هناك أخبار لا تُقرأ بالعين، بل توقظ ذاكرة وطن بأكمله، فمن يقرأ خبر طلب القضاء الفرنسي من لبنان توقيف ثلاثة من أبرز ضباط نظام بشار الأسد السابق، لا يقرأ خبراً قضائياً عادياً، بل يفتح كتاباً أسود ظن اللبنانيون أنهم أغلقوه إلى الأبد وإنتهى إلى غير رجعة.
كتاب صفحاته مكتوبة بالألم ولا بالقلم، بالقهر ولا بالحبر، وتعود بنا إلى زمنٍ كان الخوف فيه لغةً يومية، وكانت الكرامة تُنتزع من الإنسان قبل حريته.
ما إن تقع العين على تلك الأسماء حتى تستيقظ الذاكرة رغماً عنها، وهنا لن أتكلم عمَن إستفاد من هذه الأسماء وبنى أمجادا وثروات، بل سأتكلم عن الجانب المحزن... فصدى صرخات المعتقلين يعلو من أقبية سجن تدمر، ورائحة الموت تفوح من سجن صيدنايا، وحكايات الناجين من فرع فلسطين (235) تخرج الى العلن، حيث تحدث كثيرون عن سنوات من التحقيقات القاسية والتعذيب والإذلال. وصور "قيصر" التي هزّت ضمير العالم بعدما كشفت آلاف الجثامين التي وثّقت وفق تقارير دولية، ومآسي الإختفاء القسري في المراكز الأمنية بينها الفرع 215 والأمن العسكري وأمن الدولة وأحقرهم المخابرات الجوية، تلك الأفرع التي إرتبط إسمها في تقارير الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان بانتهاكات جسيمة وفظيعة لا يتحملها أي عقل بشري سليم.
ولكن أكثر ما يؤلم ليس أسماء السجون... بل أسماء الناس الذين دخلوا إليها ولم يعودوا. أمهات رحلن وهن يحملن صورة إبن لا يعرفن إن كان حياً أم ميتاً. آباء ماتوا على أبواب الانتظار. زوجات كبر أولادهن وهم لا يعرفون إن كان والدهم سيعود يوماً. ولبنانيون ما زالت عائلاتهم بعد عشرات السنين، تبحث عن حقيقة أحبائها الذين اختفوا في السجون السورية، فيما بقي هذا الملف مفتوحاً في ضمير الوطن قبل أن يبقى مفتوحاً في أدراج السياسة.
عندما أقرأ أسماء كل من الرئيس السابق لمكتب الأمن القومي علي مملوك، والرئيس السابق لإدارة المخابرات الجوية جميل الحسن، والرئيس السابق لفرع التحقيق في مطار المزة العسكري عبد السلام محمود، لا أراها مجرد أسماء يلاحقها القضاء، بل أراها مفاتيح لذاكرة موجعة، تفتح أبواب مرحلة لا يريد اللبنانيون أن يعيشوا ظلالها مرة أخرى. فالشعوب قد تغفر، لكنها لا تستطيع أن تنسى، والذاكرة التي كُتبت بالدم لا تمحوها السنوات، ولا تبدلها التحالفات، ولا يدفنها الصمت.
هذه الأسماء ارتبطت بأجهزة أمنية اتُّهمت بارتكاب انتهاكات جسيمة، حتى إن القضاء الفرنسي أصدر بحقهم أحكاماً غيابية بالسجن المؤبد في قضايا تتعلق بجرائم حرب وضد الإنسانية، مع الإبقاء على مذكرات التوقيف الدولية. لكن بالنسبة إلى اللبنانيين، القضية أعمق من ملف قضائي فرنسي.
هذه الأسماء وغيرها تعيد إلى الذاكرة حقبة امتدت قرابة ثلاثة عقود، بدأت مع دخول قوات الردع السورية عام 1976 الى ان أنسحبت عام 2005 عاش خلالها لبنان تحت حكم وسيطرة نفوذ وسلطة النظام البعثي الأسدي الغاشم.
سنوات لم يكن القرار اللبناني فيها مستقلاً كما كان يتطلع إليه الكثير من اللبنانيين، بل كانت أجهزة الاستخبارات السورية لاعباً أساسياً في مفاصل الدولة، من السياسة إلى الأمن، ومن الإدارة إلى التعيينات.
فجيل كامل يعرف تماماً ماذا كانت تعني عبارة "استدعاء أمني" ويرتجف خوفا عند سماع مبنى البوريفاج أو مكتب عنجر. فالبوريفاج حيث كان زواره يودعون حياتهم وأمهاتهم إستعدادا لنسيان أسمائهم وحتى تواريخ ميلادهم... فدخولهم اليه معروف ولكن الخروج منه لا يعلم به الى الله وحده. أما عنجر فكانت غرفة القرار ومركز النفوذ، وعنواناً لمرحلة كاملة حيث كانت تمتد سلتطها إلى تشكيل الحكومات، والتعيينات العسكرية والأمنية والإدارية، وحتى رسم مستقبل شخصيات سياسية، وهناك كانت مواكب السيارات تصطف منتظرة أصحابها كالكلاب التي تنتظر دورها في الحصول على قطعة لحم من جيفة غير معروف من هو صاحبها.
