحة غير كافية، أما تغطية الضمان، التي وصلت إلى 80 % نظريًا، فهي عمليًا تشمل الغرفة فقط داخل المستشفيات، في حين تبقى المستلزمات الطبية خارج التغطية.



بدأت صرخات الأهالي تخرج إلى العلن: "حقّنا في الطبابة!" وسط عجزهم عن زيارة حتى الطبيب في عيادته، إذ تجاوزت كلفة المعاينة الـ 50 دولارًا.


يضطر أبو أحمد لتحمّل أوجاعه المبرحة، لأنه غير قادر على زيارة الطبيب أو حتى شراء الدواء، فكلفتهما خارجة عن قدرته المادية.

يعاني من السكري، والضغط، ومشاكل في عينيه، إضافة إلى أمراض أخرى جعلته عاجزًا عن تغطية تكاليف علاجه.



في المقابل، تؤجّل يمنى زيارتها لطبيب العيون بسبب غلاء المعاينة، فالظروف الاقتصادية كما تقول لا تسمح لها بالخضوع للعلاج.



تتوالى قصص الناس الصحية المؤلمة، فخلف جدران المنازل آلاف القصص الموجعة، الفقر يطرق كل البيوت، والناس تئنّ من الأوجاع، تنتظر عيادة نقالة مجانية تصل إلى القرى هنا، أو مبادرة صحية هناك، وما عدا ذلك، فالطبابة مؤجّلة في كثير من بيوت أبناء الجنوب، كما في كل لبنان.



يُقرّ وزير الصحة العامة، ركان ناصر الدين، أن"تغطية وزارة الصحة لا تصل إلى الجميع، وهي غير كافية." وقد كان واضحًا في موقفه خلال مشاركته في مهرجان "عربصاليم تنبض بالصحة"، الذي قدّم مختلف الخدمات الصحية مجانًا للناس، وليس فقط الدواء، من خلال جمعية الدكتور رضا سعادة للتنمية الاجتماعية. وقال ناصر الدين: "هذه المبادرات مهمة جدًا، لحين استعادة وزارة الصحة دورها. ومما لا شك فيه، أن دعم وتطوير مراكز الرعاية الصحية الأولية بات ضرورة في ظل الأزمة الصحية التي تضرب البلاد"، وهو ما أكّده ناصر الدين بقوله: "الوزارة في طور إعداد خطة تطويرية لمراكز الرعاية الأولية، عبر تقديم دعم مباشر لكل مستفيد، وسيُجرى إطلاقها مع بداية عام 2026، لتؤمّن التغطية الصحية لكل مواطن، على نفقة وزارة الصحة والجهات المانحة. "وأضاف: "على الأقل، لتقوم الدولة بجزء من دورها في هذا المجال".



ناصر الدين، الذي شارك الناس يومهم الصحي المجاني في عربصاليم، استمع إلى مشاكلهم وأوجاعهم، وتردّد على مسمعه كثير من القصص، أبرزها: "ما قادرين نروح عند الطبيب ولا نفوت عالمستشفى"، وقال آخر: "نعضّ على الوجع لحين القيام بمبادرة مجانية تقدم لنا دواء يسكّن آلامنا".



عند فحص العيون، جلس أبو محمد متوكئًا على عصاه، ينتظر دوره وسط زحمة كبيرة في المكان. فما شهدته عربصاليم كان تظاهرة صحية بكل ما للكلمة من معنى، ليست خاصة بهذه المبادرة فقط، بل هي مشهد يتكرر في كل مبادرات القرى الصحية المجانية، التي باتت ملجأ الناس للحصول على دواء أو استشارة طبية، في زمن أصبح فيه العلاج حكرًا على من يملك القدرة المالية.



يراقب أبو محمد حركة الناس بعينيه المتعبتين، ويقول: "أعاني من أمراض كثيرة، وكلفة العلاج مرتفعة، ولا أستطيع شراء الدواء. لم يعد أمامنا سوى المبادرات المجانية للعلاج".



لا يُخفي رئيس جمعية الدكتور رضا سعادة للتنمية الاجتماعية، الدكتور محمد سعادة، خطورة المرحلة الصحية التي يمر بها الناس اليوم، ويؤكد: "الناس في وضع اقتصادي لا يُحسدون عليه. أردنا من خلال نشاطنا الصحي المجاني أن نكون سندًا صحيًا لهم في هذا الوضع المعيشي الصعب".



ويُشير سعادة إلى أن الخدمات الصحية شملت: الفحوصات العامة، الصور الشعاعية، عيادات العيون والأسنان، إضافة إلى تقديم الأدوية، ويقول: "كلّها خدمات مجانية، لنقف إلى جانب الناس".



تتوسّع رقعة الخدمات الصحية المجانية في قرى الجنوب، وقد ازداد الطلب عليها بشكل كبير بعد الحرب الأخيرة، فالناس لم يَعُد أمامهم خيار آخر في ظل تخلّي الدولة عن مسؤولياتها، بحسب ما أكده رئيس بلدية عربصاليم، علي حسن .



في زمن صحي دقيق للغاية، وظروف معيشية قاهرة، ومع الارتفاع المستمر في كلفة العلاج، باتت العيادات النقالة ملاذ الفقراء في زمن الأزمات، إلى حين أن تستعيد الدولة دورها الطبيعي في رعاية صحة مواطنيها.