هناك كان سياسيون ووزراء ونواب ومرشحون يتوافدون لا لعرض برامجهم على الشعب، بل طلباً لرضى ضابط المخابرات وأمراً وطاعة للوالي على لبنان. في بلد يفترض أن تكون فيه بيروت هي عاصمة القرار، كان الكثيرون ينظرون إلى عنجر حيث مكتب غازي كنعان ومن بعده رستم غزالة، على أنها خشبة الخلاص أو المصلى الذي يحقق الأمنيات، ولو على حساب كرامتهم وإذلالهم، أو بفرض الخوات عليهم وتهديد حياتهم، وصولا بالطلب منهم ببيع نسائهم لشرائها مقابل تحقيق مرادهم في منصب من هنا او صفقة من هناك، تحت غطاء النفوذ السوري المهيمن على جميع منافذ ومفاصل الدولة.
في عنجر كانت الحكومات تُناقش، والتعيينات الأمنية والعسكرية والقضائية تمر، أو يُقال إنها تمرعبر ميزان الرضا الأمني السوري قبل أن تصل إلى المؤسسات اللبنانية. وهنا حين يصبح طريق المسؤول إلى الوزارة أو النيابة أو حتى المنصب خارج حدود وطنه أقصر من طريقه إلى مؤسسات دولته، فإن السيادة تتحول إلى كلمة تُلقى في الخطب، لا إلى واقع يُمارس.
وبعد أن دارت عجلة الزمن... وإنهار النظام الذي حكم دمشق لعقود، وسقطت الصورة التي حاول أن يرسمها عن نفسه باعتباره نظاماً لا يهتز. ووجد نفسه من كان يحكم بالحديد والنار أمام نهاية لم يكن يتوقعها، وبعد أن تبدلت موازين القوى لم تسقط الذاكرة مع سقوطه، صحيح انتهى عهدٌ ظل يعتقد أن سلطته أبدية، لكن اللبنانيين لم يغلقوا دفاتر لم تُكتب نهايتها بعد.
فتلك المرحلة لم تكن مجرد نفوذ سياسي فقط، ففي ذاكرة آلاف اللبنانيين تقبع قصص لم تُمح أبداً ولو مر عليها مئات السنين. فاللبناني العادي كان يعيش وجهاً آخر لتلك المرحلة... وجهاً اسمه الخوف.
فكان بمجرد الاستدعاء إلى أحد الأفرع الأمنية السورية أو اللبنانية المرتبطة بها، كفيلاً بأن يزرع الرعب في قلوب العائلات. نعم إنها مرحلة رسمت قصص الاعتقال، والاختفاء، والخوف، والإغتصاب، والرقابة، وتركيب الملفات التي لم تُقفل حتى اليوم، لذلك فإن هذا الخبر لا يُقرأ بعين القانون فقط ببل بعين الذاكرة.
واليوم السؤال الذي يفرض نفسه ليس سؤالاً قانونياً فقط، بل سؤال أخلاقي وسيادي أيضاً:
ماذا لو ثبت وجود أشباح النظام البائد على الأراضي اللبنانية، فهل يليق ببلد ما زال يحمل جراح تلك المرحلة أن يتحول إلى ملاذ لمن تلاحقهم العدالة الدولية؟ وهل ستتعامل الدولة مع هذا الملف بمنطق دولة يحكمها القانون، أم ستترك الماضي يتسلل من جديد، وكأن شيئاً لم يكن؟
لبنان الذي يطالب العالم اليوم بإحترام سيادته، مطالب أيضاً بأن يثبت أن سيادة القانون تُطبق على الجميع، وأن ملفات الألم والضحايا لا تُدفن تحت ركام المصالح والتحالفات، فالعدالة لا تعيد سنوات العمر إلى الضحايا لكنها تمنع إهانة ذاكرتهم، والألم الذي عاشوه لا يصبح مجرد فصل يُطوى لأن السياسة تغيّرت، والأوطان التي تنسى تاريخها كثيراً ما تجد نفسها أنه محكوم عليها أن تعيشه من جديد، اما السيادة فهي تبدأ عندما لا يكون على أرض لبنان مكانٌ يختبئ فيه الماضي من العدالة.
هذا الملف لا يحتمل الغموض، القضية ليست انتقاماً من أحد، ولا عداءً لشعب سوريا الذي دفع هو الآخر ثمناً باهظاً خلال سنوات الحرب والقمع وعانى الكثير. القضية هي قضية عدالة، قضية ذاكرة، وقضية دولة تحترم نفسها، فالبلد الذي ما زال يبحث عن حقيقة آلاف المفقودين، لا يستطيع أن يتعامل بخفة مع أي ملف يعيد فتح جراح لم تلتئم بعد، والتاريخ لا ينسى، والشعوب قد تصمت لسنوات، لكنها لا تمحو من ذاكرتها من صادر قرارها، وإختطف أبناءها، وإغتصب أعراضها، وسرق موارد مرفئها ومطارها، ولا حتى من جعل وطنها ساحةً تُدار من خارج حدوده بالقوة والبطش والذل.
الأوطان يا سادة تُبنى بالذاكرة كما تُبنى بالقانون ولا صوت يعلو فوق صوت الموت الا صصوت العدالة.